هل تسعى مصر لربط النووي الإيراني بملف الانتشار النووي إقليميا؟
زار مصر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والتقى الرئيس المصري ووزير الخارجية، كما استضافت مصر لقاءً بين عراقجي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تُرى، ما الجديد الذي سيشهده ملف العلاقات بين مصر وإيران؟ وما الورقة التي تنوي مصر تحريكها في إطار سياستها الإقليمية؟
أثيرت العديد من الأسئلة حول هذه الزيارة: هل هي خطوة بائسة من إيران للبحث عن شريك جديد، أم محاولة مصر للتحرك نحو تحالفات جديدة لم تعتدها من قبل؟ لكن في السطور التالية سندرك أن الزيارة مختلفة وتحمل خطوات جديدة ليس في مسار العلاقة بين البلدين فحسب، بل وعلى مستوى التعاون الإقليمي.
والحقيقة أن الخطوات المصرية في عهد الرئيس السيسي تتسم بالانتقائية، إذ تختار الملفات التي تشتبك معها وتنخرط بها لتقدم ما لديها، وملفات أخرى تتركها دون تحريك ساكن، بل تتركها لديناميكيات الإقليم وتكتفي أحياناً بحالة اللافعل. إنها اختيارات السياسة الخارجية المصرية: متى تشتبك وتنخرط، ومتى تكتفي بالمتابعة والمراقبة، لكن العبرة بالمخرجات.
شهدت منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات تغيرات عديدة على مستوى التحالفات، وعملت مصر على التموضع والتحرك في ملفات أمنها القومي ومصالحها بما يتلاءم مع تلك المتغيرات، ومن ذلك التصالح بين مصر وتركيا ودفع العلاقات على أساس التعاون والمصالح المشتركة.
وحينما سعت إيران إلى انتهاج دبلوماسية الجوار منذ الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، واتجهت نحو تحسين علاقاتها بجيرانها من الدول العربية والخليجية، وتجاوبت الدول الخليجية مع دعوات إيران لحسن الجوار، كذلك استجابت مصر بحذر لدعوات إيران لتحسين العلاقات، لكنها ظلت مكانها ولم تتحرك أكثر نحو خطوات ملموسة.
ولكن ذلك انعكس في تحركات مثل تواصل وزير الخارجية المصري مع وزيري الخارجية الإيراني والإسرائيلي خلال الضربات العسكرية المتبادلة بينهما العام الماضي.
كذلك حرصت إيران على إبقاء مصر على اطلاع دائم بنتائج المحادثات بينها وبين واشنطن، والتي تم منها خمس جولات حتى الآن.
والسؤال الذي طرحه كثيرون: لماذا الآن التواصل بين إيران ومصر؟ وهو تواصل ليس جديداً، فقد أشرتُ أعلاه إلى بعض التواصل، لكن مصر كانت حذرة وتتمهل في أي خطوات أقرب تجاه إيران.
لكن ذلك لم يمنع وجود محددات أساسية في موقف مصر تجاه إيران على مدار العقود الماضية، وهي أن مصر ضد أي تعامل عسكري موجَّه إلى إيران قد يجلب مزيداً من التصعيد الإقليمي للمنطقة.
أيضاً، لم ولن تكن مصر دولة تتبع سياسة طائفية، وهذا على مدار العقود الماضية وحتى الآن.
ومن ثم، فإنه في إطار التغيرات الإقليمية الحالية، والتي تتجه نحو شرق أوسط جديد ترسم إسرائيل ملامحه متعللة بعملية "طوفان الأقصى" لتغيير معدلات القوى وتوازن القوى الإقليمي لصالحها، كان على مصر أن تعمل على عرقلة قطار "الشرق الأوسط الإسرائيلي"، الذي يرغب في تصفية القضية الفلسطينية، كما تريد تشكيل "سوريا الجديدة" دون قوة عسكرية حقيقية تمثل تهديداً لها، وقد فعلت ما فعلته بلبنان وحزب الله.
ومن ثم، فإن ما يُعرف بـ"دول الطوق" أو "المواجهة" مع إسرائيل لم يتبقَ منها صامداً سوى مصر، الدولة الوحيدة المتماسكة شعباً وجيشاً ومؤسسات في وجه المخططات الإسرائيلية الطموحة، فرفضت مصر التهجير، ولازالت تبذل قصارى جهدها لإنهاء معاناة غزة.
والسؤال هو: ماذا تريد مصر من إيران؟ وماذا تريد إيران من مصر؟
مصر حتى الآن تتحرك مع إيران بخطوات متأنية ومتأخرة عن كثير من دول المنطقة التي بالفعل تحسنت علاقاتها بإيران منذ سنوات.
فقد تحدث العام الماضي المرشد الإيراني والرئيس السابق إبراهيم رئيسي عن الاستعداد لتحسين العلاقات مع مصر وقرب افتتاح السفارتين، ومع ذلك كانت مصر متأنية ولم ترد على أغلب التصريحات.
