بقايا طعام وأوان نحاسية وأدوات حفر.. عمال مناجم الفوسفات كانوا هنا

كتب: محمد أبوضيف

بقايا طعام وأوان نحاسية وأدوات حفر.. عمال مناجم الفوسفات كانوا هنا

بقايا طعام وأوان نحاسية وأدوات حفر.. عمال مناجم الفوسفات كانوا هنا

فتحة كبرى فى قلب الجبل، كما لو كانت عيون يرى بها الصحراء الشاسعة الممتدة من حوله، عليك أن تتلفح بالحذر فى كل خطواتك داخله حين تصل إلى تلك الحفرة الدائرية التى نحتت فى قلب الجبل، لتكون بوابة المرور إلى داخل منجم «البهار»، بضعة أمتار تفصلك عن ممر ضيق يكفى بالكاد لعبور شخص، وعليك الانحناء بشدة لتستطيع الولوج بداخله، أحجار الفوسفات تغلف الممر من كل جانب، ينتهى الممر بفتحة تهوية ممتدة نحو حافة الجبل وتمتد بالعكس نحو الأسفل، وفى الجوانب تظهر جلية «أسنان الحوت»، أخذت مكانها بين ثنايات الجبل الشاهق، حفرت موضعها داخل أحجار الفوسفات منذ آلاف السنوات بل فى عصور كان فيها الجبل قاعاً لبحر مياهه تغمر المنطقة بالكامل، ولا يخطئ أنفك رائحة البصل التى تميز حجر الفوسفات.

مسافة عليك أن تقطعها داخل الصحراء تزيد على 10 كيلومترات، بعد 8 كيلومترات أخرى فى طريق «القصير - سفاجا»، حتى تصل إلى جبل «البهار» وبداخله أنفاق حفرها آلاف العمال لاستخراج الفوسفات، «البهار» نسبة إلى أحد أنواع السمك، وتصل مساحة الموقع هناك لأكثر من 20 كيلومتراً، ويصل حجم الاحتياطى بالمنجم إلى مليون طن غير جاهز للاستخراج، ويصل إلى 60 ألف طن مجهز للاستخراج، متوقف منذ 15 عاماً، لعدم تجديد هيئة الثروة المعدنية عقود الاستخراج انتظاراً للقانون الجديد بجانب تغيير طريقة الحفر، والاستغناء عن العمالة.

{long_qoute_1}

يقف «حمدى مسعد» وسط أنفاق المنجم، يتذكر طفولته التى شهدتها مدينة تعدينية لا تبعد كثيراً عن المنجم، يروى حكايات الشجن والأمل إذ كان أبوه عاملاً هناك، ينحت الجبل لاستخراج الفوسفات، عاش وتربى بين أنفاق المناجم، حتى تخرج فى كلية الهندسة ومارس نفس مهنة الأب، الرجل يعرف المكان عن ظهر قلب، له فيه ذكريات كثيرة من العمل الشاق لسنوات، لم يكل أو يمل من البحث عن طيات الفوسفات بين الصخور الضخمة، ولكن الآن يجد المنجم وقد توقف عن العمل، لم يبق منه سوى آثار العمال الذى شاركوه العمل.

15 عاماً لم تخط قدما «حمدى مسعد»، الباحث الجيولوجى، منجم «البهار»، بعد إغلاق المنجم لتغيير طريقة الحفر، فتحولت الطريقة من «under ground» إلى «open cast»، وهى التى تعتمد على حفر سطحى دون أنفاق أو عمال، ولكن عن طريق «اللودرات» ومعدات الحفل الثقيل، ويقول إنه رغم أن تلك الطريقة تعد أكثر أمناً، من القديمة والتى تسمى «under ground»، حيث فى الماضى عادة ما كانت تحدث انهيارات للمناجم فوق رؤوس العمال، التى تودى بحياة الكثيرين، ولكن فى نفس الوقت الطريقة الجديدة لا تستطيع أن تستخرج نفس الكم، حيث إنه من الصعب الحفر على السطح لأكثر من 40 متراً، فى حين أن الطريقة القديمة كان يصل عمق الأنفاق إلى أكثر من 150 متراً تحت الأرض أو أكثر.

