عرائس إسطنبول (2)
تتوزع البطولة فى رواية «عرائس إسطنبول» للكاتب على الصاوى على شخصيات سياسية بارزة، تدير حياتها فى الغربة على نحو يحقّق لها الحماية أولاً، والتمكن ثانياً، كلما مرت السنوات، وتداعت الأحلام فى عودة سريعة إلى مصر، لاسيما عند من يصفهم الكاتب بـ«القطط السمان»، سيطرت على واقع المغتربين، بينما يدور حولها شباب صار تصريف الأمور اليومية بالنسبة لهم الشغل الشاغل، وباب الوجع والمعاناة.
ترصد الرواية صراع المنافع والمصالح بين الكبار، وكيف تصبح حيازة المكان والمكانة هى الهدف الأساسى لهؤلاء، وهو ما تعبّر عنه إحدى شخصيات الرواية، وهى «نبيلة الدرينى»، سكرتيرة السياسى «غانم بركات»، قائلة: «ما أحمقنى حين ضيّعت سنوات من عمرى فى البؤس بين حيطان الفقر والرضا بالنصيب، فى حين أن هناك نصيباً آخر ما كنت أعلم عنه شيئاً، نصيباً تصنعه الأزمات بعيداً عن مراقبة المجتمع وعبث الأقدار، تكون أنت فيه السيد المُدلل، وسط مجتمع سطحى مُترهل يتصدّره شخصيات منقسمة على نفسها نصفين، نصف أمام الشاشات يرتدى كرافتات شيك، ويلوى لسانه بعبارات مُنمّقة وشعارات مستهلكة، والنصف الآخر ينفث حياة أخرى فى الظلام يتعرّى فيها ممّا يتشدق به فى النهار، فتعود النفس إلى أصلها وصورتها الحقيقية، عارية بلا مساحيق تُجمّلها أو شعارات تسترها».
تقدّم الرواية شخصية «بركات» هذا بصورة منفّرة إلى حد كبير، إذ يراه حيواناً سياسياً، يجيد توظيف كل من حوله، وما حوله، فى سبيل بلوغ أهدافه، ثم يُعطى كل ما يقوله وما يفعله معنى عاماً، حيث يحيله فى تحايل ظاهر إلى الدور السياسى، الذى له فى رأيه مقتضيات لا تلزم «بركات» هذا طوال الوقت بأى حمولات أخلاقية أو وطنية.
ولعل الحوار الذى دار بين «مؤمن الزيات» بطل الرواية، و«راغب السويركى» الأنانى الفاسد، يقدّم الكثير عما أراد المؤلف قوله ليصف به واقع الحال مجملاً، وبلا مواربة، فقد رد «السويركى» على سؤال لـ«الزيات» عما إذا كان الرقص فى حانات العرى وبين السكارى والفتيات الماجنات فى «إسطنبول» أفضل، أم هو فى عالم السياسة والإعلام، قائلاً: «لا فرق بينهما، فهذا رقص وهذا رقص، غير أن هؤلاء يرقصون على نخب الكؤوس، وبين أحضان النساء، وأولئك يرقصون على دماء الشعوب وفى أحضان المصالح».
كما تصور الرواية الأوضاع القاسية التى يعيشها شباب اعتقدوا أنهم سيجدون فى المنفى بين الكبار الذين يمسكون بخيوط اللعبة السياسية مكاناً، لكنهم لا يجدون إلا نكراناً وتهميشاً، فيسقطون فى صدمة نفسية، تجعل بعضهم يغرق فى الندم الشديد، أو يجد طبابته فى الحنق على هؤلاء الكبار، والكفر بكثير من الأفكار التى تعشّش فى الرؤوس، والتى كانوا يظنون أنها راسية كالجبال، والاندهاش من سوء بيئة اجتماعية ظنوها نقية قبل الذهاب إليها، فهى بيئة ليس فيها مكان للتحقّق سوى للوصوليين، وهنا يقول السويركى لنبيلة الدرينى، التى تستعمل جسدها سبيلاً للوصول إلى ما تريد: «أمثالك يُعمِّرون فى مثل هذه الأوساط، فتلك البيئة لم تُخلق من الأساس إلا لأمثالك وأمثالى وأمثال مَنْ نعمل معهم، وقلما تجدين فيها مكاناً لشريف أو وطنى».
ليس هؤلاء أفراداً فحسب، بل بينهم أسر راحت تعانى من التآكل الاجتماعى، وتضطر إلى المسايرة والتملق بعد أن انقطعت بها السبل فى الغربة، وهنا تقول الرواية: «فى برد إسطنبول القارس لا تعدم أن ترى عرايا فى زحام شوارعها من المدّعين والأفاقين، من ضلت الرحمة طريق قلوبهم فاستقووا على أزواجهن بلا شفقة للتنفيس عن عللهم النفسية، استبدت بهم القوامة ووظفوها لفهمهم المتحجر فى خضم الأزمات المتلاحقة، فعانت أزواجهن من هجر الرجال وصلافتهم، بعد أن تبرجّت لهم الغربة وفتحت لهم ذراعيها فسقطوا صرعى إغوائها».