ناصر عبدالرحمن يكتب الشخصية المصرية (24): بين الجذب والرصد
ناصر عبدالرحمن يكتب الشخصية المصرية (24): بين الجذب والرصد
تعقُّد الطرح بين الجذب والرصد فى الشخصية المصرية يخلق حرية وقيداً للشخصية، كمن دخل مسجداً فوجد صفاً يصلى تجاه القبلة، ودخل قاعة المسجد المزخرفة التى تمتلئ بالزينة والبخور اللبنى ودخان عطر البخور يتصاعد والناس تصلى فى جهة عكسية للقبلة، تقف بينهما حائراً مندهشاً أى قبلة أصح، وأنت تعلم بالقلب أيهما أصح، حتى يوجّهك نور قلبك للأصح، هكذا يختلط الجذب فى الشخصية المصرية ويمتزج بالرصد، إنها شخصية يسعها التناقض، كبحر هادر يُطلق أمواجه على البيوت، والناس تحاول الوصول وهى مضطرة أن تخوض فى الطين حتى تجد طريقاً سهلاً أمام البحر، الشخصية المصرية مرصودة منذ مصر القديمة، يتابعها الحاسد ويتابعها الطامع. تجد الهكسوس يدخلون حرم أرضنا فى رحاب كرم الضيافة وهم يخفون حقدهم، ولأن الشخصية المصرية مرصودة نجح الهكسوس فى احتلال مصر قروناً حتى أخرجهم حورس.
كذلك كل مستعمر راصد مصر وراصد أحوالها، يرصد أرضها وكنوز جبالها وكنوز سهلها وكنوز بحارها، يرصد تفاصيل عيوبنا وتفاصيل مميزاتنا، الترك استعمارٌ سلب مصر أمهر المهنيين من العمال وخلاصة نوابغ مصر من النجارين والحدادين والحرفيين، وتم جمعهم من كل بقعة فى مصر وحملوهم فى مركب ضخم إلى الأستانة فى تركيا، فبنوا الجوامع والمدارس والقصور والتحف الفنية الباقية إلى الآن، كما رصد العدو علماء مصر وتم قتلهم عالماً تلو عالم، منهم دكتور على مشرفة ودكتورة سميرة موسى ودكتور نبيل القلينى ودكتور يحيى المشد ودكتور سعيد السيد بدير، وغيرهم إلى وقتنا الحالى، رصد الأعداء لنوابغ المصريين مستمر، فكلما ظهر نجم مصرى تبدأ حروب التآمر عليه وقتله.
الشخصية المصرية مرصودة محاصرة، يتم التعرض لها فى الخارج أو فى الداخل وبلا رحمة، الهدف من رصد الشخصية المصرية هو إطفاء نجوم مصر ودفن أسباب أنوارها، تم رصد دكتور جمال حمدان وقتله، لأنه أزال التراب عن سر شخصية مصر وفتح أبواب الفهم حتى نتعلم الجغرافيا السياسية، العلم ميراث مصرى تم رصده من قبَل الحضارات الهمجية المنافسة للحضارة المصرية، حرق مكتبة الإسكندرية من الرومان، وحرق جميع الأسرار المخزنة فى المكتبة، حتى تفاصيل علمية كتبها المصرى القديم على البردى، حتى لم يعد كتاب واحد أو بردية واحدة أو مخطوط واحد يوصل العلم المنقطع، استمرار المستشرق الغربى فى رسم صورة حب للشخصية المصرية وهو يُخفى رصدها وسرقة كنوزها وتدمير علمها، المستشرق قدَّم صورة منحازة ضد الشخصية المصرية فى معظم كتبه ورسم صوراً خاطئة للمجتمع المصرى، رغم وجود قلة من المستشرقين عشاق الشخصية المصرية.
أنعم الله على مصر بعلوم ومعارف وخصوصية، فهى تجمع بين علم سيدنا إدريس وقوة سيدنا موسى وعذوبة سيدنا داود وجمال سيدنا يوسف وروحانية سيدنا عيسى وسكون ستنا أم موسى وأمومة ستنا آسيا وعطف ستنا مريم، ورحمة من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أنوار واجتباء إلهى لمصر، جعل الشخصية المصرية شخصية محبوبة ومتألقة، تجمع فى امتزاج وفناء البحر والنهر، النور والظل، الحب والسمر، البساطة والتعقيد، الرقة والقوة، بحار زرقاء ونيل، جبال وذهب، صحراء وزرع، شمس وليل كلها تنحت الشخصية المصرية، تغير معالمها، تضىء جوانبها مثل حجر الألباستر فى جبال الأقصر. الشخصية المصرية مرصودة، يطلب ودها العدو طمعاً فى إغضابها ورغبة فى سرقتها، إنها شخصية عليها الضوء مستغلة مرصودة، محمود مختار وكبار النحاتين، محمود سعيد ومحمد حامد عويس وشوقى زغلول وحامد ندا وأدهم وسيف وانلى، عشرات الفنانين التشكيليين والنحاتين ظهروا فى أوقات متقاربة مع ظهور عصر السماع المصرى من قراء القرآن العظماء منهم الشيخ رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ أبوالعلا والشيخ صديق المنشاوى و.. و.. و.. و..
