تناولت صحيفة «واشنطن بوست» نتائج جولة الرئيس الأمريكى، التى شملت كلاً من المملكة العربية السعودية، وقطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، عبر تقرير لها، أكدت فيه أنه على مدار أربعة أيام من اللقاءات المكثفة، والاحتفالات الباذخة، استعرض «ترامب» نهجاً شخصياً فى الدبلوماسية، ليتلقى وعوداً استثمارية تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات، سواء فى الولايات المتحدة، أو عبر مشروعات مشتركة، وإن كانت تفاصيل غالبية هذه الوعود ما زالت «غامضة»، بل وأثار كثيرون الشكوك حول إمكانية تنفيذها فعلياً، إلا أن «ترامب» تجاهل كل هذه الانتقادات، وقال خلال مؤتمر صحفى، فى ختام جولته الخليجية: «أنا فقط أفكر بأن لدينا رئيساً يقوم بعملية البيع، هل تعتقدون أن بايدن كان سيفعل ذلك؟.. لا أظن، لكن هذا مهم جداً، ويجب أن أكون المشجع الأول لبلادى».
فى العاصمة الإماراتية أبوظبى، تحدَّث ترامب عن صفقات فى مجالات الطاقة والطيران والرعاية الصحية، مشيداً بشركات أمريكية مثل «بوينج» و«جنرال إلكتريك»، إلا أنه فى الوقت نفسه أعرب عن شعوره بـ«خيبة أمل»، نظراً لأن غالبية المشروعات، التى تم الاتفاق عليها، لن تكتمل قبل مغادرته البيت الأبيض، وقال فى هذا الصدد: «سيأتى أحدهم ليقص الشريط، وسيأخذ الفضل.. لكن تذكروا، هذا الرجل (متحدثاً عن نفسه) هو من بدأها»، ولم يقتصر حديث الرئيس الأمريكى على استعراض مهاراته فى عقد الصفقات، بل تطرَّق أيضاً إلى ما يمتلكه من «سمات شخصية» تؤهله للتدخل بقوة فى عدد من الملفات الشائكة فى السياسة الدولية، من ضمنها الحرب بين روسيا وأوكرانيا، قائلاً إن «الحل لن يأتى إلا من خلال لقاء شخصى مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين»، وأضاف: «علينا أن نلتقى، أعتقد أننا سنحلها، أو ربما لا، لكن على الأقل سنعرف».
ولم يغفل ترامب، خلال جولته الخليجية، الحديث عن حرب «الإبادة الجماعية» المستمرة ضد الشعب الفلسطينى منذ 18 شهراً، إذا أبدى قلقه من «الوضع الإنسانى» فى قطاع غزة، الذى يرى أنه يجب أن يكون «واحة للحرية»، فى محاولة لإعادة تكرار خطته السابقة بتهجير سكان القطاع إلى الدول المجاورة، وقال: «كثير من الناس يتضورون جوعاً، ولكن يجب النظر إلى الجانبين»، وأضاف أنه على رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، أن يعمل على إعادة المحتجزين المتبقين فى غزة، قبل أن يستدرك بقوله: «لا أعرف إن كان قادراً على ذلك»، وتطرَّق أيضاً إلى الملف النووى الإيرانى، معرباً عن رغبته فى التوصل إلى «اتفاق جديد» بين واشنطن وطهران، دون أن يتخلى عن «نبرة التهديد»، التى أصبحت السمة العامة لغالبية أحاديثه، بقوله: «قدَّمنا لهم عرضاً، هم يعرفون أن عليهم التحرك بسرعة، وإلا فسيحدث شىء سيئ».
