سوريا ورحلة «المجهول».. فرصة لإنهاء العزلة أم «مأساة جديدة»؟

كتب: محمود العيسوي

سوريا ورحلة «المجهول».. فرصة لإنهاء العزلة أم «مأساة جديدة»؟

سوريا ورحلة «المجهول».. فرصة لإنهاء العزلة أم «مأساة جديدة»؟

فى خطوة فاجأت كثيراً من المراقبين وأثارت جدلاً واسعاً، أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، خلال جولته فى الشرق الأوسط الشهر الماضى، عن تعليق جميع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، وذلك بعد نحو 5 أشهر على سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، فى ديسمبر الماضى، وجاء إعلان رفع العقوبات عن الدولة العربية من العاصمة السعودية الرياض، حيث اعتبر ترامب أن القرار يمثل دعماً مباشراً للمرحلة الانتقالية «الصعبة» التى تمر بها سوريا، مؤكداً أن بلاده مستعدة لمدّ يد العون لإعادة بناء «الدولة المنهكة» من حرب دامت لأكثر من عقد.

التحول المفاجئ فى السياسة الأمريكية لم يقف عند حدّ العقوبات، ففى اليوم التالى، التقى ترامب علناً بالرئيس السورى المؤقت، أحمد الشرع، الذى أثار تعيينه جدلاً مضاعفاً، إذ إنه مقاتل سابق فى تنظيم «القاعدة»، وكان حتى وقت قريب مدرجاً على قوائم المطلوبين لدى واشنطن، مع مكافأة بلغت 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدى إلى اعتقاله، ولم يخفِ الرئيس الأمريكى إعجابه بـ«الشرع»، الذى وصفه بأنه «شاب جذاب وله ماضٍ قوى»، فى تصريحات أثارت الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة الرؤية الأمريكية لمستقبل سوريا.

كل هذه التطورات المتسارعة، وإن كانت تبدو بمثابة بداية جديدة لسوريا، إلا أنها فى الوقت ذاته تطرح تساؤلات عميقة: «هل نحن بصدد فرصة حقيقية لتعافى الدولة العربية المنهكة، أم أن المسار الحالى، الذى يبدو أنه يتجه نحو «المجهول»، قد يعيد إنتاج المأساة السورية بأشكال جديدة؟».

فى تقرير تحليلى نشرته مجلة «فورين أفيرز»، سلّطت الضوء على التغير المفاجئ فى السياسة الأمريكية تجاه سوريا، معتبرة أن ما قام به ترامب تجاوز آليات اتخاذ القرار التقليدية فى واشنطن، التى تتسم عادة بالبطء والتعقيد، ولفتت المجلة الأمريكية إلى أن مجرد رفع العقوبات لا يُعد حلاً سحرياً لأزمات سوريا المتراكمة، بل قد يؤدى، إذا لم يقترن بخطوات مدروسة، إلى تعميق الصراعات القائمة، بدلاً من إنهائها، فمنذ عام 1979، حين أدرجت الولايات المتحدة النظام السورى ضمن قائمة «الدول الراعية للإرهاب»، تراكمت على دمشق مجموعة معقدة من العقوبات الاقتصادية والسياسية، بلغت ذروتها بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، ولم تقتصر العقوبات على النظام، بل طالت حتى فصائل المعارضة المسلحة، التى أصبحت لاحقاً جزءاً من الحكومة الجديدة، وقد أدى هذا المشهد المركب إلى عزل سوريا عن النظام المالى الدولى، وتجميد كل محاولات إنعاش الاقتصاد المحلى، مما تسبب فى تفاقم الأزمات المرتبطة بالفقر والبطالة، بالإضافة إلى انهيار البنية التحتية.