يدخل «حمدى» إلى المنجم، يشير بأصابعه إلى طبقات الفوسفات التى تظهر بين الطبقات الصخرية، يمسك بيده قطعاً تنساب من بين يديه، يشم يده ويقول: «شم ريحته زى ريحة البصل، ده هو الفوسفات»، ويقول إن حجمه يمتد لـ70 سنتيمتراً، ويصل سمكه لأكثر من متر، يكمل طريقه داخل ممر مظلم، يشرح طريقة عمل المنجم، التى تعتمد على تحديد مكاشف الجبل، وقياس الميل، وحسب الميل يقوم العمال بحفر نفق المنجم الرئيسى، ويسمى «مزلقان رئيسى» ويستمر العمال فى حفر النفق واستخراج الفوسفات حتى تقابلهم مياه جوفية أو انتهاء المادة المستخرجة أو يحدث انكسار للجبل: «تهرب منى المادة الخام ساعتها»، وهذا له عدة حلول.

ورغم خطورة الطريقة القديمة التى كانت تعتمد على حفر الأنفاق واستخراج العمال بأنفسهم الفوسفات وليست بالمعدات الحديثة، ولكن يقول «حمدى» إن التطور الكبير فى تكنولوجيا التعدين تجنب العمال الكثير من المخاطر فى الطريقة القديمة، التى يرفض بشكل قاطع الاستغناء عنها، لأنها تصل إلى طبقات من سطح الأرض لا تستطيع أن تصل لها الطريقة الجديدة التى تعتمد على إزالة الطبقات الأرضية بالكامل: «لكن طبعاً كل مقاول عايز يكسب فمش عايز يشغل عمال وناس كتير عشان يقدر يوفر، المعدة بتوفر له مئات العمال، زمان كان المنجم ده مدينة ومجتمع ناس عايشة فيه عكس دلوقتى بالكتير تلاقى أربع خمس عمال فى المنجم الواحد».

يعاود الرجل المسير داخل النفق الرئيسى، حتى يصل إلى تقاطع النفق مع نفق عرضى، ويقول إن ذلك الممر العرضى يسمى «طوالى بلغة العمال أو مستوى بلغة التعدين»، وهو حفر نفق بشكل عرضى كل 20 متراً تحت سطح الأرض أو فى عمق الجبل، وذلك لاستغلال العمالة، والحفر بشكل أوسع، والحفر العرضى يصنع لك بدل النفق الرئيسى الواحد «المزلقان» عدة أنفاق متوازية بشكل طولى.

يشير الرجل، الذى عمل 15 عاماً داخل المناجم على طريقتها القديمة، إلى الألواح الخشبية التى تسند الجبل بالكاد بعد استخراج الفوسفات من ذلك النفق العرضى، ويقول إن العمال كانوا ينحتون الفوسفات «ويعبوه فى أشوال ويرفعوه لفوق حتى يصلوا بالحفر إلى 5 متر»، ومن هنا تنتهى مهمة عمال ذلك النفق العرضى، الذى يعرف بـ«المستوى» وتبدأ مهمة النفق العرضى الموازى له بالأسفل، بحيث يسحب لأسفل بعد الحفر المادة الخام المعبأة لمسافة 15 متراً: «طبعاً السحب لتحت يكون أسهل عشان كده مهمة المستوى الأعمق بتكون أكبر».

وتابع أن طريقة الحفر الجديدة أوقفت حال العمال فى المدينة، الذين استغنت عنهم الشركة لصالح المعدات، وثانياً والأهم أنها تقلل من حجم الفوسفات المستخرج من المناجم: «يعنى انت لا بتشغل الناس ولا تستخرج كل الكميات الموجودة فى احتياطى المنجم»، وهو ما يدفع الرجل ابن مدينة القصير لأن يدافع بقوة عن الطريقة القديمة فى حفر المناجم.

يتحرك فى النفق العرضى، يواصل المسير على وهن، حتى يصل إلى نفق طولى آخر موازٍ، والمسمى بالمزلقان، ويقول إن حفر المزلقان الموازى يكون كل 15 متراً عرضاً، لزيادة حجم المادة المستخرجة فى وقت أقل، وبذلك يكون الحفر بشكل عرضى وبشكل طولى فى وقت واحد.

