«الضفة الغربية».. «هذا البيت لي» «سيدة الأرض».. ملحمة من فلسطين.. الحلقة الثالثة

كتب: محمد علي حسن

«الضفة الغربية».. «هذا البيت لي» «سيدة الأرض».. ملحمة من فلسطين.. الحلقة الثالثة

«الضفة الغربية».. «هذا البيت لي» «سيدة الأرض».. ملحمة من فلسطين.. الحلقة الثالثة

كتب: محمد علي حسن وماريان سعيد

«بدقيقة واحدة تنتهى حياة بيت كاملة، البيتُ قتيلاً هو أيضاً قتل جماعى حتى لو خلا من سكانه، مقبرة جماعية للمواد الأولية الـمُعَدَّة لبناء مبنى للمعنى، أو قصيدة غير ذات شأن فى زمن الحرب، البيت قتيلاً هو بَتْرُ الأشياء عن علاقاتها وعن أسماء المشاعر». هنا فى الضفة الغربية لم تسلم الأرض من جرافات الاحتلال، والمنازل من إخطارات الهدم، والمواطن من التهجير القسرى، هنا فى المدن والمخيمات يُضيِّق المحتل الخناق على السكان، يقمع حقوقهم المشروعة، نعم، إنها الأبسط فى الحياة، لكن حين تتداخل مسألة الأرض فى فلسطين بأصحاب الأرض، فلمغتصب الحق رأى آخر. فى أريحا والخليل ورام الله وسلفيت وطوباس وجنين ونابلس، الإبادة تُنفَّذ على مرأى ومسمع العالم كله بحق الأرض الفلسطينية بالمصادرة، وبحق البناء الفلسطينى بالهدم والتخريب، وبحق الإنسان الفلسطينى الذى كتب عليه القدر أن يحارب من أجل حقه.. «الحق فى الوجود». على بُعد 3 كيلومترات شرقاً من مدينة طولكرم يقع مخيم نور شمس، الذى تأسس عام 1951 بعد مرور 3 سنوات على نكبة فلسطين، عندما التجأ السكان إلى المناطق المحيطة بوادى الشاعر، بما فى ذلك السجن البريطانى القديم فى نور شمس، وكان ذلك فى أعقاب العاصفة الثلجية التى ألمت به، حيث أطاحت بمخيم اللاجئين فى سهل جنزور بالقرب من قباطيا جنين، والذى كانوا يلوذون بخيامه منذ عام 1949، الأمر الذى حمل وكالة الغوث الدولية على نقله إلى موقع آخر، والذى كان مخيم نور شمس، حيث تم حشدهم على شريط السهل المحاذى لخط السكة الحديد الفاصلة بين القسمين الشمالى والجنوبى إلى حين إعداد وتنظيم السكن، ثم بدأت «أونروا» ببناء المساكن فى عام 1956.. وتوصلنا إلى نازح فلسطينى وافق على الحديث بعد العديد من المحاولات مع نازحين آخرين من سكان المخيم، لكنهم آثروا الصمت أو تحدثوا بحرص شديد، ثم رفضوا النشر خوفاً على أسرهم.

.

«حياة كالموت».. الاحتلال يُطلق المستوطنين على المخيمات

«خرجنا من الحارة بملابسنا التى سترت أجسادنا فى هذا اليوم المشؤوم، ولم نسمع إلا صوتاً واحداً سيطر على عقولنا، كان أعلى من ضجيج آليات الاحتلال، كان أكثر من مجرد سؤال يلازمنى، كدت أصاب بالجنون إثر الصدمة، (ماذا سنفعل عندما يسدل الليل ستائره، سنفترش الأرض ونلتحف السماء؟). لست وحدى، فأنا مجرد رب أسرة ضمن آلاف الأسر التى أُجبرت على ترك منازلها بقوة سلاح المحتل، حتى استيقظت من أضغاث أحلام العصارى على صوت صراخ اخترق أذنى ومزق قلبى، يا الله إنهم أولادى الذين رُسمت على وجوههم ملامح حاضر ضائع ومستقبل مجهول»، بهذه الكلمات استهل مسعد سويلم أحد النازحين من مخيم نور شمس حديثه لـ«الوطن».

يضيف الرجل الأربعينى: «ما نعانيه باختصار يُعد نكبة جديدة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، إذ يتم تهجيرنا من المخيمات، نحن عبارة عن لاجئين نحمل كارت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فأكثر سكان المخيمات من حيفا ويافا وأم الفحم وقرى أخرى من الساحل الفلسطينى، لقد تعرضنا للترهيب وتخويف الأطفال وفزعهم من جيش الاحتلال، وتركنا بيوتنا بالقوة مع المهلة القصيرة للإخلاء نحن وجميع من بالمخيم».

ويشهد مخيم نور شمس ومحيطه انتشاراً مكثفاً لقوات الاحتلال وسط إطلاقها للأعيرة النارية وقنابل الصوت مع سماع دوى انفجارات بين الفينة والأخرى، تزامناً مع الحصار المشدد وإغلاق المداخل بالسواتر الترابية، وما يرافق ذلك من مداهمات للمنازل وتخريبها، وإجبار من بقى من السكان على إخلاء منازلهم تحت تهديد السلاح، وتلاحق قوات الاحتلال المواطنين أثناء محاولتهم الدخول إلى المخيمين لإخلاء مقتنياتهم من منازلهم المهددة بالهدم، وتطلق الرصاص الحى تجاههم، رغم سماحها المسبق لهم بالدخول، وتحتجز يومياً السكان بمن فيهم نساء وأطفال.

