داود عبدالسيد.. الفيلسوف الساخر

كتب: ياسر الشيمي

داود عبدالسيد.. الفيلسوف الساخر

داود عبدالسيد.. الفيلسوف الساخر

فى بانوراما السينما المصرية، يتربع اسم داود عبدالسيد كفنان استثنائى، حفر اسمه بحروف من نور فى ذاكرة المشاهدين والنقاد على حد سواء، ليس مجرد مخرج، بل فيلسوف الكاميرا، يقتنص اللحظات الإنسانية العميقة من صميم الواقع، ليطرحها فى أعمال خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان، فهو من أندر المخرجين الذين استطاعوا أن يمزجوا ببراعة فريدة بين الواقعية السحرية، والتأملات الوجودية، وروح الدعابة السوداء، مقدماً سينما تحرض على الفكر وتلامس الوجدان.

مشوار فنى طويل قطعه داود عبدالسيد، الذى يمر حالياً بأزمة صحية، استلزمت دخوله المستشفى فى الأيام الماضية.

وُلد «عبدالسيد» فى القاهرة عام 1946، وتشرّب روح المدينة المتناقضة، بكل ما فيها من حراك شعبى وصخب وجودى، لم يكن طريقه إلى الإخراج تقليدياً، فقد انطلق من معترك الأفلام التسجيلية الاجتماعية، متجولاً بكاميرته بين أزقة وشوارع مصر المحروسة.

المدينة فى عينه أكثر من خلفية بصرية، كائن ينبض بالحياة، يئن بأوجاعه، يتنفس بأحلامه، ويبوح بأسراره لمن يمتلك فن الإصغاء.

هذه الرحلة العميقة فى نسيج المجتمع كانت بمثابة مختبره الأول، حيث تفتحت عيناه على هموم البسطاء وأحلام المقهورين، وعلى تفاصيل الحياة اليومية التى غالباً ما تتجاهلها عدسات السينما التجارية.

أفلامه التسجيلية المبكرة، مثل «وصية رجل حكيم فى شئون القرية والتعليم»، ليست مجرد توثيق، بل تأملات أولية فى روح المكان والإنسان، أثرت بلا شك فى تشكيل رؤيته الفنية لاحقاً، وجعلت منه صانع أفلام يرى الواقع بعين شاعر لا تسحره الزينة، بل تستوقفه التشققات.

عندما انطلق داود عبدالسيد نحو عالم الأفلام الروائية، لم يأتِ ليردد صدى من سبقه، بل ليؤسس لمدرسته الخاصة، حيث اختلطت الفلسفة بالحكى الشعبى، والرمز بالواقعية، والحلم بالحقيقة.

أفلامه قليلة العدد نسبياً، لكنها جواهر فنية نادرة، كل منها يحمل بصمة مميزة وعمقاً لا تخطئه عين.

«الصعاليك» كان إيذاناً بميلاد صوت سينمائى مختلف، ثم جاء «البحث عن سيد مرزوق» ليرسخ هذا التميز بأسلوبه الفلسفى الساخر، حيث تتقاطع الأسطورة بالحياة اليومية، ويصير السؤال الفلسفى نابعاً من قلب الحارة.

نقطة التحول الكبرى فى مسيرته، التى رسّخت مكانته كعلامة فارقة فى تاريخ السينما المصرية، كانت مع «الكيت كات»، إذ لم يكن هذا الفيلم مجرد حكاية عن كفيف يقاوم قيود عالمه، بل ملحمة إنسانية عن البصيرة والبصر، عن الأحلام الضائعة والممكنة، وعن القدرة على الرقص على إيقاع الحياة رغم كل شىء.

أظهر فيه «عبدالسيد» قدرة عبقرية على قيادة الممثلين، مقدماً الفنان محمود عبدالعزيز فى دور أيقونى يُدرَّس، ليبرهن على أن الإخراج الحقيقى هو فن اكتشاف الممثل وإعادة تشكيله. صنع من الشيخ حسنى صورة مركبة لرجل يرى ما لا يُرى، ويبتسم فى وجه القهر، ويسخر من العمى المزدوج، الذى لا يُصيب العيون فقط، بل القلوب والعقول كذلك.

لم تتوقف رحلة البحث والتأمل عنده، ففى «أرض الأحلام» و«سارق الفرح»، استمر فى استكشاف تفاصيل الوجود الإنسانى فى بيئات مختلفة، كأنه يغزل نسيجاً واسعاً للروح المصرية، متنقلاً بين الواقع والحلم، بين الوجع والرجاء.

ثم جاء «أرض الخوف» ليغوص فى أعماق الشك واليقين، فى رحلة بطله المعقدة التى تتشابك فيها قضايا الهوية والانتماء مع أسئلة وجودية أزلية، حتى بدا الفيلم كاعتراف فلسفى فى قالب بوليسى وجودى. ومع «مواطن ومخبر وحرامى»، قدّم مزيجاً فريداً من الدراما والكوميديا السوداء، مسلطاً الضوء على التناقضات الاجتماعية والنفسية للبشر، مستحضراً عبثية الواقع المصرى بسخرية قاسية، لكنها تفيض إنسانية.

وفى «رسائل البحر»، استمر فى رسم لوحاته السينمائية التى تتسم بالهدوء الظاهرى والعاصفة الداخلية، ليقدم قصة عن العزلة والبحث عن التواصل، قصة رجل يتلعثم بالكلام، لكنه يصرخ بالصمت.

ومع «قدرات غير عادية»، ختم داود عبدالسيد مسيرته الإخراجية، مودعاً شاشات السينما بإرث فنى يتطلب التفكير العميق والتأمل الطويل، بفيلم جاء كوصية خفية، تذكرنا بأن المعجزة تكمن أحياناً فى التفاصيل المنسية، وأننا حين نفتش عن المعنى، لا بد أن نعيد اكتشاف الواقع كأنه حلم مؤجل. إن جوائز داود عبدالسيد المتعددة، من «الهرم الفضى» إلى «جائزة النيل» المرموقة، ليست مجرد تكريم لإنتاجه السينمائى، بل شهادة على تأثيره الثقافى العميق ورؤيته الفنية الفريدة.

لقد كان ولا يزال صوتاً سينمائياً لا يتكرر، يرفض السطحية والابتذال، ويصر على الغوص فى أعماق النفس البشرية والمجتمع، إذ شكل تياراً خاصاً به، لا يشبه أحداً، ولا يُشبهه أحد، كأنما كان يصنع سينماه كما يكتب الراهب تراتيله، فى عزلة الفكر وصفاء الرؤية.

داود عبدالسيد ليس مجرد صانع أفلام، بل بمثابة «حادى السينما إلى عوالم الروح والواقع»، يرسم لنا لوحات متحركة تنبض بالحياة، وتدعونا للتفكير، والتأمل، وحتى الابتسامة بسخرية مريرة على مفارقات القدر. اعتزاله الإخراج فى 2022 ترك فراغاً، لكن أعماله ستبقى منارات تضىء طريق الأجيال القادمة، وتذكرنا دائماً بقيمة الفن الذى يلامس الروح ويحرك العقول، وتعيد إلى السينما معناها الأول: أن تكون مرآة النفس، ونبض الشارع، وهمس الأسئلة الكبرى. إنه المخرج الذى لم يُسلم يوماً بالمألوف، بل مشى على حواف الأسئلة، وبنى سينماه من الطين والحلم، من البسمة والدمعة، من الفكرة والوجدان.

الصعاليك

الكيت كات

أحمد زكى


مواضيع متعلقة