ثروت الخرباوي يكتب: الظلام الذي ابتلع النور
الجماعة أسقطت قناع الرجل الطيب عندما صعدت فرقة 95 فوق أسطح التحرير لتُطلق النار على صدور الشباب.. هتف أنصارها «عيش حرية» نهاراً وأقسموا بالبيعة للمرشد أن الإخوان لن يحكموا مصر فقط بل سيحكمون المنطقة كلها
ليست الحكاية مجرد تنظيم دينى نشأ قبل نحو قرن من الزمان، بل هى خيط طويل من الدم والنار، امتد من لحظة التأسيس على يد حسن البنا، إلى حواضن التطرف فى المنطقة كلها، فمنذ ولادتها الأولى، لم تكن جماعة الإخوان الإرهابية سوى مشروع مزدوج الوجه، إذ كان نهجها الثابت على مدار سنوات هو الدعوى فى العلن، والسرى فى الخفاء، يرتدى عناصرها عباءة الوعظ، وتخفى تحتها سهام العنف والدم، منذ اغتيال النقراشى باشا إلى مؤامرات المنشية، ومن تدمير المجتمعات العربية من الداخل إلى صناعة أذرع عسكرية تكفيرية، ليرتبط اسم الجماعة بكل فصل دموى من تاريخ المنطقة.
منذ أن وطئت أقدام جماعة الإخوان قصر الاتحادية فى عام 2012، دخلت مصر فى نفق مسدود من الفاشية الدينية، إذ سعت الجماعة إلى اختطاف مصر لمصلحة مشروع أيديولوجى لا يعترف بمفهوم الوطن والمواطنة، ولا يفقه شيئاً عن الهوية، ليصطدم الإخوان بالشعب بعد أقل من عام على حكمهم، ليس من باب الخلاف السياسى، بل من باب الهوية ذاتها. فقد أرادوا إبدال دولة القانون بدولة الجماعة، وفرضوا دستوراً مشوَّهاً، وأقصوا الجميع، وحاصروا مؤسسات الدولة من القضاء إلى الإعلام، حتى شعر المواطن أن الوطن يُسحب من تحته لحساب تنظيم لا يقبل التعايش، بل يسعى إلى السيطرة الشاملة أو الفوضى الكاملة.
فكانت ثورة 30 يونيو. إذ انتفضت جموع المصريين فى كل ميادين مصر دفاعاً عن الدولة، لا فقط ضد الإخوان، بل ضد مشروعٍ أراد أن يعيد صياغة مصر على مقاس جماعته، ولو تطلَّب الأمر إشعال حرب أهلية. فالجماعة الإرهابية لم تكن عثرة فى طريق التاريخ، بل كانت تحدياً متكرراً أمام مشروع الدولة الوطنية ذاتها.
الجماعة أسقطت قناع الرجل الطيب عندما صعدت فرقة 95 فوق أسطح التحرير لتُطلق النار على صدور الشباب
فى حياة الجماعات السرية، ثمّة لحظة فاصلة لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بالشعور بالخطر، تلك اللحظة التى يضطرب فيها ميزان القوى، فيضطرب معها اليقين. لا تصنع الجماعة التاريخ، بل تصنع كميناً داخله، وتنتظر أن يمر الزمن من هناك، فتنقض عليه وتستولى على أحداثه.
وحين يكون الانتظار هو العقيدة، تصبح كل لحظة هادئة ليست سوى مدخل لعاصفة. جماعة الإخوان لم تكن يوماً تُجيد إشعال النار بشكل مباشر، لكنها توسوس لمن يستطيع إشعال النار علناً، فقد تعلّمت عبر تاريخها كيف تُحسن الجلوس قُرب الرماد، حتى يظهر بريق النار خافتاً من تلقاء نفسه أو بفعل حركة الريح، وعندها تكون هى أول من ينفخ، وأول من يمدّ يده إلى ألسنة اللهب، ليأخذ منها قبساً، لا ليضىء به الطريق، بل ليحرق به الآخرين.
لم يكن الإخوان فى قلب ثورة يناير 2011 بل على هامشها يرقبون النار وهى تكبر
كانوا يرسلون التهانى إلى مبارك فى كل مناسبة وطنية أو دينية، ويشاركون بوفودهم فى حفلات القصر الجمهورى، خاصة فى السنوات الأولى لحكم مبارك، حتى إنهم بايعوه وهم فى برلمان 1987 حاكماً أبدياً لمصر، بل إن قيادات منهم -مثل مأمون الهضيبى، ثم مهدى عاكف، وعصام العريان- لم يتردّدوا فى الإشادة بالرئيس مبارك علناً، كلما دعت الحاجة إلى كسب ودّ أو تأمين موقع. حتى إن أحد قيادات الإخوان، وهو المستشار على جريشة، زعم أن مبارك كان فى شبابه من الإخوان، وقد تم نشر هذا التصريح فى موقع «إخوان أون لاين» عام 2007.
لم يكن هذا التودّد عن جهل، أو من أجل توقى الضربات الأمنية المحدودة، بل عن إيمان بأن هذا هو طريق البقاء فى الظل، وكانوا يُبرّرون هذا النفاق لقواعدهم من الناحية الشرعية بأن هذا النفاق هو «القول اللين» الذى أمر الله به موسى أن يبديه لفرعون بقوله تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، وهكذا تحول «القول اللين» عندهم إلى نفاق صريح، ولم يكن هذا النفاق دعوة، ولكنه كان وسيلة من وسائل الانقضاض على الحكم، أو طريقة انتظار إلى أن تتساقط أوراق الشجرة العتيقة من تلقاء نفسها.
