رفعت رشاد يكتب: جريدة مصر السينمائية ذاكرة لقوة الدولة الناعمة
قبل عرض الأفلام السينمائية في دور العرض الكبيرة كانت نشرة جريدة مصر السينمائية حاضرة دائما تقدم للمشاهد آخر أخبار الدولة الرسمية وعلى رأسها أخبار وأنشطة رئيس الجمهورية والتعريف بما يجري في كواليس السياسة وأخبار العالم . كانت جريدة مصر السينمائية في زمن لم تكن فيه القنوات الفضائية قد ظهرت بعد، ولم تكن نشرات الأخبار تصل إلى كل بيت، وقبل أن تتربع وسائل التواصل الاجتماعي على عرش الإعلام.
كانت جريدة مصر السينمائية بمثابة النافذة الرسمية التي تطل منها الدولة على شعبها. هذه الجريدة، التي لم تكن من ورق، بل من صوت وصورة، قدمت لملايين المشاهدين عبر شاشات السينما حلقات مصورة تنقل أخبار الدولة المصرية، خاصة أنشطة رئيس الجمهورية، والفعاليات القومية، والزيارات الرسمية، والمناسبات الوطنية.
منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى الثمانينيات، كانت جريدة مصر السينمائية تُعرض في صالات السينما المصرية قبل بدء الفيلم الروائي، وأحيانًا كانت تُنتج بالأبيض والأسود، وأحيانًا بالألوان، لكنها ظلت ثابتة بوظيفتها كأداة توثيق وبثّ مباشر لسياسات الدولة المصرية. وكانت الجريدة من إنتاج "مركز السينما والسينما التسجيلية" التابع لوزارة الثقافة أو الهيئة العامة للاستعلامات، مما منحها طابعًا رسميًا مؤثرًا.
لم تكن جريدة مصر السينمائية مجرد عرض لأخبار بروتوكولية؛ بل كانت تغرس في الوعي الجمعي إحساسًا بالفخر القومي والانتماء. كان المواطن البسيط في القرى والمراكز، الذي لا يملك جهاز راديو ولا يتابع الصحف، يشاهد عبر شاشة السينما رئيس الجمهورية وهو يزور المشروعات القومية، أو يستقبل زعيمًا أجنبيًا، أو يضع حجر الأساس لمصنع أو مدينة جديدة.
تُعد الجريدة اليوم كنزًا وثائقيًا بصريًا هائلًا، فقد احتفظت بمئات الحلقات التي توثق لتاريخ مصر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. نرى في أرشيفها لقطات نادرة للرئيس جمال عبد الناصر وهو يخطب في الجماهير، والرئيس السادات ومشاهد افتتاح السد العالي، ومشروعات البناء، واحتفالات أكتوبر، وافتتاح دور الثقافة والمسارح. إنها ببساطة ذاكرة الأمة المصورة.
من خلال هذه الجريدة، استخدمت مصر أدوات القوة الناعمة في أرقى صورها. فقد مارست نوعًا من الدبلوماسية الإعلامية من خلال الشاشة، حيث كانت تترك أثرًا على وجدان المواطن المصري والعربي، وتُكوّن رأيًا عامًا داعمًا للسياسات المصرية. فقد كان العرب، خاصة في بلاد الشام والمغرب العربي، يشاهدون هذه الجريدة حين يُعرض الفيلم المصري في دور السينما عندهم، فيتعرفون على مواقف مصر، وإنجازاتها، وقوتها الناعمة الصاعدة.
امتازت الجريدة بأسلوبها الإخراجي المتقن، والتعليق الصوتي المميز، الذي غالبًا ما كان يؤديه أحد عمالقة التعليق مثل حلمي البلك أو عبد الوهاب يوسف، بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية الحماسية، ما أضفى على المحتوى بُعدًا شعوريًا وجاذبية فنية جعلت الجريدة تحيا في الوجدان، ولا تُنسى بسهولة.
اليوم، ومع تطور الإنترنت وظهور مواقع مثل يوتيوب، عادت جريدة مصر السينمائية لتبهر الأجيال الجديدة. فالحلقات التي كانت تُعرض قبل الأفلام أصبحت تُنشر كأرشيف رقمي يجذب الباحثين، والمؤرخين، والمحبين للذاكرة البصرية، وحتى العامة من المشاهدين. ومهما مرّ الزمن، يظل تأثيرها حاضرًا، لأنها تقدم الحقيقة بالصوت والصورة، دون رتوش ولا إعادة تركيب.
إن أهمية جريدة مصر السينمائية لا تقتصر على الجانب الإخباري فقط، بل تتعداه إلى بناء وعي جمعي، وتدعيم الانتماء، وتعزيز الثقة بالدولة ومشروعاتها. وقد أدركت القيادة المصرية حينها أن الصورة أقوى من ألف كلمة، وأن من يملك الكاميرا يملك عقول وقلوب الجماهير. لذلك كانت هذه الجريدة أداة لشرح السياسات، وتبرير القرارات، ورفع المعنويات.
في عصر منصات الفيديو، يمكن أن يكون إحياء هذا النموذج، ولو بطريقة جديدة، مشروعًا إعلاميًا ثقافيًا ضخمًا.
فالمشاهد اليوم بحاجة إلى محتوى موثق وموضوعي وذكي يعرض إنجازات الدولة ويوثقها، ويُظهر الهوية المصرية في أبهى صورها، تمامًا كما فعلت جريدة مصر السينمائية لعقود طويلة.
جريدة مصر السينمائية لم تكن فقط نشرة أخبار، بل كانت منبرًا مصريًا رسميًا وإبداعيًا يحمل بين لقطاته تاريخًا، وشعورًا بالكرامة، ورسالة حضارية. وها هي، بعد كل هذه السنوات، تواصل أداء رسالتها، ويشاهدها جمهور عربي واسع على المنصات الرقمية، لتبقى إحدى أعظم تجليات القوة الناعمة المصرية التي جمعت بين التوثيق والإعلام والفن، فاستحقت أن تبقى في الذاكرة الجمعية حية نابضة.