الراديو المصري.. قوة ناعمة عمرها 91 عاما
منذ واحد وتسعين عاما نطق الفنان الممثل أحمد سالم بعبارة «هنا القاهرة»، وكانت تلك البداية لانطلاق راديو مصر أو الإذاعة المصرية في 31 مايو عام 1934 . عبارة من كلتين صار لهما فعل السحر في التأثير على المستمع العربي من المحيط إلى الخليج . وعلى مدى الأعوام التي قاربت القرن من الزمان كان للراديو المصري صولات وجولات إعلامية , ساهم خلالها في توحيد الأمة ورفع راية العروبة والقومية العربية وساند حركات التحرر العربية . كان الراديو المصري خاصة ما قبل إنشاء التلفزيون قوة ناعمة مؤثرة للغاية، رسخت الثقافة والفن وأخبار المجتمع المصري لدى كل من يتكلم العربية.
انطلق صوت القاهرة عبر الأثير ليعلن ميلاد الإذاعة المصرية، حاملة معها نداءً ثقافيًا، سياسيًا، وفنيًا امتد من قلب النيل إلى ضفاف الخليج، ومن شواطئ المتوسط إلى محيط العروبة الهادر. لم يكن هذا الحدث مجرد تطور تقني، بل كان ولادةً لكيان إعلامي بات حجر الزاوية في تشكيل الوعي الجمعي العربي، ومنصة سيكولوجية هائلة لصناعة القوة الناعمة المصرية.
حين انطلق البث الإذاعي المصري، كانت القاهرة تكتب شهادة ميلاد جديدة لوسيلة إعلامية ولدت في أحضان الدولة، لكنها سرعان ما تخطت حدود الجغرافيا. لم تكن الإذاعة مجرد آلة لبث الأخبار، بل كانت أداة لزرع الانتماء، ووسيلة لبعث الشعور بالهوية، ومنبرًا لطرح رؤية مصر الثقافية والسياسية في العالم.
منذ لحظتها الأولى، أدرك صناع القرار أهمية الكلمة المسموعة، فالكلمة إن سكنت الأذن، سكنت العقل، وإن لامست الوجدان، صنعت الولاء. ولذا، صيغ خطاب الإذاعة المصرية بصوت رخيم يحمل الحكمة، ويتسلل إلى النفوس بلطف، لكنه يغرس في الأعماق فكرة. وهكذا تحولت الإذاعة إلى سلطة ناعمة تمارس تأثيرها بعيدًا عن فوهات البنادق، تُشكّل ولا تُفرض، تُقنع ولا تُكره.
في زمن المد القومي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لعبت الإذاعة المصرية دورًا محوريًا في تشكيل الضمير العربي.
لم يكن صوت العرب مجرد إذاعة أو فقرة إذاعية، بل كان بمثابة جبهة إعلامية مفتوحة، تنقل نبض القاهرة إلى بغداد، وتحمل حماسة الثورة من الجزائر إلى عدن. لقد ساهمت الإذاعة في ترسيخ فكرة "الوطن العربي الواحد"، ورسخت شعورًا بأن ما يحدث في مصر هو شأن كل عربي، وما يدور في فلسطين، أو سوريا، أو اليمن، هو قضية قومية مصرية.
القوة الناعمة، في جوهرها، لا تقوم على الإكراه، بل على الإلهام. والإذاعة المصرية أدركت منذ نشأتها هذه الفلسفة العميقة؛ فاستخدمت الكلمة والنغمة واللحن لتعبر الحواجز النفسية. كانت تبث القرآن في الصباح، والأغنية الوطنية في الظهيرة، والخطاب السياسي في المساء، وتمزج بين الفن والإعلام والثقافة لتصنع رسالة متكاملة. إن المستمع العربي لم يكن يتلقى محتوى فحسب، بل كان ينخرط في طقس وجداني يومي مع مصر، بصفتها القائدة الروحية والثقافية للأمة.
لم يكن تأثير الإذاعة المصرية عقلانيًا بحتًا، بل كان وجدانيًا في الأساس. فالسيكولوجيا تخبرنا أن الصوت أكثر التصاقًا باللاوعي من الصورة، وأن الإيقاع والكلمة المتواترة يشكلان نسقًا نفسيًا عميق التأثير. ولهذا نجحت الإذاعة في صناعة الحنين، واستدعاء المشاعر، وربط المستمع بأرض لم يزرها، لكنه شعر بانتمائه إليها من خلال الأثير.
استضافت الإذاعة أعلام الفكر والأدب والغناء العربي، ولم تكن تنقل الأخبار فقط، بل كانت تصنع الثقافة، وتختار ضيوفها بدقة لتساهم في تشكيل وجدان المستمع. كان الراديو مدرسة متنقلة، يتعلم منها الفلاح في قريته، والمثقف في مدينته، وكان الجميع يجدون فيها ما يوسّع مداركهم ويربّي ذائقتهم.
نجحت الإذاعة المصرية، خلال عقودها الأولى، في أن تصبح صوت العرب جميعًا. لم تكن مجرد إذاعة قطرية ، بل قومية الهوى، عالمية الطموح. وكانت برامجها باللغات الأجنبية أيضًا نافذة مصر على العالم، مما جعلها أداه فعالة في الدبلوماسية الثقافية والتأثير الدولي، فأصبحت الإذاعة سفيرة مصر بلا تأشيرة. وجاءت بعد ذلك إذاعة القرآن الكريم بقرار من الرئيس عبد الناصر لتجمع المسلمين حول جهاز الراديو الذي يبث من مصر .
رغم التقدم التكنولوجي الهائل وظهور منصات البث الرقمي ووسائل التواصل الحديثة، لا تزال الإذاعة المصرية تحمل عبق التاريخ ووهج الرسالة. ورغم ما شابها من ضعف في بعض المراحل، فإن إرثها ما زال حيًا في الوجدان العربي. والرهان الآن هو على تحديث المحتوى، وتطوير الخطاب، واستثمار التراث الغني لتعود الإذاعة المصرية كما كانت: صوتًا صادقًا من قلب الأمة.
القوة الناعمة لا تموت، لأنها ليست سلعة تستهلك، بل فكرة تتجدد. والإذاعة، بمرور الزمن، أثبتت أنها أحد أذرع هذه القوة الناعمة. صنعت ذاكرة سمعية للعرب، وحملت أحلامهم وآمالهم، وعبّرت عن لسانهم في لحظات النصر والانكسار. واليوم، في ذكرى ميلادها الواحد والتسعين، لا نملك إلا أن نعيد الاعتبار لهذه المنارة التي أضاءت عقولنا، ونعمل على تجديد رسالتها لتبقى في صدارة المشهد العربي.
الراديو المصري ليس جهازًا فوق رفٍّ، ولا ترددًا في الأثير، بل روح تتكلم، وتاريخ يُبث، وصوت لمصر... لا يُنسى.