«أبلغنا الاحتلال بعدم العودة إلى منازلنا حتى ينتهى جنوده من عملهم، أية أعمال هذه التى تجعلنا ننتظر المجهول بلا مأوى ولا نعلم كيف نسد جوع أولادنا؟، حتى التنسيق مع الصليب الأحمر أو غيره من المؤسسات الدولية، ومنعونا من حمل أوراقنا ووثائقنا الرسمية قبل النزوح، فمنذ شروع جيش الاحتلال فى بدء عملياته العسكرية، لم نسلم من الاقتحامات وتعرَّض بيتى للتخريب والتفتيش عدة مرات، وتعرَّضت للتنكيل من قبَل جنود الاحتلال أمام أطفالى، الذين أضحوا يرتعدون وترتعش أجسامهم كلما رأوا جندياً يرتدى الزى العسكرى الإسرائيلى، ولهذا اضطررت للنزوح قسراً من مخيم نور شمس لمخيم طولكرم»، وفقاً للنازح الفلسطينى.

الوضع فى «طولكرم» لم يكن أفضل حالاً من «نور شمس»، فعلى مدار الساعة يدفع جيش الاحتلال بتعزيزات عسكرية من الآليات وفرق المشاة، إلى المدينة ومخيميها وضواحيها، يتخللها إطلاق للرصاص الحى والقنابل الصوتية، ومداهمة المنازل والمحال التجارية وتفتيشها، وتخريب محتوياتها وإخضاع من يوجد فيها للاستجواب والتنكيل والاعتقال، لينزح «مسعد» مرة أخرى خوفاً على أفراد أسرته، حتى دبَّر «أهل الخير» مأوى له، عبارة غرفة صغيرة أسفل مسجد فى إحدى قرى طولكرم.

يصمت النازح الفلسطينى لبرهة، قبل استكمال حديثه، قائلاً: «ما نمر به فى الضفة الغربية، سواء كنا فى المدن أو القرى أو حتى المخيمات، لا يمكن وصفه، فهو نفس الحال لأى فلسطينى فى القدس والداخل المحتل وقطاع غزة، وما يعانيه سكان المخيمات فى شمال الضفة من تدمير وشق طرق وتخريب وحرق بيوت ما هو إلا نكبة جديدة، فأغلب العائلات بلا مأوى وتسكن عند الأقارب أو تلجأ لإيجار شقق باهظة الثمن شهرياً، ومن يمر بضائقة مالية -السواد الأعظم من سكان الضفة- تجده يقبع فى قاعات النزوح، أو من كان نصيبه من الحظ وفيراً، نجح فى التكدس مع عائلته داخل غرفة بدورة مياه مشتركة، هذا ملخص حالنا وقدرنا لأننا نازحون فلسطينيون سُرقت أرضهم وهُدمت منازلهم أمام أعينهم».

وإلى نابلس «ملكة فلسطين غير المتوَّجة»، وصف لنا رامى شويكى، أحد سكان المدينة، الوضع الذى يعيشه الفلسطينيون فى الضفة الغربية، حيث تحدَّث بمرارة وأسى عن حرب لا تقل ضراوة عن الحرب التى يشنها الاحتلال على غزة، حيث يواجه المواطنون تهديداً مستمراً من جيش الاحتلال والمستوطنين، لا سيما فى القرى والمخيمات القريبة من المستوطنات، فهى فى قلب هذه المعركة اليومية، إذ تشتد الهجمات لتصبح الحياة فى هذه المناطق أشبه بالقبور.

«لا تمر ساعة فى مخيمات طولكرم وجنين دون أن يواجه سكان هذه المناطق عمليات اقتحام وتدمير ممنهجة من قبَل جيش الاحتلال، الذين يساندهم المستوطنون والذين يهاجمون القرى والمنازل بحماية كاملة من قوات الاحتلال، فيما لا يزال الفلسطينيون يواجهون حملات اعتقال واسعة النطاق تستهدف النشطاء والشباب فى القرى والمخيمات، إضافة إلى تدمير ممتلكاتهم وفرض حصار خانق على المدن»، وفقاً لحديث المواطن الفلسطينى لـ«الوطن».

يقول «رامى» وهو يغالب عواطفه: «الحالة الإنسانية فى الضفة الغربية أصبحت تفوق الوصف، فالفلسطينيون أضحوا تحت تهديد مستمر، بالإضافة إلى المعاناة بسبب التدهور الشديد فى أوضاعهم النفسية، والأطفال الذين كان من المفترض أن يعيشوا حياتهم بكامل براءتهم، أصبحوا يحملون فى عيونهم الخوف والرعب الدائمين، وعلى الرغم من المحاولات المستمرة من بعض المؤسسات الطبية والنفسية لتقديم الدعم، إلا أن الحاجة إلى رعاية نفسية قد وصلت إلى درجة متقدمة، حيث يعانى العديد من الأطفال من اضطرابات نفسية خطيرة بسبب الضغوط اليومية والمشاهد العنيفة التى يتعرضون لها»، حيث حلت محافظة نابلس فى المركز الثانى ضمن قائمة الانتهاكات الإسرائيلية خلال عام 2024 بـ2531 انتهاكاً، كما تركز اعتداءات المستوطنين فى المحافظة بـ806 اعتداءات.

وصل عدد الانتهاكات الإسرائيلية خلال العام 2024 إلى 16612 بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم فى مختلف محافظات الضفة الغربية، نفذ منها جيش الاحتلال 13641 انتهاكاً، فيما أقدم المستوطنون على 2971 انتهاكاً، واستشهد 10 فلسطينيين فى الضفة الغربية خلال العام الماضى على يد المستوطنين، الذين تسببوا فى إشعال 373 حريقاً فى الممتلكات والحقول فى محافظات نابلس ورام الله وجنين وطولكرم، تضاف إلى 451 انتهاكاً تسببت فى اقتلاع وتضرر وتخريب وتسميم ما مجموعه 14212 شجرة، منها 10459 شجرة زيتون.