لم يُعارضوا مبارك لأنهم يرفضون الاستبداد، بل لأنهم أرادوا استبدال استبداده باستبدادهم المغلف بالدين، لم يكونوا خصوماً للسلطة، بل منافسين لها على العرش، ينتظرون اللحظة التى يزيح فيها القدر رأس الملك، فيدخلون هم من الباب الخلفى.
لم يكن هذا ذكاء أو دهاء، ولكنه خبث ولؤم، نعم كانت حساباتهم دقيقة: لا نُشعل الحدث، لكن نكون أول من يصل إليه. لا نُشعل التظاهر، لكن نُنظّم الصفوف حين يبدأ. لا نهتف بالسقوط، بل نراقب مَن سيسقط أولاً. ولا يظنّن أحد أن هذه كانت هى خطة الإخوان، ولكنها كانت الخطة التى وضعتها لهم أجهزة استخبارات غربية ومؤسّسات متخصّصة فى إدارة وتوجيه العقلية الجمعية للجماهير ساعدتهم فيها قنوات فضائية صنعت أحداثاً وهمية، وزيّفت الواقع وتلاعبت بعقول الجماهير.
وحين اندلعت شرارة أحداث يناير، كانت الجماعة جاهزة، ليس بالخُطب والشعارات، بل بالكوادر والخطط. لم تكن الجماعة جزءاً من المشهد الأول، لم تصنع الهتاف الأول، ولا دفعت الجهد الأول. لكنها -كعادتها- جاءت حينما بدأت الموجة ترتفع، فأرسلت صفوفها، وأحكمت تنظيمها، ودفعت بمن يتحدّث بلغة الثورة، لكنه يحمل نوايا التمكين.
فى الأيام الأولى للميدان، كانوا يتردّدون. لم يكن القرار قد نضج بعد فى مكتب الإرشاد. أو قُل: كانت التعليمات الخارجية تطلب منهم التحرّك ببطء، حتى إن كثيراً من القيادات الوسيطة للجماعة كانت تخاطب المرشد وصانعى القرار الإخوانى، وتسأل: هل نُشارك؟ وإن شاركنا، هل نُظهر وجهنا الحقيقى، أم نرتدى قناع الشارع؟ وكان القرار كما كان دوماً: ندخل، ولكن بالتقسيط. نُعلن الحضور، لكن على استحياء. نُحاور النظام، ونُهاتف عمر سليمان، ونُرسل الوسطاء، ونُقنع بعض شبابنا بالبقاء.
هكذا تلقفوا الحدث دون أن يصنعوه. أرادوا أن يركبوا الموجة دون أن تبتلّ أقدامهم. وكانوا أبرع من فعلها. دخلوا من باب الشهداء وهم لا يحملون جُثثاً، بل كانوا هم صانعى الجثث، وخرجوا من الميدان ببطاقات الترشّح، وعضوية البرلمان وكأنّ الثورة كانت منحة إلهية لهم وحدهم لا صرخة إنسان.
وهكذا، كانت تلك اللحظة التى انتظروها، قد جاءت. لا لأنهم دعوا إليها، بل لأنهم كانوا أول من جهّز نفسه ليقطف ثمارها دون أن يزرع شجرتها.
لكن التاريخ، كما الماء، لا يحتفظ بالشكل الذى يريده المارقون. فالموجة حين ترتفع، تبتلع من ظنّ أنه سيقفز منها إلى الضفة الأخرى دون أن تبتلّ ثيابه.
وهكذا لم يكن الإخوان فى قلب يناير، بل على هامشها يرقبون النار وهى تكبر. لم يُشعلوا اللهيب، لكنهم جلسوا قُرب الرماد، ينفخون فيه بخُبث حتى استعر، ثم اندفعوا إلى المشهد كأنهم أصحابه.
تظاهروا بالدفاع عن الثورة، وهم يذبحونها من الخلف، ويقسمون قواها كما تُقسَّم الغنائم، يُفتتون الحلم إلى فصائل، والميادين إلى ساحات نفوذ. زرعوا الشك بين الثوار، وصادروا الهتاف باسم «الشرعية». وعندما علت أصوات العقل، كمّموها بـ«فقه المرحلة».
فكان أن خرج إلى الرأى العام سليم العوا يتكلم عن تعديلات واجبة للدستور، ثم استغلوا التعديل ليثيروا نعرة دينية ردّدوها وزعموا فيها أن هناك من يريد محاربة الشريعة، فقولوا نعم للشريعة، وليهاجر من مصر من يريد! أطلق عليها شيخهم محمد حسين يعقوب «غزوة الصناديق»، فخدعوا الجماهير بالدين، وما أسوأ أن يتم خداع الناس باسم الدين!
المهم فى هذا أنهم لم يصنعوا النور، بل تربّصوا له، حتى إذا شعّ، أحاطوه من كل الجهات، وأطفأوه فى غفلة من الزمن. لم تكن نيرانهم دفئاً، بل حريقاً أكل المجمع العلمى، وأقسام الشرطة، وذاكرة الوطن.
وعندما صعدت فرقة 95 من فوق أسطح التحرير لتُطلق النار على صدور الشباب، كانت الجماعة قد أسقطت أخيراً القناع. قناع الرجل الطيب، من كانوا يتحدّثون عن «الحرية» بالأمس، صاروا يتحدّثون عن «التمكين»، ومن هتفوا «عيش، حرية» فى النهار، كانوا ليلاً يُقسمون البيعة للمرشد. ويحلفون أن الإخوان لن يحكموا مصر فقط، بل سيحكمون المنطقة كلها.
لقد حلمت مصر بنور جديد..
لكن الظلام ابتلعه قبل أن يولد.
وكانت تلك اللحظة التى تغيَّر فيها كل شىء..
فهل كانت لحظة التمكين هى لحظة السقوط أيضاً؟ هذا ما سنراه فى المقال القادم.