ولكن من جهة أخرى، تريد إيران ألا تكون منعزلة إقليمياً، لا سيما في مواجهة التهديدات العسكرية الإسرائيلية ضدها.
لذا، تحسنت علاقاتها بجيرانها من دول الخليج، لكنها تدرك أيضاً أهمية ودلالة تحسن علاقتها بمصر، القوة العربية التي ظلت علاقتها بها جامدة على مدار أكثر من أربعة عقود، ومع ذلك لم تحاول مصر أن تتخذ موقفاً عدائياً ضد إيران أو حزب الله، فدائماً ما رفضت مصر استخدام القوة العسكرية ضدهما.
ولا ننسى تصريح الرئيس السيسي خلال منتدى الشباب عام 2017 حينما قال: "إن أي مشكلة تتعلق بإيران وحزب الله يجب التعامل معها بحذر، فلا نريد إشكاليات جديدة في المنطقة".
منذ عقود، تنظر إيران إلى مصر كونها دولة وريثة حضارة ولها تاريخ وقدرات تجعل من الضروري التنسيق معها.
ورغم الجمود الذي شهدته العلاقات بين البلدين في الماضي، إلا أن التحركات الإيرانية كانت تتماس مع مصالح مصر ودوائر سياستها الخارجية في سوريا والعراق ولبنان والبحر الأحمر وفلسطين وأفريقيا.
إن العلاقات الدولية هي فن إدارة التناقضات، فلا قطيعة تامة تقضي على فرص التواصل والحوار وإيصال الرسائل وفهم المصالح المختلفة.
نجد نموذج العلاقات التركية–الإيرانية: فرغم العداء والتنافس التاريخي بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية، الذي ورثته كل من تركيا وإيران، إلا أن التنافس الإقليمي وتضارب المصالح الشديد في منطقة وسط آسيا لم يمنع التعاون والتنسيق بشأن بعض الملفات، حتى إن تركيا تمثل أحد منافذ تخفيف الأعباء الاقتصادية على إيران. إنه فن إدارة التناقضات في الساحة الإقليمية والدولية.
ومن ثم، هناك ملفات كثيرة تستدعي التواصل والحوار والتنسيق أحياناً بين إيران ومصر، ومنها أمن البحر الأحمر، وغزة، وأفريقيا، والجماعات الجهادية الإرهابية في المنطقة، وأخيراً الملف القديم–الحديث، وهو الملف النووي.
ومن ثم، فإن دلالة زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مصر ولقائه الرئيس السيسي كبيرة، واستضافة وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي لقاءً بين عراقجي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، توحي بأن مصر تعمل على إحياء ملف منع الانتشار النووي وأسلحة الدمار الشامل في المنطقة، وهو ملف تتشارك فيه رؤية مصر وإيران والدول العربية.
لذا، ربما تعمل الجهود الدبلوماسية الإيرانية حالياً على ربط أي محادثات في الملف النووي الإيراني والتوصل إلى اتفاق بمحادثات إقليمية لمعالجة ملف الانتشار النووي في المنطقة، بما يعني التعامل مع وضع إسرائيل النووي.
كما أبرزت مصر استعدادها للتوسط في المحادثات بين إيران وواشنطن، وهنا يُطرح تساؤل: هل يمكن أن تنضم مصر إلى "المجمع الإقليمي للتخصيب" الذي اقترحته إدارة دونالد ترامب على إيران؟ هذا، بالطبع، حال وافقت إيران أساساً على المقترح الأمريكي.
وهنا نجد أن التقارب بين مصر وإيران لن يكون على مستوى مجالات السياحة والطيران فقط، بل قد يمتد إلى مجالات الطاقة والانتشار النووي.
وقد صرّح وزير الخارجية المصري بأن مصر تدعم فكرة منطقة خالية من الانتشار النووي والدمار الشامل.
وفي هذا الإطار، من غير المستبعد أن تكون مصر قد قدمت جهوداً دبلوماسية للتوسط والتهدئة بين إيران والوكالة الدولية، لا سيما بعد تقرير الوكالة الأخير الذي يُدين إيران وامتلاكها يورانيوماً مخصباً يكفي لتصنيع عشر قنابل.
إن التقارب بين مصر وإيران، وإن اتخذ مساراً أقوى في الفترة المقبلة، فسيكون للتنسيق من أجل إيجاد حلول للملفات المضطربة، ولا سيما تلك التي تتمادى إسرائيل في إبقائها متصاعدة.
والجديد بينهما الآن هو التنسيق الإقليمي بشأن الحد من انتشار السلاح النووي، وهو ما قد يتطلب تضافر جهود عربية–إيرانية، فالمنطقة الآن تستوجب وجود مشروع عربي–إيراني–تركي في مواجهة المشروع الإسرائيلي.