لماذا تسيطر كرة القدم على وجدان الملايين؟!

مصطفى عمار

مصطفى عمار

كاتب صحفي

فيديو إعلان صفقة انتقال أحمد مصطفى سيد الشهير بـ «زيزو» تخطى 35 مليون مشاهدة و5 ملايين تفاعل على حسابات النادى الأهلى الرسمية فى أقل من 24 ساعة، فى سابقة لم يشهدها الوسط الرياضى المصرى. وما إن انتشر، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعى بحالة من الجنون الجماهيرى، سجالات حامية، اتهامات، انفعالات، ومشاعر مختلطة بين جمهورين لا يعرفان الحياد.. وكأن الكرة أعلنت قيامتها!

لماذا أحدث انتقال لاعب واحد كل هذه الضجة؟

وكيف أصبحت كرة القدم قادرة على اختطاف عقولنا، التحكم فى مزاجنا، وتحويل يوم عادى إلى معركة هوية وانتماء؟

لا تُقاس شعبية كرة القدم بعدد المشجعين أو العوائد الاقتصادية وحدها، بل بقدرتها المذهلة على اختراق الحدود السياسية والجغرافية، والدخول إلى عمق الثقافة الشعبية والوجدان الجمعى للشعوب، وكأنها لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة. فبحسب بيانات الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا»، يتابع اللعبة ما يقرب من 4 مليارات إنسان حول العالم، وهو ما يعادل نصف سكان الأرض تقريباً، بينما تصل الإيرادات السنوية لصناعة كرة القدم إلى 50 مليار دولار، أى ما يفوق الناتج المحلى للعديد من الدول. لكن هذا لا يكفى لتفسير الظاهرة، فالأرقام لا تكشف وحدها عن حقيقة السحر الكامن خلف تلك اللعبة البسيطة فى قواعدها، المعقدة والمسيطرة فى أثرها.

نحن نعيش فى عالم ملىء باللامساواة، تبقى كرة القدم واحدة من الرياضات القليلة التى تمنح «الوهم النبيل» بأن النجاح ممكن من العدم، وأن القادم من الحارة أو القرية الصغيرة يمكنه أن يصبح أسطورة. 85% من نجوم اللعبة بدأوا من الشوارع أو الملاعب الترابية، حسب دراسة أجرتها جامعة ليدز عام 2022. من بيليه الذى صنع كراته من علب الصفيح، إلى محمد صلاح الذى خرج من قرية «نجريج» ليصير نجماً فى ليفربول، إلى كيليان مبابى الذى انطلق من ضواحى باريس الفقيرة. هذا الحلم الجماعى بخلخلة السقف الاجتماعى وتحقيق المجد والثروة والشهرة والتقدير، يجعل من كرة القدم طقساً للتحرر الفردى والفرار من القهر والفقر الطبقى.

فى المجتمعات التى انهارت فيها الثقة بالمؤسسات والأحزاب، تصبح الفرق الكروية كيانات بديلة للهوية والانتماء!. فأنا على يقين بأن ٥٠٪ من مشجعى الأهلى والزمالك ولاؤهم لناديهم أقوى من انتمائهم لأى كيان سياسى أو حتى قضية وطنية كبرى. أكد استطلاع أجرته شركة «يوغوف» عام ٢٠٢٣ أن 42% من الشباب العربى تعد كرة القدم «ملاذاً» نفسياً لهم من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وما يوصف بـ«التعصب الكروى» ليس سوى تعبير عن غريزة الانتماء للقبيلة، كما فسّرها سيجموند فرويد فى تحليله للبُنى الجماعية.

الأمر لا يتوقف فقط عند الشعور الجمعى، بل يصل إلى حدود لا يمكن فيها تزوير الدراما!. لحظات خالدة مثل نهائى كأس العالم 2022 بين الأرجنتين وفرنسا، الذى تابعه مليار ونصف المليار مشاهد حول العالم، لا تصنعها السينما ولا الكتب ولا السياسة، بل صنعها ملعب «نجيلة» و22 لاعباً وقلوب ومشاعر نصف سكان الكوكب!. وهؤلاء اللاعبون باتوا يمتلكون مفاتيح تحريك اقتصاديات كاملة، مثل نيمار الذى رفع انتقاله إلى باريس سان جيرمان عام 2017 الناتج القومى البرازيلى بنسبة 0.2%، فهل فكرنا فى خروج إحصائية عن نفس الأمر بالنسبة لمحمد صلاح؟!.

ولأن كرة القدم تلامس الخيال، فقد صنعت وسائل الإعلام من نجومها «آلهة عصرية». كريستيانو رونالدو يمتلك أكثر من 600 مليون متابع على وسائل التواصل الاجتماعى، أكثر من سكان قارة!، وتقدّر عوائد منشورات ميسى على إنستغرام بنحو 1.2 مليون دولار لكل منشور. الإعلام الرياضى بدوره أصبح يركز بنسبة 70% منه على تغطية شئون كرة القدم، حسب تقرير «رويترز» عام 2023، مما يجعل البعض يصفها بأنها «الدين الجماهيرى الجديد» فى عصر الشاشة.!

الكرة لم تعد رياضة فقط، بل تحولت إلى وسيلة للهروب من الواقع المرير الذى يعيشه العالم. فى لبنان والعراق وليبيا واليمن والسودان، على سبيل المثال، ارتفعت نسب متابعة الدوريات المحلية خلال فترات الأزمات السياسية والاقتصادية بنسبة تصل إلى 30%، بحسب مؤسسة «نيلسن»، فى تفسير واضح لنظرية «التعويض النفسى» التى تلجأ إليها الشعوب المهزومة بحثاً عن انتصارات افتراضية تعيد لها توازنها.

السياسيون بدورهم فهموا هذا جيداً. فقد استخدمت دول وحكومات كرة القدم كوسيلة دعائية، مثلما فعلت البرازيل خلال كأس العالم 1970 لإعادة تقديم نفسها كدولة قوية، أو كما فعلت قطر باستثمار 220 مليار دولار فى تنظيم كأس العالم 2022، لتحول نفسها من دولة خليجية ناجحة إلى علامة عالمية لا تُخطئها عين. فى مصر أيضاً، ساهم الفوز ببطولة أفريقيا 2006 و2008 و2010 إلى حدوث حالة استقرار سياسى واجتماعى خلال هذه السنوات.

ليس هذا فقط ما تفعله كرة القدم ففى دراسة أجرتها جامعة ستانفورد أظهرت أن معدلات الجريمة تنخفض بنسبة 25% أثناء مباريات كأس العالم، وفى البرازيل تصل الإجازات غير الرسمية أثناء مباريات المنتخب إلى 90% من المؤسسات. الأمر ليس مجرد انشغال، بل الغرق فى طقس جماعى يؤجل الألم وينشّط الأمل.

من هنا، يمكن القول إن كرة القدم لم تعد رياضة، بل صارت مرآة تعكس الحالة الاجتماعية والسياسية والنفسية للعالم. إنها تمثل الاقتصاد بوصفها أكبر صناعة ترفيهية، والسياسة بصفتها أداة ناعمة للنفوذ، وعلم النفس كوسيلة لإشباع الحاجة إلى الانتماء، والتفريغ، وتحقيق الذات. كرة القدم هى اللغة الوحيدة التى يتحدثها الجميع دون الحاجة إلى مترجم. وهى أيضاً الحلم الوحيد الذى لا يُطالب صاحبه بشىء سوى الإيمان به.

ولهذا، حتى لو اختفت كل الرياضات، ستبقى كرة القدم… لأنها ببساطة لعبة الحياة نفسها!