وبدا واضحاً أن الرئيس الأمريكى أراد استعادة صداقاته فى المنطقة، منتقداً ما وصفه بـ«البرود» فى تعامل إدارة سلفه، جو بايدن، مع القادة الخليجيين، وقال: «كانوا يتوقون للحب، لأن بلادنا لم تمنحهم الحب، بل قبضة مشدودة»، فى إشارة إلى المصافحة بقبضة اليد، بين الرئيس الأمريكى السابق وولى العهد السعودى، الأمير محمد بن سلمان، خلال زيارة بايدن للمملكة العربية السعودية فى يوليو 2022، كما حرص ترامب على القيام بعدد من «الزيارات الرمزية»، منها زيارة مسجد الشيخ زايد الكبير، فى أبوظبى، وهى الزيارة التى وصفها بأنها «جميلة جداً»، بالإضافة إلى زيارة «بيت العائلة الإبراهيمية»، فى جزيرة «السعديات»، والذى يضم مسجداً وكنيسةً وكنيساً، فى رسالة رمزية إلى «وحدة الأديان»، وفى أعقاب الزيارة التى رافقه فيها عدد من كبار المسئولين فى الحكومة الإماراتية، قال: «رأينا توحداً عظيماً، وإيماناً عظيماً، هؤلاء الناس رائعون، ولديهم قائد مذهل، وهو صديقى»، فى إشارة إلى الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات.
كما أثار اللقاء الذى عقده ترامب مع الرئيس السورى الجديد، أحمد الشرع، جدلاً واسعاً لدى الأوساط السياسية فى الولايات المتحدة وخارجها، إذ إن «الشرع»، الذى كان يُعرف باسم «أبومحمد الجولانى»، زعيم «هيئة تحرير الشام»، سبق أن أدرجته واشنطن على «قوائم المطلوبين»، تلقى جملة من كلمات المدح والثناء من الرئيس الأمريكى، الذى وصفه بأنه «شاب قوى وجذاب ومقاتل»، كما أشار ترامب إلى أنه تحدَّث مع الرئيس السورى بشأن الصحفى الأمريكى أوستن تايس، الذى اختفى فى سوريا منذ عام 2012، وأكد «رجل المبيعات الأول» أنه يحرص على إثارة هذه القضية فى كل لقاء مع مسئولين سوريين.
ورصدت «واشنطن بوست»، فى تقريرها، بعض التناقض فى تصريحات ترامب، الذى شن هجوماً حاداً على قطر فى عام 2017، واتهمها بـ«بتمويل الإرهاب»، إلا أنه، خلال زيارته الأخيرة للدولة الخليجية، أشاد بأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد، ووصفه بأنه «ذكى وطويل ووسيم»، كما أشارت الصحيفة الأمريكية إلى تصريحات سابقة أدلى بها ترامب عام 2016، عندما قال «الإسلام يكرهنا»، ومع ذلك فقد قام بخلع حذائه أثناء زيارته لمسجد الشيخ زايد، احتراماً للتقاليد الإسلامية.
كما أشار التقرير إلى أن ترامب لم يستطع إخفاء طموحه بالحصول على طائرة جديدة، بعدما أعلن أمير قطر عن تقديم «قصر طائر» هدية إلى الرئيس الأمريكى، عبارة عن طائرة فاخرة من طراز «بوينج»، تصل قيمتها إلى 400 مليون دولار، وقال ترامب فى ختام زيارته للمنطقة، وقبل أن يستقل الطائرة الرئاسية فى طريق عودته للولايات المتحدة: «أغادر الآن على متن طائرة عمرها 42 عاماً، لكن الطائرات الجديدة قادمة»، دون أن يشير صراحة إلى الهدية القطرية، التى أثارت انتقادات واسعة بين الديمقراطيين، إضافة إلى عدد من قيادات الحزب الجمهورى.
واختتمت «واشنطن بوست» تقريرها بالقول إن رؤية ترامب فى جولته بالشرق الأوسط كانت واضحة وتحمل مجموعة من الرسائل ترتكز على دبلوماسية تقوم على العلاقات الشخصية، ووعود ضخمة للاستثمار، ورسائل شعبوية إلى الداخل الأمريكى، لكنها أيضاً أثارت تساؤلات حول مدى جدية تلك الوعود، ومدى قدرة هذا «النهج الفردى» على تحقيق اختراقات حقيقية فى ملفات الشرق الأوسط المعقدة، ورغم الصور الاحتفالية والمواقف اللافتة، تبقى ملفات مثل حرب الإبادة فى غزة، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، والاتفاق النووى الإيرانى، مرهونة ليس بالشعارات، بل بخطوات عملية لم تظهر بوادرها بعد.