يستكمل المواطن الفلسطينى حديثه، لـ«الوطن»، عن تعرُّض الفلسطينيين لانتهاكات إسرائيلية، بالقول: «الفلسطينيون فى الضفة يعانون من هجمات المستوطنين المدعومين من جيش الاحتلال الإسرائيلى، حيث يهاجمون المنازل ويعيثون فيها فساداً، ويكسرون النوافذ، ويحرقون السيارات، ناهيك عن تدمير الممتلكات العامة والخاصة، فيما يشاهد الجنود هذه الأعمال الإجرامية دون أن يحركوا ساكناً، بل يحرسون هؤلاء المستعمرين، نحن مجبرون على العيش فى بيئة مليئة بالخوف والقتل يحكمها قانون الغابة، لدرجة أنه حتى الذهاب إلى المدارس أو اللعب فى الشوارع أصبح أمراً محفوفاً بالمخاطر، وهناك آلاف التلاميذ لا يذهبون لمدارسهم لأسابيع طويلة خوفاً من البطش المستمر من جانب الاحتلال الإسرائيلى».

«الأمر لا يتوقف عند ذلك، فقد أضحى التنقل بين المدن والقرى فى الضفة الغربية من أصعب الأمور، حيث يعانى المواطنون من تأخير طويل بسبب الحواجز العسكرية التى تفرضها قوات الاحتلال، إذ إن هذه الحواجز ليست فقط وسيلة للحد من حرية التنقل، بل هى جزء من استراتيجية الاحتلال لفرض مزيد من المعاناة على الفلسطينيين فى محاولة لإجبارهم على مغادرة مناطقهم»، بحسب حديث المواطن الفلسطينى.

وبالتزامن مع بدء حرب الإبادة على قطاع غزة فى 7 أكتوبر 2023 عزز جيش الاحتلال حواجزه القائمة فى الضفة واستحدث حواجز جديدة، ليرتفع العدد إلى 900، منها 18 بوابة حديدية استُحدثت منذ بداية 2025، و146 بوابة حديدية نصبها الاحتلال بعد 7 أكتوبر 2023، وفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية.

وأكد «شويكى» أن الاحتلال يواصل إغلاق 85% من الحواجز، وهناك طرق بديلة استحدثها السكان لتجاوز الحواجز، حيث تتوزع الحواجز على محافظات الضفة الغربية بواقع 229 حاجزاً فى الخليل، و156 فى رام الله والبيرة، و147 فى نابلس، و82 حاجزاً فى القدس، و56 فى بيت لحم، وقلقيلية 53 حاجزاً، وسلفيت 50، وطوباس 33، وأريحا 32، وطولكرم 27 حاجزاً، وجنين 24 حاجزاً.

وقال، لـ«الوطن»، إن الهدف من هذه الممارسات التى تُعد جزءاً من خطة استعمارية ممنهجة هو تهجير الفلسطينيين وحرمانهم من أبسط حقوقهم، مشيراً إلى أن الضفة الغربية محاطة بشبكة واسعة من المستوطنات، التى تزداد رقعتها يوماً بعد الآخر.

وتابع: «المستوطنون يتسللون إلى القرى والمنازل القريبة من مستوطناتهم، ويقومون بإطلاق النار وتدمير الممتلكات تحت حماية جيش الاحتلال، ما يجعل الحياة اليومية جحيماً لا يطاق، سيما وأن الضغوط الاقتصادية علينا تزيد الأمور صعوبة».

ووفقاً لتقرير «الواقع العمالى فى فلسطين» الذى استعرضته الدكتورة علا عوض، رئيسة الجهاز المركزى للإحصاء الفلسطينى، ارتفع عدد العاطلين عن العمل فى الضفة الغربية إلى 313 ألفاً فى العام المنصرم، مقارنة مع 183 ألفاً فى العام 2023، وارتفعت معدلات البطالة بين الأفراد المشاركين فى القوى العاملة فى الضفة الغربية عام 2024 إلى 31% مقارنة مع 18% عام 2023، وعلى مستوى الجنس، بلغ معدل البطالة للذكور فى الضفة الغربية 31.7% مقابل 30.1% للإناث عام 2024.

وبلغت نسبة العمالة غير المنظمة 61% فى الضفة الغربية عام 2024، مقارنة مع 62% عام 2023 (أى العاملين فى القطاع غير المنظم، إضافة إلى المستخدمين بأجر، الذين لا يحصلون على أى من الحقوق فى سوق العمل؛ سواء مكافأة نهاية الخدمة/ تقاعد، أو إجازة سنوية مدفوعة الأجر، أو إجازة مرضية مدفوعة الأجر)، بواقع 67% للذكور، مقابل 38% للإناث، وبلغت نسبة العاملين فى القطاع غير المنظم فى الضفة الغربية 46%؛ بواقع 52% للذكور و25% للإناث، مقابل 47% كنسبة كلية عام 2023.

وتابع «شويكى»: «يواجه العمال الفلسطينيون فى الأراضى المحتلة صعوبة فى إيجاد فرص عمل بسبب القيود المفروضة عليهم من قبَل الاحتلال، إضافة إلى تقليص الرواتب، والعديد من الموظفين الفلسطينيين لا يتقاضون سوى جزء صغير من رواتبهم بسبب اقتطاع الاحتلال الإسرائيلى جزءاً كبيراً من الأموال التى يجب أن تُدفع للسلطة الفلسطينية، والكثير من السكان باتوا يفضلون الانتقال للعيش فى مناطق قريبة من المستوطنات للحصول على فرصة حياة أقل خطورة، لكنهم يواجهون فى كل لحظة تهديدات جديدة».

وأضاف: «رغم كل المحاولات الدولية فلا توجد آلية فعلية تستطيع إيقاف هذا التغول الاستيطانى المدعوم من قرارات الاحتلال، ما يجعل الفلسطينيين يشعرون بأن الأفق مسدود تماماً أمامهم، ويعيشون حالة من الترقب والقلق المستمرين، إذ وصل الواقع فى الضفة الغربية إلى درجة من التعقيد والضغط النفسى والاجتماعى تجعل الحياة اليومية بالنسبة للمواطنين هناك أشبه بكابوس مستمر، حيث تتزايد معاناتهم من دون أمل قريب فى حل يخفف عنهم».