وعن وقف حال العمال فى المدينة بعد تغيير طريقة عمل الحفر بالمناجم: «زمان كان ممكن تلاقى 5000 عامل فى المناجم، دلوقتى كل ده قاعد فى بيته من غير شغل»، مشيراً إلى أن هناك صعوبة للعودة للطريقة القديمة، بعدما فقدت شركات الفوسفات العمال الماهرة والمدربة بعد إحالتهم لمعاشات مبكرة والاستغناء عنهم، بعد دخول الآلية الجديدة، بجانب التخلص من الكثير من المعدات التى كانت تستخدم فى حفر الأنفاق على الطريقة القديمة.

«خامة محترمة»، يمسكها بين يديه، يقول بزهو شديد هذه هى الخامة التى كانت تستخرج من بطن الجبل، ولكنه فى نفس الوقت يقول إن العودة للطريقة القديمة تتطلب تكلفة كبيرة، «ولكن فى نفس الوقت اللى هيصرف أكيد يقدر يعوض اللى اتصرف ويكسب كمان»، مشيراً إلى أن وقف منجم كالرهاوى وغيره من تلك المناجم، التى وصل عددها إلى عشرة مناجم كانت تعمل فى السابق بكل قوة هو خسارة حقيقية للثروة المعدنية فى مصر. «يمشى على قديمه» يجد «حمدى» أن هذا المصطلح يليق بالتعدين فى مصر، مشيراً إلى أنه يجب عدم النظر إلى المعدات والأساليب الجديدة فى الحفر والعمل على الطريقة القديمة، التى تجنب الشركات عوامل الخطر وتحقق لهم استخراجاً أكبر، بالإضافة لتوفير فرص عمل لعمال المناجم: «كلهم قاعدين دلوقتى على المعاش وهمّا فى عز شبابهم»، مشيراً إلى أن عدم تماشى عمليات الحفر مع الطرق المتطورة لعدم الربط بين المواقع الإنتاجية والجامعات والمراكز البحثية، هو ما يفقد تلك المواقف الكثير من الخبرات من الأساتذة والباحثين فى تلك المجالات: «مفيش حد بيطور نفسه غير القطاع الخاص لكن فى القطاع الحكومى محلك سر».

أطلال مدينة كاملة، جدران متهدمة، بقايا «سبورة» لمدرسة لم يبق منها سوى حائط متهدم، وحروف الكتابة الأولى، عيون ماء مغلقة، وطرق ممهدة، أثاث محطم، وبقايا أوانى طعام ملقاة على الأرض.. هنا مدينة «يونس» التعدينية، على بعد 6 كيلو من مدينة القصير، هنا كان يعيش 6 آلاف عامل وأسرة حول منجم لاستخراج الفوسفات، حياة كاملة، مدرسة ومسجد ومساكن للعمال، كل ذلك أصبح معاشاً للحيوانات وحدها بعد إغلاق المنجم، منذ أكثر من عشر سنوات.

لا يختلف الحال فى منجم «يونس» عن منجم «الرهاوى» الذى قامت «الوطن» باقتفاء أثر العمال بداخله، توقف العمل به قبل 10 أعوام، كان كفيلاً بأن يحول المكان إلى أطلال، اعتاد بهاء خليل مهندس تعدين أن يزورها بين الحين والآخر: «المكان هنا مريح نفسياً وأنا ليّا معاه ذكريات كتير من وقت الحفر.. ومش أنا بس اللى بازوره ناس كتير من أهل القرية بييجوا يقعدوا هنا».

تحول المنجم التعدينى إلى مزار يقصده أهل القرية بحثاً عن الهدوء الذى حل على المكان بعدما كان يضج بالعمال، لا يتوقف صخبهم أثناء العمل، حركة لا تتوقف، وحياة كانت تدب فى المكان، ولا يثنيهم عملهم بالمنجم عن معاش ورعاية أسرهم التى ترافقهم فى موضع عملهم، داخل منازل وبيوت خصصت لهم على مبعدة من موقع العمل.

