المقاومة الفلسطينية صفعة على وجه العالم
عدت إلى مجلد صادر فى عام 2007 عن مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع الجمعية الفلسفية المصرية. قرأت فى السطور الأولى من الفصل الأول على لسان المفكر الدكتور حسن حنفى ما يلى: «فى هذه اللحظة التاريخية يشعر العرب بالعجز وامتهان الكرامة والتضحية بشعب عربى بأكمله، نسائه وأطفاله وشيوخه وشبابه، ويكاد يضيع ما تبقى من فلسطين - 22% - أمام عيونهم كما ضاع الباقى - 78% - فى عام 1948، وبالتالى تضيع فلسطين كلها فى قلب العالم الإسلامى وفى عاصمتها القدس والحرم الشريف كما ضاعت الأندلس منذ أكثر من ستة قرون بسقوط غرناطة آخر مدنها».
الدراسة التى قدمها د. حسن حنفى كانت عام 2006 ضمن ملف «ثقافة المقاومة» فى مجلة المستقبل العربى. فهل اختلف الحال منذ ما يقرب من عشرين عاماً عما يحدث الآن فى فلسطين؟ نعم اختلف كثيراً للأسوأ، فغزة تباد نهاراً جهاراً، يقتل أهلها الجوع والعطش قبل السلاح الصهيونى.
بعد هزيمة الجيوش العربية عام 1948 أمام العصابات الصهيونية صار لدى العرب عقدة من الهزيمة أمام إسرائيل، لكن هذه العقدة غير موجودة عند الفلسطينيين، فهم جبلوا على المقاومة منذ ثلاثينات القرن الماضى وقبل النكبة، وما زالوا يقاومون حتى الآن.
إن المقاومة فعل مرغوب حض عليه غالبية الفلاسفة وكذلك جوهر الأديان، وفى سبيل المقاومة فإن الأديان تسمو بمن يستشهد فى الحرب أو خلال نضاله ضد العدو، كما أن الأوطان تمجد المقاومين أحياء أو شهداء.
والآن فى زمنٍ تتواطأ فيه العيون على التغافل، وتنام الضمائر على صراخ المذابح، تقف المقاومة الفلسطينية وحدها شامخةً، تصوغ من الدم قصيدةً، ومن الألم ملحمةً، ومن الركام وطناً. هى ليست مقاومةً فقط، بل فلسفةُ وجودٍ، ورسالةُ خلود، وجمرةُ كرامةٍ لا تنطفئ. فى غزة، حيث لا ماء ولا دواء ولا أمان، يُولد الأبطال كل فجرٍ من تحت الأنقاض، ويتحدّى الأطفال الموت بابتسامةٍ تعانق السماء.
إن ما يتعرض له الشعب الفلسطينى فى غزة لا يُسمى حرباً، بل إبادة، جريمة مفتوحة تُبثُّ على الهواء مباشرة، ويشاهدها العالم متلبّساً بالصمت أو التبرير أو التواطؤ. ومع ذلك، لا تنكسر العزيمة. فالمقاومة هناك لا تُقاس بعدد الصواريخ ولا بميزان القوى، بل تُقاس بحجم الإيمان، وصلابة الإرادة، وبقدرة الإنسان على أن يقول «لا» فى وجه الدبابة، و«لن نستسلم» فى حضرة الموت الجماعى.
إنها مقاومة تعرف أن الغاصب يملك الطائرات، لكن لا يملك الحق. ويملك التقنية، لكنه لا يملك التاريخ. قد يزرع الرعب، لكنه لا يستطيع أن ينزع الانتماء من قلوب من اقتلعهم من أرضهم. فلسفة هذه المقاومة تنبع من وعى عميق بالتاريخ والإنسانية. تذكرنا بصمود الجزائر أمام فرنسا الاستعمارية، وتعيد إلى الأذهان مجد الفيتناميين الذين هزموا أعتى قوة فى التاريخ الحديث، واليوم الشعب الفلسطينى ينسج على نفس المنوال ملحمةً ثالثة فى سفر الإنسانية، عنوانها: ننتصر أو نموت واقفين. هل يمكن للمقاومة أن تنتصر؟ الجواب: بل هى تنتصر كل يوم. تنتصر حين لا يُستأصل الوعى، حين لا يُكسر الانتماء، حين يظل الحلم بالعودة أكبر من كل الحواجز. تنتصر حين تُفشل مخططات التهجير، وتُظهر للعالم أن شعباً يواجه محرقة فى القرن الحادى والعشرين ما زال يرفض أن يركع. فالمعادلة الحقيقية ليست فى توازن الأسلحة، بل فى توازن النفوس. والروح الفلسطينية أثبتت أنها عصيّةٌ على الانكسار، وأنها تستمد قوتها من عدالة قضيتها.
إن صمود غزة اليوم، رغم المجازر والحصار والتجويع، أعظم برهان على أن النصر قد لا يكون غداً، لكنه حتمى. لأن التاريخ لا يخذل الشعوب التى تنزف من أجل الحرية، ولأن قوس العدالة، وإن طال انحناؤه، سينحاز فى النهاية إلى الحق.
إن المقاومة الفلسطينية ليست مجرد حركة مقاومة، بل مدرسةٌ إنسانية فى الكرامة. إنها تصفع العالم على وجهه كل يوم، تذكّره بأن هناك أمةً تُذبح فى العلن، لكنها لا تستسلم. أمةٌ تصرخ فى وجه العتمة: نحن هنا، وسنبقى. ولسان حالها يقول: «إن كنا اليوم وحدنا، فإننا مع الله، ومن كان مع الله فلن يُهزم أبداً». إن المقاومة الفلسطينية صفعة على وجه العالم الذى يتجاهل شعب فلسطين.