وقال تقرير البنك الدولى الصادر فى سبتمبر 2024، حول تداعيات الحرب على الاقتصاد الفلسطينى، إن القيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة فى داخل الضفة الغربية، منها إلى أماكن العامل فى الداخل الإسرائيلى، واقتطاعات إسرائيل المتزايدة من الضريبة الفلسطينية أدَّت إلى انكماش اقتصاد الضفة بنسبة 25% فى الربع الأول من سنة 2024، بجانب انخفاض الطلب، ما أدى فى المجمل إلى تراجع الاستهلاك بنسبة 28%، وهو ما أدى إلى انخفاض الاستيراد بنسبة 31%.

وبالنسبة إلى القيود على دخول الزوار من فلسطينيى الداخل إلى مدن الضفة الغربية من أجل التسوق والتعلم فى الجامعات الفلسطينية فى الضفة الغربية، والتى بدأت بشكل صارم مباشرة بعد اندلاع الحرب، فقد كان لها أيضاً أثر سلبى كبير فى الاقتصاد الفلسطينى، وتكفى الإشارة إلى أن سلطة النقد الفلسطينية كانت تقدر ما ينفقه فلسطينيو الداخل بنحو 3 مليارات شيكل سنوياً (أى ما يقارب 823 مليون دولار سنوياً)، وفقاً لـ«المراقب الاقتصادى» الصادر عن معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينى «ماس»، وهيئة سوق رأس المال الفلسطينية.

.

«ليس الرجال فقط، حيث تعيش المرأة الفلسطينية فى الضفة الغربية مأساة وكارثة من كافة الجوانب، يمكننا الحديث هنا عن حياة معقدة لأى سيدة فى هذه الرقعة الجغرافية، التى تعكس واقعاً تتداخل فيه كل التحديات، على مستوى وجود الاحتلال الإسرائيلى بالإضافة للتحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، سواء كان على مستوى داخلى أو على مستوى وجود الاحتلال، إذ تعانى النساء فى فلسطين من عدة انتهاكات»، بهذه الكلمات وصفت الدكتورة تمارا حداد، الباحثة فى العلاقات الدولية من رام الله، حال المرأة الفلسطينية لـ«الوطن».

تشير «حداد» إلى أن الضفة الغربية ما هى سوى «منطقة مقيدة»، إذ يتم فيها تعزيز القبضة الأمنية الثقيلة من قبَل الاحتلال، هناك قيود على الحركة، وهذا ما يؤدى إلى صعوبة تحرك النساء من منطقة إلى أخرى، تحديداً النساء العاملات، وهناك أيضاً أقارب يعيشون بين منطقة وأخرى، ما يؤدى إلى عرقلة تحركهم بالشكل الطبيعى، فضلاً عن عدد كبير من النساء اعتُقلن مؤخراً، وتحديداً بعد السابع من أكتوبر 2023، إذ حرم هذا الاعتقال عوائلهن منهن، حرم أطفالهن من رؤية أمهاتهم، وبالتالى حرمنا من زيارة تلك المعتقلة، سواء كانت أماً أو أختاً أو ابنة.

«المرأة تعانى من عنف المستوطنين، لا سيما أن المرأة الفلسطينية هى عاملة فى الأرض، يعنى عدد من النساء يملكن الأراضى، أو هى تحاول قدر الإمكان استصلاح الأراضى حتى تعيش، نتيجة فقدان زوجها أو هى أرملة، والنتيجة أنها تعيش فى وضعية صعبة، بعدم توفر فرص العمل والبطالة والفقر، ما يُلجئها إلى استصلاح أرضها، وعندما تقوم بزراعة أرضها، تحديداً أشجار الزيتون فى الضفة الغربية التى تُعد مشهورة بها، يأتى المستوطنون ويقومون باستخدام العنف، وهذا يمثل تحدياً كبيراً جداً للمرأة الفلسطينية، كما أن عدداً كبيراً من النساء تم هدم منازلهن تحديداً فى المناطق المصنفة (سى)، وأصبحت عين إسرائيل حتى على مستوى كل الضفة الغربية، أى منزل يرونه يعرقل طموحهم فى الاستيطان يؤدى إلى استخدام سياسة هدم المنازل، ما يؤدى إلى أن هذه المرأة التى عانت وعانت من أجل جمع الأموال لبناء المنزل تفقده بتدميره، ويؤثر هذا الأمر بشكل مباشر على حياتها اليومية ودورها فى المجتمع الفلسطينى، ويؤثر على طبيعة حصولها على الاكتفاء الذاتى من أجل تربية أطفالها وعائلتها»، وفقاً للباحثة الفلسطينية.

توضح الباحثة الفلسطينية أن كثيراً من النساء فى الضفة الغربية لعبن أدواراً محورية فى النضال الوطنى والنضال المجتمعى والسياسى، كما أن عدداً كبيراً من النساء قدمن عدة مبادرات وطنية فى التعليم وأصبحن عضوات فى البلديات ويشاركن سياسياً وفى العمل المجتمعى موجودة فى كل مكان.

تختتم «حداد» حديثها لـ«الوطن»: «المرأة الفلسطينية فى الضفة تعيش بين مطرقة الاحتلال وسندان تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية وعسكرية، لكنها تحاول النضال من أجل كرامتها وحقوقها وعائلتها وأطفالها، ودائماً تُظهر صموداً وإبداعاً يستحق فعلاً التقدير والدعم للمرأة الفلسطينية التى تحاول قدر الإمكان أن تعزز وجودها من خلال قدراتها وطموحاتها وتتحدى كل الصعوبات رغم أنها تواجه الكثير من الأزمات، لكنها تقابلها بكل أمل ونفس قوى وتحدٍّ وقدرة على المواجهة».

وعلى الصعيد الجغرافى، ضاعف الاحتلال كل الإجراءات فى الأعوام الماضية من أجل الحسم، والحديث هنا عن حسم الجغرافيا الفلسطينية، إذ لم يكتفِ بذلك، بل تستَّر بستار الحرب، وحملات السيطرة المحمومة على الأرض الفلسطينية، حيث تتداخل مسألة الأرض بالسكان والديموغرافيا، فقد كانت أعينه دائماً تضيق بالشعب الفلسطينى لأنه «حارس الأرض»، فارضاً عليه بيئة قهرية طاردة، عبر ممارسات الإبادة فى الضفة الغربية بشكل غير مسبوق على مرأى ومسمع العالم بأسره، سواء بمصادرة الأراضى وهدم المبانى وتخريب المخيمات، وبحق الإنسان الفلسطينى بالقتل وحرمانه من أبسط حقوقه، فالمحتل لا يعترف بحق الفلسطينى فى الحياة.