ومع الإعلان عن رفع العقوبات، تبرز فرص اقتصادية محتملة أمام دمشق، لاسيما فى مجالات إعادة الإعمار، وفتح الأسواق أمام الاستثمار الخارجى، وتفعيل الشراكات الإقليمية، غير أن «فورين أفيرز» حذّرت من أن هذه الفرص «محفوفة بالتحديات»، فى ظل تزايد حدة الصراع الإقليمى المحتدم على النفوذ فى سوريا، بين قوى إقليمية ودولية، تسعى كل منها لتأمين مصالحها الاستراتيجية فى «بلد لا يزال هشاً سياسياً وأمنياً»، ورغم التفاؤل الحذر، الذى رافق قرار رفع العقوبات، فإن خبراء دوليين ومؤسسات تحليلية ترى أن المسار السورى لا يزال محفوفاً بالشكوك، وأن الخروج من دوامة الصراع يتطلب أكثر من قرارات سياسية منفردة، أو مبادرات اقتصادية سطحية.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن سوريا تحتاج إلى حزمة شاملة من الإصلاحات العميقة فى بنية الدولة، على رأسها الإصلاح الأمنى، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية، وبناء منظومة عدالة انتقالية، تضمن محاسبة المتورطين فى جرائم الحرب، وتحقيق المصالحة الوطنية، كما تشكل «الحوكمة الرشيدة» عاملاً أساسياً لضمان نجاح أى مرحلة انتقالية، وذلك عبر بناء مؤسسات شفافة، ومكافحة الفساد، وضمان استقلالية القضاء، غير أن الخطوات الحالية لا تزال محدودة وغير كافية لتلبية الاحتياجات الملحَّة للسوريين، خاصةً فيما يتعلق بالخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، وضمان الأمن الغذائى، وفتح آفاق التشغيل أمام ملايين العاطلين عن العمل، وفى ظل غياب رؤية وطنية موحدة، واستمرار الانقسامات الجغرافية والطائفية، فإن احتمالات الانزلاق مجدداً نحو الفوضى تبقى قائمة، ما لم يتم اعتماد استراتيجية متكاملة، يشارك فيها السوريون أنفسهم، وتدعمها أطراف إقليمية ودولية بنوايا حقيقية لإنهاء الأزمة.

اليوم، يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويعتمد 70% على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فلن تستعيد سوريا ناتجها المحلى الإجمالى ما قبل الحرب، حتى عام 2080، حيث تفاقمت الأوضاع المعيشية بعد انهيار نظام الأسد، الذى كان يستند إلى هيمنة «الطائفة العلوية»، فى وقت سيطرت فيه «هيئة تحرير الشام»، المرتبطة سابقاً بـ«القاعدة»، والتى يقودها «الشرع»، على العاصمة دمشق، ورغم تعهدات رئيس الإدارة الجديدة بحماية الأقليات، فإن مجتمعات علوية ودرزية وغيرها، لا تزال تشكك فى نواياه، كما أن التدخلات الخارجية زادت من زعزعة الاستقرار، خصوصاً من قِبل إسرائيل، التى شنت أكثر من 700 غارة داخل الأراضى السورية، واحتلت مناطق واسعة فى الجنوب.

وبعد أيام من إعلان رفع العقوبات، قال وزير الخارجية الأمريكى، ماركو روبيو، أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، إن الحكومة الانتقالية فى سوريا كانت «على بعد أسابيع، وليس أشهراً، من الانهيار الكامل، وتجدد الحرب الأهلية على نطاق واسع»، ومع ذلك، تعتبر «فورين أفيرز» أن قرار رفع العقوبات، رغم كونه خطوة صحيحة، ليس كافياً بمفرده لإنقاذ سوريا من الانهيار، مشيرةً إلى أن الاتحاد الأوروبى يدعم هذا التوجه، بإعلانه رفع معظم عقوباته، مما يمهد الطريق لاستثمارات أجنبية ضرورية، لكن يبقى على الولايات المتحدة وحلفائها التحرك بسرعة لإزالة ما تبقى من العقبات أمام الاستقرار الاقتصادى، قبل أن تعود البلاد إلى الفوضى مجدداً.


مواضيع متعلقة