كذلك ظهور جيل بعد الموسيقار المصرى الوطنى أبوإسكندر، الشيخ سيد درويش وعبده الحامولى ليظهر عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم وعشرات الأصوات والموسيقيين كلهم مع ظهور سينما مصرية خاصة، منهم محمد بيومى ومحمد كريم، ثم ظهر صلاح أبوسيف ونيازى مصطفى وهنرى بركات وكمال الشيخ ويوسف شاهين وحسين كمال، ثم ظهر عاطف سالم وأشرف فهمى، ثم ظهر محمد خان وعاطف الطيب، ثم داود عبدالسيد، ثم ظهر يسرى وأسامة فوزى وخالد يوسف ومعهم كُتاب وسيناريستات، مئات الفنانين تتتابع وهى مرصودة. رصد الفن المصرى جعلهم يفعلون خطة على مراحل، بدأت من السبعينات ويظهر منتج غير مصرى يقتحم الإنتاج ويغير طبيعة الفن السينمائى، ولأنه يدفع جاء بشروطه فى الموضوعات والأبطال ليظهر منتجون من خارج مصر أصولهم غير مصرية يشكلون قوة جديدة قتلت المنتج المصرى البسيط تاجراً كان أم مستورداً أم صاحب مصنع ليظهر المنتج غير المصرى من نهاية السبعينات ويبدأ فى تكوين أتباع يشترون السينمات، ثم يأتى منتج آخر أوائل التسعينات وينشئ قناة ليأخذ كل المخرجين عنده، ليتحول مخرجو السينما بالكامل إلى الفيديو لكسر قوة السينمائى المصرى ويصبح الخريج لا طريق له غير المحطة غير المصرية التى يديرها الإنجليز طبعاً، ثم يصوم ويصوم ويصوم المركز القومى للسينما عن إنتاج أفلام قصيرة وروائية وتسجيلية كما كان أيام الستينات عندما ظهرت أفلام لشادى عبدالسلام، ثم الغزولى، ثم عطيات الأبنودى ورضوان الكاشف وخيرى بشارة والتهامى وغيرهم من مخرجى التجربة السينمائية، ثم تأتى ظلمة الفن وسرابها وريقها الملوث صاحب الأكاذيب، الثعبان السام رجل ما زال يحكم صناعة السينما، وهو من أكبر كارهى مواهبها، وهو القاتل لتجربة السينما المصرية الجديدة الذى يعمل عميلاً مزدوجاً، يعمل كمصرى ويعمل كمستشار أجنبى، ثم يأتى دور بيع النيجاتيف للفيلم المصرى، وتنجح نجمة مصرية فى شراء آلاف الأفلام وبيعها لمصدر فى أمريكا ويتم التخلُّص من جذور التفوق المصرى، وبشكل منهجى تُغلق سينمات وسط البلد وتُدفن نصف أفلامنا المصرية الخالصة مثل أفلام السوق السوداء ولاشين، ثم تأتى المرحلة الأخيرة فى شراء النجوم المصرية وتجنيسهم بالكامل وشحنهم لتصوير أفلام بلا نفع ولا معنى إلا قتل الخصوصية والانتماء والتوحد عند المصريين، والآن نحن نتمسك بأوهام الريادة التى تم سرقتها وخنقها وقتلها ومحوها.
وبعد أن كان المسرح عالمياً، يأتيه الناس من جميع البلاد بالطائرات، عادل إمام، سمير غانم، سعيد صالح، سهير البابلى، حسن عابدين، محمد صبحى، محمد نجم، وعشرات من نجوم المسرح العام، يأتيه الجمهور من كل بقعة عربية، ليتم رصد كل ما سبق ويتم تجفيف النيل الفنى المصرى بفعل الرصد وانتقال ميزة الشخصية المصرية من شخصية جذب إلى شخصية تائهة تستسلم لقوة الرصد التى أحكمت خططها حتى كادت أن تغير واقع الشخصية المصرية من شخصية جذب، إلى شخصية مرصودة.. اللهم فاشهد.