وفى رحلة البحث عن تضاؤل أراضى الفلسطينيين بالضفة الغربية، تواصلنا مع عبدالله أبورحمة، مدير دائرة العمل الشعبى ودعم الصمود فى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، الذى أمدَّنا بعدة ملفات تحتوى على خرائط وإحصائيات، رصد من خلالها تأثير الاستيطان على البيئة الفلسطينية، إذ يساهم فى تدهور الأراضى والزراعة، ويُلحق أضراراً جسيمة بالموارد الطبيعية، بيد أن تحويل المياه العادمة من المستوطنات إلى الأودية أو الأراضى الزراعية يمثل إحدى أبرز المشكلات البيئية.

«فى مستوطنة أريئيل، على سبيل المثال، يتم توجيه مياه المجارى وسكبها على حقول الزيتون، ما يسبب تلوثاً خطيراً، كما تتسبب هذه المياه الملوثة فى تدهور جودة التربة، إذ تؤدى المواد الكيميائية فى المجارى إلى تدهور الأراضى الزراعية، ما يؤثر سلباً على نمو المحاصيل، بجانب انتشار الأمراض والروائح الكريهة ووجود الحشرات وتفشى الأمراض بين المواطنين، فضلاً عن تلوث المياه الجوفية، واختلاط المياه العادمة بمياه السيول، ما يؤثر على جودة المياه الجوفية المستخدمة فى الزراعة والشرب»، وفقاً لحديث «أبورحمة» لـ«الوطن».

يربط «أبورحمة» تأثيرات المناطق الصناعية داخل المستوطنات بالأزمة البيئية فى الضفة الغربية، مثل مستوطنة «ميشور أدوميم»، التى تطلق المصانع الكيميائية فى حيزها غازات ضارة، فهذه الغازات تؤثر على صحة المواطنين وتسبب أمراضاً مزمنة، مثل السرطان، كما تتسبب المصانع فى تلوث المياه والتربة، ما يجعلها غير صالحة للزراعة.

يطلق «أبورحمة» تحذيراً لما يواجه فلسطين من تحديات كبيرة نتيجة الاستيطان المستمر، حيث تبذل الجهود على عدة أصعدة لمواجهة هذه الانتهاكات، مشيراً إلى وجود تعاون بين هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومختلف الجهات لمكافحة العدوان الاستيطانى وحماية حقوق المواطنين الفلسطينيين، سواء عبر الجهود القانونية التى تُعتبر جزءاً أساسياً من استراتيجية الهيئة الفلسطينية: «لدينا طاقم قانونى يعمل على الترافع ضد السياسات الاحتلالية فى المحاكم، ورغم أن نسبة النجاح فى المحاكم الإسرائيلية منخفضة، إلا أننا نوفر لوزارة العدل ووزارة الخارجية ملفات تتعلق بالانتهاكات، استخدمنا مؤخراً فتوى من المحكمة الدولية لمتابعة قضايا الاستيطان فى المحاكم الدولية، ونعمل أيضاً على توثيق جميع الانتهاكات التى يقوم بها الاحتلال والمستوطنون، وتُعتبر هذه العملية ضرورية لملاحقة بعض قادة المستوطنين دولياً، وقد حصلنا على قرار تجميد أموال لبعضهم فى دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، ونصدر أيضاً تقارير دورية حول الانتهاكات لتزويد الجهات المعنية بالمعلومات اللازمة».

«وعن موسم الزيتون هذا العام 2025، فى ظل استمرار الحرب على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، واجه موسم الزيتون تحديات كبيرة بسبب الاعتداءات المستمرة، رصدنا 407 انتهاكات، بما فى ذلك تدمير آلاف أشجار الزيتون واعتداءات على المزارعين، مقارنة بالسنوات السابقة، شهد هذا الموسم زيادة ملحوظة فى عدد الاعتداءات، مما يعكس عدم وجود عقاب للمستوطنين، كما أن التأثيرات البيئية السلبية الناجمة عن الاستيطان تهدد حياة الفلسطينيين ومواردهم الطبيعية، من الضرورى أن نتخذ إجراءات فورية لحماية البيئة الفلسطينية والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة»، مشيراً إلى أن «الجهود الفلسطينية لمواجهة الاستيطان تتطلب تضافر الجهود من جميع الأطراف، ونحن مستمرون فى العمل على جميع الأصعدة، القانونية والشعبية، لضمان حقوق شعبنا وصمودهم على أرضهم»، بحسب حديث «أبورحمة» لـ«الوطن».

وطبقاً لبيانات وزارة الزراعة الفلسطينية، تشكل صناعة زيت الزيتون 25% من الدخل الزراعى فى الأرض الفلسطينية المحتلة، وتسهم فى سبل العيش لما يقارب من 96510 أسرة. وبلغ الناتج الإجمالى لموسم 2023، المنخفض أصلاً بسبب تغير المناخ والتقلبات الجوية وتبادل الحمل لدى شجرة الزيتون، نحو 12٫000 طن من الزيت، بانخفاض كبير قدره 67% عن العام 2022 (36٫000 طن) حين كان الإنتاج أكثر حملاً، كما أن هذه الكمية لا تكفى لتغطية الاستهلاك السنوى للزيت فى فلسطين، إذ تحتاج السوق المحلية الفلسطينية عادة إلى ما يقارب 18٫000 طن زيت زيتون باستهلاك سنوى يقدَّر من 3 إلى 3.5 كيلوجرامات للفرد الواحد، والباقى يتم تصديره إلى السوق الخارجية، لا سيما إلى البلدان العربية.

