أحياناً أتساءل: أنا قطعة من قلبك، نفس الملامح، نفس الأفكار.. عشق الحياة، الاعتدال، الصلابة.. فلماذا لم أرث حنجرتك الذهبية لأغنى؟
«منزل أبى»: لا يزال فى نفس الشارع بمدينة طنطا، كل ما تغيّر أن العائلات اندمجت بالمصاهرة، وكأن جينات الحب تنتقل من جيل إلى آخر، نفس الود والترابط: أضحية العيد التى يتذوقها الكل، الأبواب المفتوحة للجار، الأطفال الذين يشعرون بالأمان، فالكل عمى أو خالتى.. لى فى هذا المكان سيدات لعبت معهن -طفلة- أمام المسجد، انتظاراً للأذان، وشباب تجمهروا على باب المستشفى حين مرضت أمى.. لى فيه حقوق وعلىّ واجبات.. هذا هو إيقاع الحياة اليومية المتبادل: «إنه الأصل».
إخوتى: «قصص الحب البريئة» لإخوتى الشباب، والتى تكللت بالزواج من بنات خالى وخالتى، وأسرارنا العبيطة التى كنت أتشاركها مع البنات، من أول عروسة رأس السنة حتى عروسة العيد، والعيدية التافهة التى كانت تسعدنا، ومصروفنا الكبير (بمقاييس وقتها)، الذى يسمح لنا بالذهاب إلى المدرسة بـ«تاكسى»، تلك الجلسات التى لعبنا فيها برمال البحر، وحاول إخوتنا الشباب أن يغرقونا.. «فرسكة وذرة مشوى وآيس كريم» وضحك طالع من القلب يفك هموم جيلى الذى كانت همومه بسيطة تماماً كأحلامه.
كل ما أحببناه خلفنا: (أغنياتنا، فيروز، وحليم، وحفلات شم النسيم، ووردة، وفايزة، ونجاة، وابن الجيران أكيد).. الشارع التجارى المفعم بالحياة والصخب، وبلكونة الدور الأول.. قصص الحب التافهة -الفاشلة- التى أسعدتنا آنذاك.. دبلة الجواز وفستان الفرح، وأول حفيد (لا يفرق لمن أو ممن).. فرش العروسة والزغاريد.. وملابس الحداد على شقيقى الأصغر، ثم الأكبر منى وأنا صغيرة.. حتى الألم والوجع والحزن.. تباعدا لدرجة أنى أتذكرهما كذكرى عابرة، إلا فراق أبى وفقد أمى.
كم مرة ضحكت حتى البكاء، وكم مرة بكيت نفسى: منذ الأيام الأولى التى ندهتنى النداهة لصاحبة الجلالة وأنا همومى لنفسى، وللآخرين الجدعنة ودور المقاتلة الذى اعتدت عليه حتى أصبح «جلدى».. عرفت خطاى لأول مرة مبنى «الأهرام» الشاهق، لمقابلة الكاتب الكبير «يوسف إدريس»، لعمل دراسة حالة لأقدّمها فى تمهيدى ماجستير، لكن النداهة اختطفتنى.. من الجلوس (وأنا طالبة) على أرض المسرح لسماع شعر (محمود درويش وسميح القاسم، والنجمة نضال أشقر تلقى أشعار نزار).. وحتى أول خطوة صعدت بها سلم مؤسسة دار الهلال.
«الأستاذ».. كنت مكتئبة للغاية، أسجل برنامج لقناة ART دون أن أشعر بالنجاح ولا الشهرة ولا فرحة البيت الجديد، أصبحت مطلقة حديثاً، ألحّ علىّ النبيل «مجدى مهنا» رحمه الله، أن أذهب للكتابة فى جريدة الأستاذ الكبير «عادل حمودة»، وأنا من عشاق لغته ومدرسته الصحفية، حتى فتح لى بوابة الخروج من التخبّط والألم وقصة الحب الفاشلة والزواج الذى تحطم على صخرة الغيرة.. كان لى نحو عشر سنوات فى الصحافة، لكن «حمودة» كان بدايتى الحقيقية: تعلمت على يده فن إدارة الموهبة، وعشق «المواطن البسيط» والدفاع عنه.. تعلمت كيف أتسلح بالمعلومات لأكون «محاربة فى بلاط صاحبة الجلالة».. لكنى كنت متمردة على موهبتى، وربما على النجاح، وكان أستاذ عادل يقسو علىّ أحياناً ويدللنى فى أحيان أخرى حتى لا أخسر مهنتى، ولا ما حققته (تلاميذ حمودة كثر يملأون الساحة الإعلامية).. حتى هذه التجربة العميقة الحافلة بالعطاء والعمل والتعلم أنهت فصولها فى 2011.. لكنها تجربة قابلة للكتابة مائة مرة، لأننى «أحبها».
الترحم على أيام زمان ليس حالة «نوستالجيا» فحسب، بل هو عودة للبحث عن «قيمة الأشياء» ومعنى الحياة.. عن أهداف تبدأ بالإنسان وتنتهى بالوطن.. فالمجتمع هو حصيلة الأفراد الذين فرمتهم آلة الزمن ودفعتهم جميعاً على قضبان المادة، ليتهاوى مفهوم «القيمة» من بين أيديهم. النوستالجيا، أو الحنين إلى الماضى، أو الحنين إلى الوطن بالإنجليزية: Nostalgia، من اليونانية القديمة، وتعنى «ألم العودة إلى الوطن»، وهى حالة الشعور بالحنين والشوق إلى جوانب من الماضى الشخصى للفرد، وغالباً ما تكون مرتبطة بفترة زمنية أو مكان معيّن يحملان ذكريات وأحداثاً إيجابية. يُنظر إلى النوستالجيا اليوم على أنها شعور طبيعى ومفيد، رغم أنها كانت تُصنّف فى الماضى، باعتبارها مرضاً نفسياً.. لكننى أظنها علاجاً ناجحاً لأوجاع الحاضر، ولهذا ربما أعود إليه ثانية.. وربما يكون بداية الغد مشهدنا: وهو يمسك بيده المرجيحة ويهدهدنى.. ليكون لى وطناً.