حصان طروادة الأوكراني
في تطورٍ لافتٍ لمسار الحرب الروسية الأوكرانية، شهد الأسبوع الماضي تصعيدًا خطيرًا تمثل في هجوم روسي جديد أدى إلى مقتل 12 جنديًا أوكرانيًا، في حين أطلقت أوكرانيا سلسلة من الهجمات الجوية بطائرات مسيّرة استهدفت العمق الروسي على مسافة تصل إلى أربعة آلاف كيلومتر من الحدود.
تسللت هذه الأعداد الكبيرة من الطائرات المسيرة داخل شاحنات كبيرة تسربت إلى العمق الروسي على بعد يزيد على 4 آلاف كيلو متر من الحدود الأوكرانية وهو ما يعد صدمة للشعب والقيادة الروسية لأن الهجوم ادى إلى إلحاق أضرار كبيرة بطائرات حديثة وتمثل ثقل في القوات الجوية الروسية، بجانب تدمير اجزاء كبيرة من أربعة قواعد عسكرية متباعدة المسافات.
أسفرت الضربات غير المسبوقة عن تدمير طائرات عسكرية ومنشآت مطارات، وهو ما يطرح تساؤلات استراتيجية حول موازين القوة بين الطرفين، وإمكانية قلب مسار الحرب، بل واحتمالية نشوء "حصان طروادة" جديد يقلب الطاولة على الكرملين.
لم تكن الهجمات الأوكرانية الأخيرة مجرد عمليات رمزية أو استعراضية، بل حملت في طياتها بعدًا عسكريًا واستراتيجيًا جديدًا، تمثل في قدرتها على ضرب أهداف داخل العمق الروسي، في مناطق كانت حتى وقت قريب تُعتبر آمنة ومحصنة.
استخدام المسيّرات الأوكرانية لضرب مطارات عسكرية وتدمير طائرات في العمق الروسي يعكس تطورًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا لافتًا لدى أوكرانيا، خاصة أنها باتت تعتمد أكثر فأكثر على الذكاء الاصطناعي والبيانات الدقيقة في توجيه ضرباتها.
قد يرى البعض في هذه الضربات نموذجًا عصريًا لـ"حصان طروادة"، ليس من حيث الاختباء داخل مدينة العدو، بل من حيث تجاوز الحواجز الأمنية والسيادية والضرب في العمق الاستراتيجي للدولة المعتدية.
وإذا كان "حصان طروادة" القديم أسقط مدينة طروادة العظيمة بخدعة عبقرية، فإن المسيّرات الأوكرانية قد تمثل الخدعة الجديدة التي تتسلل عبر التكنولوجيا، والتخطيط، والدعم الغربي الاستخباراتي، لتضرب روسيا في عقر دارها.
ورغم أن هذه الضربات تُظهر هشاشة بعض المناطق الروسية أمام الهجمات غير التقليدية، إلا أن الحديث عن انقلاب موازين الحرب لا يزال سابقًا لأوانه.
فما زالت روسيا تملك اليد العليا في عدد من الجبهات، وتستفيد من تفوقها في الأسلحة الثقيلة، وعمقها الجغرافي الهائل، وقدرتها على تحشيد الموارد والجنود.
كما أن بوتين لا يبدو في حالة تراجع، بل قد يفسّر هذه الضربات الأوكرانية كذريعة لرفع مستوى الرد والذهاب إلى تصعيد أكبر، سواء عبر قصف البنى التحتية الأوكرانية أو باستخدام وسائل أكثر عنفًا.
القيادة الروسية، التي ما زالت تعتبر الحرب "عملية عسكرية خاصة"، قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة توصيف النزاع والدخول في مرحلة جديدة من التصعيد.
الرد الروسي قد يتنوع ما بين الضربات الانتقامية المحدودة وبين توسيع رقعة الحرب نحو أهداف جديدة داخل أوكرانيا، وربما حتى نحو بعض المصالح الغربية إذا ما توفرت الذريعة.
ومع ذلك، فإن كل تصعيد يحمل في طياته خطر الانزلاق إلى صراع أوسع لا تريده موسكو ولا الناتو، مما يُبقي "الرد" الروسي تحت سقف محسوب، لكن خطير.
تُدرك أوكرانيا أن الحرب الحديثة ليست فقط حرب دبابات وصواريخ، بل أيضًا حرب صورة وإعلام وشعور عام. والضربات التي طالت العمق الروسي لها بعد نفسي كبير، إذ تُظهر للمواطن الروسي أن بلاده ليست بمنأى عن الحرب، وقد تُضعف من شعبية الكرملين وتزيد من الضغط الداخلي.
كما أنها تبعث برسائل إلى الغرب بأن أوكرانيا قادرة، بل ومصممة على الرد، مما قد يبرر استمرار الدعم الغربي لها بالسلاح والمعلومات.
من المؤكد أن هذه الهجمات ما كانت لتتحقق لولا الدعم الغربي الهائل لأوكرانيا، سواء عبر التدريب، أو تكنولوجيا المسيّرات، أو الأقمار الصناعية.
ومع اشتداد الحرب وتوسعها، يبقى الموقف الغربي عنصرًا حاسمًا: هل سيواصل الغرب دعمه أم سيبدأ في الضغط على كييف للجلوس إلى طاولة المفاوضات؟ الغرب بدوره يخشى أن تؤدي هذه الهجمات إلى رد روسي شامل، يجر أوروبا إلى صراع أكبر مما تحتمله.
الضربات الأوكرانية وإن بدت نوعية، فإنها لا تعني أن روسيا باتت في موقع الدفاع بالكامل. موسكو ما زالت تحتفظ بقدرتها على المبادرة، وبمخزون استراتيجي ضخم، إضافة إلى تحالفات دولية تميل لصفها أو تلتزم الحياد (مثل الصين والهند وبعض دول الجنوب العالمي).
إلا أن روسيا بدأت تواجه حرب استنزاف طويلة، باهظة الكلفة اقتصاديًا وعسكريًا، ما يجعلها تدفع ثمناً سياسيًا متزايدًا مع مرور الوقت.
في ظل هذه المعطيات، تبقى سيناريوهات الحرب مفتوحة: فقد تستمر حرب الاستنزاف سنوات، أو قد نشهد تصعيدًا كبيرًا يجبر أحد الطرفين على التراجع.
وقد تفضي الضربات الأوكرانية إلى مفاوضات من موقع قوة، أو إلى تصعيد روسي يحسم المعركة بقوة النار.
الأرجح، أن الطرفين سيواصلان الضغط والضرب، في ظل غياب حل دبلوماسي واقعي حتى الآن.
الضربات الأوكرانية الأخيرة لا شك أنها تمثل تحوّلًا مهمًا في تكتيك الحرب، لكن من يملك زمام المبادرة؟ روسيا التي لا تزال تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي، أم أوكرانيا التي تُجيد اللعب الذكي والرد في العمق؟
ما بين الطموح الأوكراني للانتصار، والعناد الروسي في الحسم، تبقى الحرب مفتوحة على كل الاحتمالات.