ووفقاً لقطاع الأمن الغذائى (وهو شراكة بين عشرات المنظمات الإنسانية) تكبَّد المزارعون الفلسطينيون خسارة إجمالية تقدَّر بما يزيد على 1200 طن مترى من زيت الزيتون خلال موسم قطف الزيتون لعام 2023، ما أدى إلى انتكاسة اقتصادية مباشرة بلغت 10 ملايين دولار، وتأثرت محافظات شمال الضفة الغربية (طولكرم وقلقيلية ونابلس) بصورة خاصة تأثراً جسيماً.

وطبقاً لما رصده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية فى شمال الضفة الغربية «أوتشا»، كان إنتاج الزيتون لعام 2023 فى المنطقة التى يفصلها الجدار أقل بنسبة 93% مقارنة بالإنتاج فى المناطق التى يمكن الوصول إليها، وفى المتوسط، شهدت الفترة الواقعة بين عامَى 2011 و2022 انخفاضاً بنسبة 74%، فى حين شهدت الفترة الواقعة بين عامَى 2010 و2022 انخفاضاً بنسبة 60%.

يختتم مدير دائرة العمل الشعبى ودعم الصمود فى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، حديثه لـ«الوطن»: «ندعم صمود المواطنين، نفذنا عدداً من البرامج لدعم الفلسطينيين فى وجه التهديدات الإسرائيلية، مثل توفير الخيام ومواد البناء للمواطنين الذين تم هدم منازلهم، كما نتعاون مع وزارات التربية والصحة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، ونقدم التعويضات عن الأضرار الناتجة عن اعتداءات المستوطنين، كما تُعتبر المقاومة الشعبية إحدى الأدوات الفعالة لمواجهة الاحتلال، ونجحنا فى عدة فعاليات، مثل الاعتصام فى الخان الأحمر، والذى أسفر عن إلغاء خطط الهدم، وشهدت مناطق مثل بلعين تضامناً دولياً أدى إلى هدم الجدار الذى أقيم على أراضيها».

«لن يعود مخيم جنين كما كان عليه»، 7 كلمات كانت كافية لوصف وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلى، يسرائيل كاتس، فى 2 فبراير 2025، طبيعة العملية العسكرية التى تستهدف المخيمات الفلسطينية، وخصوصاً فى شمال الضفة الغربية، وتشمل «جنين، طولكرم، نور شمس، الفارعة» وغيرها، تحت مسمى «السور الحديدى»، والتى تختلف عن العمليات العسكرية السابقة فى الضفة الغربية بثلاثة أبعاد رئيسية، يتمثل أولها فى تجاوز هدف محاربة الفصائل المسلحة إلى تصفية البنية التنظيمية للمقاومة بشكل أوسع، واستهداف تدمير المخيمات وتهجير سكانها كما حدث فى جباليا، كما أنها تعكس تحولاً فى رؤية الاحتلال، حيث تسعى إلى حسم الصراع عبر التهجير القسرى، فى تطور يتجاوز سياسة إدارة الصراع نحو محاولة إنهائه جذرياً.

فى السياق نفسه، يقول الدكتور عمر رحال، مدير عام مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية (شمس) فى رام الله، إن ما يجرى فى الضفة الغربية اليوم هو استمرار لسياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى فرض أمر واقع جديد، يتجلى فى عمليات هدم المنازل، مصادرة الأراضى، توسيع المستوطنات، وتهجير السكان الأصليين، خاصة فى المناطق المصنفة (ج) التى تشكل نحو 62% من مساحة الضفة الغربية.

«حكومة الاحتلال، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، زادت من عملياتها فى الضفة الغربية كنتيجة مباشرة لعدم تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية فى غزة، حيث وعد حلفاءه فى اليمين المتطرف، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، بتنفيذ عمليات واسعة فى مدن ومخيمات الضفة الغربية، خاصة فى جنين، طولكرم، نابلس، وطوباس، فى إطار خطط تهدف إلى تقويض الوجود الفلسطينى فى تلك المناطق»، بحسب حديث مدير عام مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية (شمس) لـ«الوطن».

يشير «رحال» إلى أن إسرائيل تستغل الانشغال الدولى بالحرب فى قطاع غزة لتمرير مخططاتها الاستيطانية فى الضفة الغربية، حيث تواصل فرض سياسة التطهير العرقى بحق الفلسطينيين من خلال تكثيف الاستيطان، وفرض قيود مشددة على الحركة، وهدم البيوت الفلسطينية بهدف تحويل المناطق الفلسطينية إلى معازل غير قابلة للحياة.

وعن المخيمات الفلسطينية، يوضح «رحال» أن الاحتلال ينظر إليها كعقبة رئيسية أمام تحقيق مخططاته، إذ تمثل هذه المخيمات رمزية سياسية وقانونية مرتبطة بـ«حق العودة»، لذلك يسعى إلى تقويض وجودها وطمس معالمها عبر استهدافها المتكرر، كما حدث فى مخيم جنين ونابلس، وذلك فى محاولة لإلغاء أى تفكير بحق العودة أو المطالبة به مستقبلاً، مضيفاً أن هذه السياسات تعكس «رؤية الاحتلال الصهيونى» الذى يسعى دائماً إلى «أرض بلا شعب»، وفق الأيديولوجيا الإسرائيلية، وهو ما يدفع حكومة نتنياهو إلى تنفيذ مخططات التهجير والاستيطان بوتيرة غير مسبوقة.

أما الهدف الرئيسى لعمليات الهدم والتهجير، فيرى «رحال» أن المناطق المصنفة (ج) يصنفها الاحتلال أنها المفتاح الرئيسى لضم الضفة الغربية، نظراً لما تحتويه من أراضٍ زراعية خصبة، ومصادر مياه، وتجمعات سكنية فلسطينية تحيط بالمستوطنات، حيث إن هذه المناطق تضم نحو مليون مستوطن إسرائيلى يعيشون فى مستوطنات غير شرعية، إضافة إلى وجود قواعد عسكرية إسرائيلية ومناطق عسكرية مغلقة، ومحميات طبيعية مزعومة، تستخدمها إسرائيل كذريعة لمصادرة الأراضى الفلسطينية ومنع التوسع العمرانى للفلسطينيين، مشيراً إلى أن الاحتلال يهدف إلى فصل التجمعات السكانية الفلسطينية، ومنع أى تواصل جغرافى بين المدن والقرى، بهدف إحباط أى إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى «بانتوستانات» معزولة يسهل التحكم فيها.

