تغيرت نظرة الدولة التقليدية للسياحة، ولم تعد مجرد قطاع خدمى يستقبل السياح، ويهيئ لهم زيارة الآثار، والاستمتاع بالشواطئ، ويتم التخطيط لها كصناعة متكاملة تتشابك مع قطاعات إنتاجية كثيرة، مما يعزز دورها فى التحول نحو الاقتصاد الإنتاجى.
وتتبنى الدولة الآن رؤية شاملة لتطوير قطاع السياحة، بدأت بتطوير البنية التحتية الداعمة لها، مثل المطارات، والطرق، وشبكات النقل والمواصلات، وصاحبها تنفيذ مشروعات قومية كبرى، مثل المتحف المصرى الكبير، ومتحف الحضارة وغيرها، وتطوير ورفع كفاءة المتاحف القائمة، والمواقع الأثرية، وابتكار مقاصد سياحية جديدة، كمسار العائلة المقدسة، ومشروع التجلى الأعظم فى جنوب سيناء.
كل هذه المشروعات (العملاقة) تتطلب استثمارات ضخمة، لزيادة عدد الغرف، وبناء المزيد من الفنادق والقرى السياحية، وهو ما يسهم فى انتعاش قطاع التشييد والبناء، الذى يرتبط بشكل مباشر بصناعات أخرى كثيرة، مثل صناعة الأسمنت، ومواد البناء المختلفة، والحديد والصلب، كما أن تجهيز الفنادق والقرى السياحية الجديدة والقائمة يحيى صناعات متنوعة، كصناعة الأثاث، والمنسوجات والمفروشات، والأجهزة الكهربائية، والصناعات الغذائية، ومستلزمات التشغيل والصيانة، وكل ذلك يمثل -فى حد ذاته- دفعة قوية للاقتصاد الإنتاجى.
كل ما يتم إنفاقه الآن لتطوير قطاع السياحة يستهدف تحويله من مجرد مصدر ريعى إلى قاطرة محفزة للتنمية الصناعية، مما يخلق تأثيراً مضاعفاً يتجاوز العائد المباشر من إنفاق السائحين إلى التحول نحو اقتصاد إنتاجى مستدام.
وبالنسبة لقناة السويس، فإن الدولة تجاوزت حدود التعامل معها من خلال تحصيل رسوم المرور منها، وبعد حفر القناة الثانية بدأ تطوير المنطقة الاقتصادية للقناة، لتحويلها إلى مركز صناعى ولوجيستى عالمى، قادر على المنافسة وجذب الاستثمارات النوعية.
المنطقة الاقتصادية التى تمتد على مساحة واسعة تتجاوز الـ«460 كيلومتراً مربعاً»، وتضم أربع مناطق صناعية متكاملة، وستة موانئ.
تفاصيل إضافية، بخلاف ما أنفقته الدولة لتوفير بيئة استثمارية جاذبة، من خلال بنية تحتية متطورة، تشمل شبكات طرق، وسكك حديدية، وأنفاقاً، ومحطات كهرباء ومياه.
وإلى جانب استهداف جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، هناك الهدف «الاستراتيجى» الذى لا يقل أهمية، وهو «توطين الصناعات» لتعظيم القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصرى.
وتسعى مصر لأن تكون المنطقة لقناة السويس مركزاً للتصنيع، والتصدير إلى الأسواق العالمية، مستفيدة فى ذلك من كونها طرفاً فى العديد من اتفاقيات التجارة الحرة، وانضمامها لتكتلات اقتصادية إقليمية وعالمية.
والمنطقة مؤهلة تماماً لجذب قطاعات صناعية واعدة، تتصدرها الصناعات الخضراء والطاقة المتجددة والوقود الأخضر، اتساقاً مع التوجهات العالمية الداعمة للاستثمار فيها، وصناعة السيارات ومكوناتها، والصناعات الدوائية والغذائية، وصناعات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والبتروكيماويات، وغيرها من الصناعات التى تربط مصر بسلاسل الإمداد العالمية، وتساهم بفاعلية فى بناء اقتصاد إنتاجى متنوع وقادر على المنافسة عالمياً.
طريق الإصلاح الاقتصادى الذى انتهجته مصر فى السنوات الأخيرة صاحبته قرارات جريئة، ومؤلمة أيضاً، والتحول الهيكلى الذى يشهده الاقتصاد المصرى ليس مجرد تغيير فى السياسات الاقتصادية، بل إعادة تعريف لدور مصر فى الاقتصاد العالمى، من خلال رؤية جديدة لمستقبلها. الانتقال من الاعتماد على الموارد الريعية التقليدية إلى بناء قاعدة صناعية وإنتاجية قوية ومتنوعة.
وهذا المسار ليس سهلاً على الإطلاق، وإنما يواجه تحديات كبيرة، فالإرادة السياسية متوافرة، ويبقى الدور على الحكومات (الحالية والمقبلة) للقفز على المعوقات البيروقراطية، والتشريعية، وتقديم الحوافز الجاذبة للمستثمرين، وعدم الخضوع لمحترفى الممارسات الاحتكارية، ولن نخترع العجلة، فالتجارب الناجحة لدول عديدة فى أنحاء العالم ماثلة أمامنا، ويبقى صبر الشعب المصرى، وثقته فى القيادة، هما الضامنين لعبور المرحلة الصعبة، لمستقبل أفضل يليق ببلادهم، ولا مكان فيه لمحبِط (بكسر الباء) أو متشائم.