عن الدور المصري

محمد صلاح

محمد صلاح

كاتب صحفي

فجأة ودون مقدمات، طالعتنا إحدى المجلات اللندنية بتحليل عما سمّته الشرق الأوسط الجديد، دعك من أنه لا يوجد شىء رسمى بهذا الاسم، كما لا يوجد إعلان واضح من أى جهة رسمية أو غير رسمية بذلك، ولا يهمنى كثيراً ما تُبشر به المجلة، فمن يزرع الوهم لن يحصد مؤكداً سوى الخذلان والفشل، إلا أن ما لفت انتباهى هو ما تحدّثت عنه هذه المجلة عن تراجع الدور المصرى فى المنطقة، وعن فشل الاقتصاد المصرى!
كان كوميدياً أن تصف هذه المجلة الدولة الوحيدة التى تتمتّع بالاستقرار والأمن وسط إقليم مشتعل ومهترئ بفقدان التأثير، الدولة الوحيدة التى رفعت من كفاءة بنيتها التحتية الشاملة، وتفتتح شهرياً وربما أسبوعياً مشروعاً جديداً فى الكثير من القطاعات التى يقوم عليها الاقتصاد المصرى، الذى يتمتع بالحيوية والتنوع، مما يجعل محاولات تقزيمه أو حصاره عبثاً حقيقياً.
يُعتبر الاقتصاد المصرى هو الأكثر تنوعاً فى الإقليم بالكامل، ولا يعتمد على مصدر بعينه للدخل القومى، على العكس، كلما تعرّض أحد مواردنا الاقتصادية لأزمة طارئة سارعت مصر بتوفير بدائل كثيرة تكفى لعبور هذه الأزمة، مما يجعل المراهنين على سقوط مصر جراء الأزمات الاقتصادية ينتظرون كثيراً، فمصر لديها مناعة قوية من المؤامرات الاقتصادية، وهذا الرأى ليس من باب الشعارات، بل نتائج علمية ومنطقية أثبتتها جملة الأزمات التى مررنا بها وخرجنا منها أقوى مما دخلناها!
والأكثر هزلاً فى هذا الطرح هو الحديث عن تراجع الدور المصرى فى الإقليم، يحدث هذا ومصر عبر رئيسها وقنوات اتصالها الدولية القوية والمؤثرة تقوم بدور الوساطة فى غالبية الأزمات الإقليمية والدولية الحالية، وتقترح الكثير من المبادرات الواقعية والقانونية للحل، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف، حيث تقود مصر الآن وساطة ما بين إيران ووكالة الطاقة النووية والولايات المتحدة من أجل نزع فتيل أزمة تقترب من الانفجار، لتجنيب كل دول المنطقة صراعاً قاسياً قد نعرف كيف يبدأ، ولكن لا يعرف أحد كيف سينتهى؟!
كما تقوم مصر بدور كبير فى دعم الجيش اللبنانى لتمكينه من أداء مهامه الدستورية، فضلاً عن تأهيله للقيام بدوره الدستورى فى الدفاع عن الأراضى اللبنانية ضد أى عدوان محتمل، كما لا يخفى على أحد ما تقوم به مصر من دور فى دعم وحدة وسيادة الصومال الشقيق، وتمكين جيشه من القدرة على الحفاظ على مقدرات وموارد الدولة الصومالية، إضافة إلى ما تقوم به مصر من جهود تجاه استعادة الأمن والاستقرار فى ليبيا الشقيقة، ودعمها فى استكمال بناء مؤسساتها الدستورية، فضلاً عن دعم الجيش الليبى فى مهمته الوطنية لطرد المقاتلين الأجانب، وفرض الحل الليبى - الليبى دون تدخّلات خارجية!
ويجب ألا ننسى ما تقوم به مصر تجاه السودان الشقيق، إضافة إلى الدور الذى قدّمته مصر فى إيواء شعوب المنطقة بالكامل أثناء الأزمات التى مروا بها، بداية من غزو العراق ومروراً بأحداث الربيع العربى وليس انتهاءً بما تبذله مصر من مجهودات لمنع تصفية القضية الفلسطينية، وتفريغها من مضامينها عبر تهجير الشعب الفلسطينى خارج أراضيه التاريخية، فضلاً عن رفضها المشاركة فى أى مغامرات إقليمية تستهدف مقدرات وأمن وسلامة شعوب المنطقة!
إن الدور المصرى فى قضايا الإقليم واضح كالشمس فى سمائه، لا نحتاج لذلك إلى شهادة من هذه المجلة ولا من غيرها، ولو كان هناك سبب لبقاء هذا الإقليم حياً حتى اليوم، فهذا السبب هو الدور المصرى فقط، فمصر هى تاج الشرق، التى إن قدر الإله مماتها، فمن المستحيل أن يرفع الشرق رأسه بعد ذلك!