ويؤكد مدير مركز «شمس» أن عمليات الهدم الجماعى للمنازل الفلسطينية فى الضفة الغربية تُعد انتهاكاً جسيماً للقانون الدولى، واتفاقية جنيف الرابعة، وميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة المادتين السابعة والثامنة اللتين تُصنفان التدمير الواسع النطاق للممتلكات والاستيلاء عليها كجرائم حرب، إذ يعتمد الاحتلال الإسرائيلى على قانون الطوارئ البريطانى لعام 1945 كأساس قانونى للهدم، رغم أنه قانون ملغى دولياً، مما يدل على عدم شرعية الإجراءات الإسرائيلية، وضرورة التحرك القانونى لمحاسبة الاحتلال على هذه الجرائم.

وفى عام 1945، أصدرت حكومة الانتداب البريطانى قانون الطوارئ، الذى تضمَّن لوائح بخصوص إنشاء محاكم عسكرية لمحاكمة المدنيين، دون منحهم حق الاستئناف، والسماح بعمليات تفتيش ومصادرة شاملة، وحظر نشر الكتب والصحف، وهدم المنازل، واحتجاز الأفراد إدارياً لأجل غير مسمى، وإغلاق مناطق معينة، وفرض حظر التجول.. وفى عام 1948، أدرج الاحتلال الإسرائيلى ما يسمى بـ«أنظمة الدفاع» فى قانونه، بموجب المادة 11 من قانون الحكومة والترتيبات القانونية، باستثناء «التغييرات الناجمة عن إنشاء الدولة أو سلطاتها»، وعند احتلال الأراضى الفلسطينية عام 1967، أصدر الحاكم العسكرى الإسرائيلى فى الأراضى المحتلة أمراً عسكرياً «بتجميد» الوضع القانونى القائم آنذاك، حيث يزعم الاحتلال أن لوائح قانون الطوارئ كانت جزءاً من القانون المحلى فى الأراضى المحتلة قبل الاحتلال، وعلى مر السنين استخدم الاحتلال الإسرائيلى هذه اللوائح على نطاق واسع فى الضفة الغربية، للمعاقبة والردع، وقد مكّنت هذه اللوائح الاحتلال من هدم وإغلاق مئات المنازل، وترحيل السكان، والاعتقال الإدارى لآلاف الأشخاص، وفرض الإغلاقات وحظر التجول على المدن والقرى الفلسطينية.

وفيما يتعلق بالمحاسبة القانونية، يؤكد «رحال» أن التحركات الفلسطينية حتى الآن تقتصر على المستوى السياسى والدبلوماسى، حيث تجرى مشاورات مع الدول العربية والأوروبية لحشد الدعم ضد سياسات الاحتلال، لكن للأسف لم يتم اتخاذ أى خطوات حقيقية على مستوى المحكمة الجنائية الدولية، أو مجلس الأمن، لمحاسبة إسرائيل على عمليات التهجير القسرى والاستيطان، وعلى سبيل المثال قدمت فلسطين ملفاً للمحكمة الجنائية الدولية فى عام 2015 حول جرائم الاحتلال، لكن حتى الآن لم يتم إحراز أى تقدم ملموس فى هذا الملف، مما يعكس التباطؤ الدولى فى محاسبة الاحتلال على انتهاكاته الجسيمة لحقوق الشعب الفلسطينى، رغم الرفض الدولى الواسع لعمليات التهجير والاستيطان من أغلبية دول الاتحاد الأوروبى، إضافة إلى المواقف الحازمة التى اتخذتها مصر والأردن وغيرهما من الدول العربية، فالموقف المصرى كان حاسماً فى إفشال مخطط التهجير القسرى لسكان غزة إلى سيناء، حيث رفضت القاهرة بشكل قاطع استقبال أى نازحين فلسطينيين، وأكدت أن مكانهم الطبيعى هو داخل أراضيهم المحتلة، وليس فى المنفى.

وبينما يعتبر مدير مركز «شمس» أن الضغط الدولى يمكن أن يلعب دوراً فى كبح جماح إسرائيل، لكنه فى الوقت ذاته يشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة على المستوى السياسى والقانونى، مثل فرض عقوبات دولية، وتقديم قضايا رسمية أمام المحاكم الدولية لمحاسبة قادة الاحتلال، بالإضافة إلى ضرورة تصدى المجتمع الدولى للطموحات الاستيطانية الإسرائيلية، ووضع حد للانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين، فالحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة تسعى إلى إعادة رسم خريطة الإقليم، ما يشكل خطراً كبيراً على الاستقرار فى المنطقة بأكملها.

بدوره، يقول الدكتور أحمد رفيق عوض، رئيس مركز الدراسات المستقبلية بجامعة القدس، لـ«الوطن»، إن الاحتلال الإسرائيلى ليس لديه أى رغبة فى تسوية حقيقية، ويرفض حصول الشعب الفلسطينى على كرامته واستقلال دولته، وتتمثل أهداف الاحتلال الإسرائيلى خلال العام 2025 فى ضم الضفة الغربية، وتهجير الفلسطينيين عبر التفريغ الديموغرافى والقضاء على حل الدولتين، وعدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، وتظهر تلك الأهداف جلياً فى الضفة الغربية من خلال العملية العسكرية التى يشنها الاحتلال فى الشمال ومساعيه لتهجير سكان المدن والمخيمات الفلسطينية.

