محمود فوزي السيد يكتب: بهاء سلطان.. صوت استثنائي «تائه» إداريا

كاتب صحفي

هو صوت استثنائى نادراً ما يجود علينا الزمان بمثله.. وضع نفسه فى مرتبة متقدمة من المنافسة كأحد أهم الأصوات التى مرت على الغناء المصرى خلال الثلاثين عاماً الماضية، وكما أؤكد دائماً فهو يقف منفرداً فى جهة خاصة به، بينما يقف الجميع فى الجهة الأخرى، هذا هو بهاء سلطان الذى أعرفه.. نضع كل ذلك جانباً لأنها حقيقة كونية لا تقبل الشك أو التأويل.

خلاص اتفقنا على كل ما فات؟!.. تمام.

نقطة ومن أول السطر.. كيف لهذا الموهوب أن تطرح ألبوماته الجديدة بكل هذا الكم من التواضع فى الطرح والاستقبال ونسب النجاح والاستماع على المنصات المختلفة؟ هذا هو السؤال الأهم حالياً ومفترق الطرق فى رحلة واحد من أكثر الأصوات جمالاً وإحساساً فى مصر والوطن العربى، وجرس إنذار يحذر من أن بقاء الحال ربما يكون من المحال.

حالة من الصدمة انتابتنى أثناء الاطلاع على نسب مشاهدة أغنيات ألبومه الأخير «رسينى»، وهو مينى ألبوم تضمن 5 أغنيات، والذى صدر منذ ما يقارب الشهرين ولم تتخط نسب الاستماع لكل أغنياته مجتمعة حاجز الأربعة ملايين مشاهدة على موقع اليوتيوب، الذى يعد مرجعاً مهماً خلال الفترة الحالية فى تحديد نسب الاستماع إلى الأغنيات الجديدة، ومن ثم نسب نجاحه لدى الجمهور، وذلك على الرغم من أن المستوى الفنى للمينى ألبوم كان من الممكن أن يحمله لما أبعد من ذلك بقليل.

وذلك فى الوقت الذى تحقق فيه أعمال أخرى يطرحها بصوته ضمن أعمال درامية نجاحاً كبيراً ونسب استماع مرتفعة على المنصات المختلفة، وآخرها على سبيل المثال «صاحبى يا صاحبى» فى مسلسل «ولاد الشمس» وأغنية «أنا من غيرك» فى فيلم «الهوى سلطان»، وهى أغنيات «كسرت الدنيا» بمفاهيم سوق الغناء، أعلم أن الدراما تفتح آفاقاً أوسع من الإبداع فى عملية صناعة الأغنية من حيث الكلمات التى تعبر عادة عن مضمون الدراما، مما يسمح لصناعها بالإبداع بعيداً عن الأشكال التقليدية فى الكتابة للأغنية عن الحب والهجر والشوق، لأنها تناقش قضايا معينة تلزم الشاعر على السير خلف مضمون العمل بدون تقيد بالقوالب الثابتة.

وهو ما يعطى مساحات أكبر من النجاح، لكن فى نفس الوقت كان دائماً صوت بهاء سلطان هدفاً فى حد ذاته لخلق حالة من الاستمتاع الفنى لدى المستمع.. فمنتهى الغرابة الحقيقة أن يكون نفس الصوت لنفس المطرب قادراً على تحقيق نجاح جماهيرى ضخم فى أغنيات أعمال درامية وسينمائية، ولا يحقق نصفها فى أعمال وأغنيات ألبومات تحمل اسمه!

ما يحدث من معطيات يقودنا بكل تأكيد إلى نتائج لا تحمد عقباها على المستوى الفنى لموهبة بحجم بهاء سلطان، ويؤكد فى الوقت ذاته أن المطرب الموهوب يعانى من أزمة إدارة كبيرة هى السبب المباشر فى حالة التراجع التى تعيشها ألبوماته، ففى ظل موجات التغيير المتكررة التى تعيشها سوق الغناء المصرى خلال الفترة الحالية أصبحت الموهبة وحدها لا تكفى لاستمرار صاحبها، فن الإدارة التى تبدأ من لحظة اختيار أغنيات الألبوم مع وضع تصور كامل له قبل البدء فى تنفيذ مضمونه، مروراً بطريقة الطرح وتوقيته وسبل الوصول إلى المستمع ووسائل التسويق الحديثة، والقدرة على خلق مستمعين جدد مع كل ألبوم يدعم صفوف جمهور المطرب ويتسبب فى زيادتها، أصبحت حاجة ملحة فى حياة المطرب بنفس قدر موهبته.

ويبقى السؤال دائماً: هل تحتاج موهبة بهاء سلطان «الاستثنائية» لمن يديرها بما تستحق من اهتمام، أم يبقى الوضع على ما هو عليه بمبدأ «أهى ماشية»؟!.. بالتأكيد خسارة كبيرة للمستمع وجمهور الأغنية المصرية أن تعيش موهبة «فذة» بهذا الشكل كل هذا الكم من التخبط فى إدارة نفسها، فبهاء «السلطان» موهبة مصرية نادرة الحدوث لزاماً علينا رعايتها والحفاظ عليها بالتحذير من وقوعها فى فخ سوء الإدارة، الذى يمكن أن ينال منها على المدى البعيد.