إحسان عبدالقدوس بين السياسة والأدب

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

كان إحسان عبد القدوس أول رئيس تحرير يتخطى بالجريدة التي يرأس تحريرها – أخبار اليوم – حاجز المليون نسخة . كانت فترة رئاسته تحرير أخبار اليوم الفترة الذهبية , وفي نفس الوقت كانت روايات إحسان تتحول إلى أفلام بالجملة وتملأ شاشات العرض في دور السينما على مدى محافظات مصر . كان إحسان منذ بداياته كاتبا سياسيا من طراز رفيع وقاد حملات صحفية سجلها تاريخ الصحافة في مصر ومن أهمها قضية الأسلحة الفاسدة . بعد ثورة يوليو ورغم علاقة إحسان بقائدها جمال عبد الناصر وغالبية أعضاء مجلس قيادة الثورة , إلا أنه تعرض للسجن بسبب مقال " الجمعية السرية التي تحكم مصر " .

ظل إحسان على علاقاته مع الثورة ورجالها وهو من اوحى في مقال له بمسألة تأميم الصحافة واستجاب جمال عبد الناصر لما كتبه إحسان وتم تعيين إحسان – استثناء – في رئاسة مجلة روز اليوسف التي كان يمتلكها قبل التأميم . قصة إحسان بين السياسة والأدب و موضوع هذا المقال.

حين يُذكر الأدب المصري الحديث، يبرز اسم إحسان عبد القدوس في الصفوف الأولى، لا سيما في فن الرواية التي تحولت إلى أفلام ومسلسلات رسخت في وجدان الجماهير. إلا أن هذا الأديب الكبير لم يبدأ رحلته داخل غرف الرواية الحالمة، بل كان صحفيًا سياسيًا من الطراز الرفيع، في صدارة المشهد الصحفي المصري والعربي، خاض معاركه بالقلم وسط أمواج السياسة المتلاطمة، قبل أن يتحول إلى روائي يُتقن الغوص في النفس البشرية، لا سيما في عوالم الحب والمرأة والجنس والعلاقات الاجتماعية.

وُلد إحسان عبد القدوس في بيت شديد الخصوصية: والدته فاطمة اليوسف، المعروفة بلقب "روز اليوسف"، مؤسسة واحدة من أجرأ المجلات السياسية في تاريخ الصحافة المصرية. لم يكن غريبًا أن ينشأ ابنها في هذا المناخ المشبع بالجرأة والانحياز للموقف الوطني والاجتماعي. تلقى تعليمه في مدرسة الحقوق، لكن قلبه ظل مشدودًا نحو بلاط صاحبة الجلالة، فتسلم رئاسة تحرير مجلة "روز اليوسف" في ريعان شبابه، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى جريدة "أخبار اليوم"، حيث لعب دورًا كبيرًا في تطوير الصحافة المصرية الحديثة.

في الأربعينات والخمسينات، كان إحسان عبد القدوس أحد أكثر الأقلام السياسية نفاذًا وتأثيرًا. كتاباته النارية، وتحقيقاته الجريئة، ومقالاته الصريحة كانت تضعه دومًا في دائرة الخطر، فليس غريبًا أن يُعتقل بعد الثورة ، وأن يدخل في صدامات مع قيادات الدولة ، رغم قربه من الضباط الأحرار. لكنه كان يُدرك أن القرب لا يعني التبعية، فاحتفظ بمسافة من النقد، وهو ما عرضه للسجن.

مع تصاعد المدّ الثوري وتأميم الحياة السياسية والإعلامية في الستينات، ومع انحسار هامش الحرية، بدأ إحسان يشعر أن الصحافة لم تعد منبرًا حرًا كما كانت. وجد نفسه محاصرًا بقيود المؤسسات والرقابة، في زمن بات فيه القلم أسيرًا لتوجيهات السلطة. من هنا بدأ التحول نحو الرواية، فوجد فيها فضاء أرحب للتعبير، وساحة فنية يستطيع أن يقول فيها ما لا يمكن قوله في المقال السياسي.

لكن هذا التحول لم يكن هروبًا بقدر ما كان إعادة توجيه ذكيًا للأداة. فإحسان لم يتخلَّ عن قضاياه، بل أعاد طرحها بشكل غير مباشر، عبر رمزية الشخصيات والأحداث، وعبر الغوص في وجدان المجتمع المصري وتحليل تحولات النفس والمدينة والسلطة والعاطفة. لم يكن الكاتب يعيش في أبراجه العاطفية بعيدًا عن الواقع، بل كان يرسم من خلال المرأة والجنس والحب صورة مكثفة لمجتمع مأزوم يبحث عن ذاته وسط الصراعات والتناقضات.

اللافت في تجربة إحسان أنه نجح في تفادي فجوة التحول بين الصحافة والسياسة من جهة، والأدب والرواية من جهة أخرى، لم يشعر القارئ بأنه أمام كاتب انقلب على ذاته أو باع تاريخه، بل كان يقرأ أدبًا ناضجًا مشبعًا بالحس الصحفي والفكر السياسي، دون مباشرة أو شعارات.. رواياته مثل "في بيتنا رجل" و"يا عزيزي كلنا لصوص" و"حتى لا يطير الدخان" و"وغابت الشمس ولم يظهر القمر" وغيرها كانت مرآة سياسية واجتماعية عكست صراعات الحرية الفردية، وقضايا المجتمع وتحولاته في ظل الأنظمة المختلفة.

رغم أن بعض الضباط الأحرار كانوا من أصدقائه ، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، إلا أن علاقته بالسلطة ظلت متوترة. تم حبسه بعد الثورة ، لكنه خرج أكثر صلابةً ووعيًا، وربما كانت هذه العلاقة المركبة هي التي منحته البصيرة ليفهم التناقضات العاطفية والسياسية في المجتمع، فكتب عنها بعين الصحفي ودقة الروائي.

لا يكاد يُذكر فيلم مصري من الخمسينات إلى الثمانينات إلا وكان لإحسان فيه نصيب. تحولت معظم رواياته إلى أعمال سينمائية لامعة، حتى أنه يُعد الثاني بعد نجيب محفوظ من حيث عدد الروايات التي تحولت إلى أفلام. لكن ما يميز إحسان هو أن رواياته كانت أقرب إلى السينما من البداية، بأسلوبه الحواري، وتصعيده الدرامي، وشخصياته المركبة، ما جعل من نصوصه مادة جاهزة للشاشة، دون أن تفقد عمقها الأدبي.

تجربة إحسان عبد القدوس ليست سهلة التكرار. فهو لم يكن مجرد صحفي كتب رواية، بل أديب تشكّل في أحضان الصحافة، وفنان مسكون بالسياسة. قليلون من استطاعوا عبور هذا الجسر بنجاح، لأن التحول يتطلب موهبة فنية خالصة، ووعيًا اجتماعيًا عميقًا، وحسًا إنسانيًا راقيًا. فبين السياسة والأدب بحار شاسعة، وإحسان كان أحد القلائل الذين سبحوا فيها دون أن يغرقوا أو يتوهوا.

إحسان عبد القدوس لم يكن مجرد كاتب للأدب الناعم أو أدب الفراش ، كما أحب بعض النقاد وصفه. كان كاتب الإنسان، الذي فهم أعماقه، وجعل من الحب والسياسة والحرية والتمرد عناوين متداخلة في نصوصه. عاش صراعًا بين القلم والسياسة، بين الرأي والعاطفة، وخرج من التجربة بصوت خاص، ظل يتردد في السطور والشاشات حتى بعد رحيله.