هنا كان يعمل «بهاء خليل»، مدير قطاع المساحة بشركة النصر للتعدين، قبل عشرة أعوام قبل أن يتوقف المنجم، لعدم تجديد ترخيص هيئة الثروة المعدنية لشركته وهى تابعة للحكومة أيضاً، انتظاراً لقانون الثروة المعدنية، الذى ظل معلقاً منذ تسع سنوات: «تخيل منجم مقفول عشر سنين عشان قانون، تخيل فقدنا قد إيه وكام بيت وقف بسبب كده»، ويقول إن الفوسفات يتركز فى الصحراء الشرقية بين مدينتى القصير وسفاجا، حزام يبعد عن ساحل البحر الأحمر من خمسة إلى عشرين كيلو، ولكن مشكلته الفوارق فى سطح الأرض وهى ما تفقد الكثير من طبقات الفوسفات وتزيد من عمقها، خاصة أن البحر الأحمر أكبر فلق وكسر طبقات فى العالم.

والتشكيل الطبقى للمنطقة، حسب رواية «خليل»، دفع الجميع لاستخراج الفوسفات فى تلك المنطقة عبر طريقة الأنفاق تحت سطح الأرض، مشيراً إلى أن الطريقة الحديثة، التى تعتمد على جرف الطبقة من فوق سطح الأرض لا تتناسب مع شكل الطبقات وحجم الانكسار للطبقات فى قشرة المنطقة، ولا تسمح للعمل بأعماق كبيرة، ولكن توقف يونس وغيره من المناجم وتم تسريح آلاف العمال بعد الاستغناء عن طريقة الأنفاق: «يبقى انت بتشتغل بطريقة مش مناسبة لطبيعة المنطقة وكمان قفلت بيوت ناس كتير وضيعت عليك عمالة ماهرة ومدربة».

ويرى «خليل» أنه وفقاً للدراسات التى تمت على احتياطات الفوسفات فى منطقة القصير، فإن أغلبه على أعماق كبيرة جديدة لا تصلح معها الطريقة الجديدة فى النبش عن المادة الخامة، ويتابع أن شركة النصر والتعدين قامت بأبحاث على مسافة 150 متراً «لما كنا شغالين بالأنفاق تحت سطح الأرض ماكنش بيهمنا، ولكن بالطريقة الجديدة طبعاً مش هينفع نصل للمسافات ديه واللى موجود بيها النسبة الأكبر من حجم الاحتياطات»، ورغم رغبته فى العودة للطريقة القديمة، ولكن يجد أن ما فعلته الخصخصة، التى سعت لتسريح هؤلاء العمال عن طريق معاشات مبكرة، أفقدت شركة النصر للتعدين ومستقبل التعدين فى مصر عمالة لا تستطيع تعويضها: «كلهم دلوقتى ما بين القهاوى وما بين أعمال أخرى وما بين ناس استقطبتهم شركات كبرى خارج البلاد عشان يشتغلوا معاهم».

تستند شركة النصر للفوسفات وغيرها من الشركات القومية العاملة فى التعدين على مقاولين يدخلون المناقصات للحصول على حق العمل فى المناجم: «طبعا ده أرخص على الشركة من دفع مرتبات 4000 عامل كل شهر»، وهو عدد العمالة التى تم تسريحها بالكامل مع عملية الخصخصة التى طالت الشركة، والتى كانت تسمى قديماً شركة فوسفات البحر الأحمر، حتى عام 2000 حتى طالتها الخصخصة.

وذكر «خليل» أن الكثير من المناجم التى تضج باحتياطات الفوسفات ليست موجودة فى مشروع المثلث الذهبى، الذى تشرع الحكومة فى العمل عليه لتطوير عملية التعدين فى المنطقة، بجانب إهمال الكثير من مناجم الخامات: «معظم تركيز الفوسفات العالى بره المثلث الذهبى، حتى المشروع الجديد هيفقد الكثير من خامات الفوسفات المهدرة»، وحين عرض «خليل» على رئيس المكتب الاستشارى للشركة الإيطالية المسئولة عن وضع تصميم مشروع المثلث الذهبى خلال زيارتهم للقصير رد عليه قائلاً: «ملتزمين بالخريطة التى وضعتها الحكومة المصرية».

 

 

 

 

محرر «الوطن» داخل منجم الفوسفات

 


مواضيع متعلقة