وفى هذا السياق نفذت سلطات الاحتلال خلال العام المنصرم ما مجموعه 684 عملية هدم، بواقع 172 عملية هدم فى محافظة الخليل، خلفت 258 منشأة تم هدمها، تلتها محافظة بيت لحم بـ68 عملية خلفت 82 منشأة، مع ملاحظة أن هناك كثافة كبيرة فى العمليتين بمناطق الجنوب، والتى تتركز فيها مناطق شاسعة يسعى الاحتلال لتهجيرها وإفراغها لصالح المشروع الاستيطانى الاستعمارى، حيث شملت عمليات الهدم المساكن المأهولة وغير المأهولة، والمساكن قيد الإنشاء، وكذلك المنشآت الزراعية والبيوت المتنقلة، و«البركسات» التجارية والصناعية، وآبار المياه.

وتُعتبر إخطارات الهدم التى تصدرها السلطات الإسرائيلية فى الضفة الغربية إحدى أدوات الاحتلال فى محاصرة الفلسطينيين فى المناطق (ج)، ومنعهم من التطور والتوسع العمرانى، فى ظل سيطرة الاحتلال على التخطيط فى تلك المناطق، ومنع الفلسطينيين من حقهم فى إعداد المخططات الهيكلية، وعدم الموافقة عليها، إذا ما قدمت إليهم من أجل استغلال تلك المناطق، والتى تمثل 61% من مساحة الضفة الغربية، والإبقاء عليها لخطط توسيع المستوطنات فى المستقبل.

وفى مجمل العام الماضى، أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلى 939 إخطاراً لهدم منشآت فلسطينية، بحجة عدم الترخيص، تركز معظم هذه الإخطارات فى محافظتى الخليل، بواقع 180 إخطاراً، ومحافظة أريحا 140 إخطاراً، فى حين تركز ما تبقى من الإخطارات فى محافظات نابلس وبيت لحم ورام الله وقلقيلية، ولعل المتتبع لجغرافيا توزيع الإخطارات سيلحظ كثافة كبيرة فى منطقة جنوب الخليل، وتحديداً فى منطقة «مسافر يطا»، المهددة كلياً بالتهجير القسرى وترحيل السكان، والتى تحاصر مبانيها بالكامل بالإخطارات، ثم تأتى محافظة أريحا كثانى أكبر استهداف بإخطارات الهدم، اندماجاً فى مخطط عزل المدينة، وتحويلها إلى جزيرة منفصلة، بالنظر إلى موقعها الجغرافى الذى يجعلها نقطة ربط فلسطين بالعالم.

.

ويقول السفير عاطف سالم، سفير مصر السابق فى تل أبيب، إن الضفة الغربية منطقة هامة جداً، لأنها تُعتبر خاصرة دولة إسرائيل، يعيش بها ما يقارب 3 ملايين فلسطينى، وتمثل 21% من مساحة إسرائيل التاريخية، وحسب اتفاقية أوسلو، فإن الضفة مقسمة ثلاثة أقسام، 18% تحت السيطرة المدنية والعسكرية للسلطة الفلسطينية، و22% تحت السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية والعسكرية لإسرائيل، و60% تحت السيطرة للسلطة الفلسطينية والعسكرية لإسرائيل.

ويتابع «سالم»، فى حديثه لـ«الوطن»، أن «الضفة هى محل اهتمام الجانب الإسرائيلى، لأن المتدينين ومنهم الحريديم (يهودا والسامرة) يعتبرونها الأرض التى خاطب فيها الرب نبيه إبراهيم، وأن أول دولة يهودية نشأت فى هذه الأرض، وبالتالى لديهم اعتقاد وتبشير توراتى أنها أرض توراتية، وتتعرَّض الضفة الغربية لكثير من الاعتداءات والهجوم من المستوطنين لإجبار السكان الفلسطينيين على الخروج، ووصل عدد المستوطنات بها إلى 185 مستوطنة و200 بؤرة استيطانية»، ويوضح سفير مصر السابق فى تل أبيب: «هناك أيضاً فكر حاخامى مؤثر فى قضية الضفة الغربية»، يتمثل فى أن وجود المستوطنات فى جميع أنحاء الضفة سيسرع من عصر مجىء المسيح المخلص، الذى سينقذ إسرائيل، ويعيد بناء هيكل سليمان الثالث، لذا هناك أحزاب إسرائيلية، خاصة الدينية، ترفض رفضاً قطعياً مسألة حل الدولتين.

ورصدت طواقم التوثيق والنشر، خلال العام المنصرم 2024، ما مجموعه 16612 اعتداء نفذتها أجهزة دولة الاحتلال المختلفة، بما فيها ميليشيا المستوطنين، على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، كان منها 13641 اعتداء على يد الجيش الإسرائيلى، و2971 على يد ميليشيات المستوطنين، بحسب عبدالله أبورحمة، مدير دائرة العمل الشعبى ودعم الصمود فى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وتراوحت هذه الاعتداءات ما بين الإصابات الجسدية، سواء بالاعتداء بالرصاص الحى والغاز، وكذلك اقتحامات المدن والقرى، وتخريب الممتلكات، بما فيها تجريف الأراضى واقتلاع الأشجار ومصادرة الممتلكات، وقد تركزت هذه الاعتداءات فى محافظة الخليل، بنحو 2934 اعتداء، تلتها محافظة نابلس 2531 اعتداء، ثم محافظة رام الله 2224 عملية اعتداء، ثم محافظة القدس 2170 اعتداء، حيث شهدت هذه المحافظات اعتداءات بشكل مكثف، بما يعادل 59% من مجمل هذه الاعتداءات.

أما باقى محافظات الضفة الغربية فلم يكن حالها أفضل، حيث تعرضت كل من محافظتى جنين وبيت لحم لأكثر من ألف اعتداء لكل منها، أما محافظات قلقيلية وطولكرم وسلفيت وطوباس وأريحا فلم يقل عدد الاعتداءات فيها عن 600 اعتداء لكل محافظة، وتوزعت هذه الاعتداءات ما بين 4538 اعتداء على الممتلكات، و744 عملية اعتداء على الأراضى، و11330 اعتداء على المواطنين الفلسطينيين.


مواضيع متعلقة