أشرف غريب يكتب: مشهد إسلام عمر بن الخطاب

كاتب صحفي

كلما استرجعت سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أتوقف طويلاً أمام مشهد إسلامه، وفى نهاية المشهد أجدنى وقد تملكنى إحساس رائع من الشجن النبيل، كان ابن الخطاب من أشد الناس فى قريش عداوة للرسول الكريم ومن أكثرهم غلظة فى إيذاء المسلمين ولا سيما من تحت يديه من إماء وعبيد، وظل الأمر على ذلك أكثر من خمس سنوات منذ بداية البعثة المحمدية، حتى إن قريشاً كانت تتندر على حدة عمر فى عدائه للإسلام بأنه لو أسلم حمار ابن الخطاب ما أسلم ابن الخطاب نفسه، وكان أهل مكة يسخرون من دعاء الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، حينما دعا ربه: اللهم أعز الإسلام بابن الخطاب، وفى رواية أخرى: اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين، ويقصد عمر بن الخطاب أو أبوالحكم عمرو بن هشام «أبوجهل»، وذات ليلة قرر عمر التلصص على النبى، صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ القرآن فى جوف الكعبة، وكان الرسول يقرأ سورة الحاقة، فأعجب «عمر» بما يسمعه وقال لنفسه دون أن يفتح فمه: هذا ليس كلام الشعراء، إنه لكاهن، فإذا بالرسول الكريم يصل لقول الله تعالى: «ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون» فارتعد عمر وهو يسائل نفسه: إذن ما عساه أن يكون؟ لتأتى الآية التالية: «تنزيل من رب العالمين» وكأن الله يجيب لابن الخطاب من فوق سبع سموات على سؤاله. يعود «عمر» إلى بيته وقد غمرته الحيرة من أمره، فيقرر إنهاء الأمر برمته بقتل النبى محمد، وفى الصباح يخرج بسيفه وقد انتوى تنفيذ ما وصل إليه، فيقابله أحد المسلمين الضعفاء، ويشعر أن ابن الخطاب يزمع شراً للرسول الكريم، فيقرر العمل على تغيير وجهة عمر باستفزازه بخبر إسلام شقيقته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد، فيستشيط عمر غضباً ويقرر بالفعل الذهاب إلى بيت شقيقته كى يقتلها هى وزوجها.

ينتقل المشهد إلى بيت بنت الخطاب وقد جلست مع زوجها والخباب بن الأرت يقرأون فى سورة طه، فيطرق عمر عليهم الباب بعنف، فلما علموا أنه ابن الخطاب أسرع «الخباب» بالاختباء، فيدخل عمر ويمسك بسعيد بن زيد ويطرحه أرضاً، تهب شقيقته للدفاع عن زوجها فيلطمها ابن الخطاب لطمة شديدة تشق أذنها وتجعل الدماء تسيل على وجهها، وهنا يتحول هذا الأسد الكاسر المملوء بالغضب والغل فى غمضة عين أمام الدماء التى تسيل من وجه شقيقته إلى حمل وديع وشخص فى غاية الرقة والعذوبة، فتهدأ ثورته، وتتبدل ملامحه، ويطلب من فاطمة شقيقته أن تعطيه الصحيفة، ليقرأ ابن الخطاب فى سورة طه حتى وصل إلى قول الله تعالى: «وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنى أنا الله» فتوقف ابن الخطاب وقد خارت قواه من شدة الأثر الذى أحدثته الآيات المباركات، وهنا خرج الخباب من مخبئه متهللاً، ليؤكد لعمر أن الرسول تمنى على الله أن يعز به الإسلام، فقال له ابن الخطاب: أين أجد محمداً، فعلم أنه مع أصحابه فى دار الأرقم بن أبى الأرقم، فتوجه إليه من فوره، وعندما أيقن الصحابة أن مَن على الباب هو عمر توجسوا خيفة، وهمّ حمزة بن عبدالمطلب بالاستعداد لقتله، لكن الرسول طمأنهم وقال لأصحابه دعوه يدخل، فلما أقدم على الرسول أمسك به النبى وقال له: أما آن لك يا عمر أن تسلم؟ فرد عمر بقلب خاشع يملأه الإيمان: آن يا رسول الله، ثم نطق بالشهادتين وسط تهليل الصحابة فرحاً باستجابة الله لدعوة رسوله الكريم.

بعد دقائق من إسلام عمر، سأل ابن الخطاب الرسول: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلا يا عمر، وخرج المسلمون من دار الأرقم فى صفين يتوسطهما نبينا الكريم، وعلى يمينه ابن الخطاب، وعلى يساره حمزة لتبدأ مرحلة جديدة فى الدعوة المحمدية أظنها هى التى قادت إلى ما وصل إليه الإسلام بعد ذلك.

ولا ينتهى المشهد المهيب الخاص بإسلام ابن الخطاب عند هذا الحد، إذ توجه الفاروق إلى بيته ليخبر أهله بأنه أسلم لله رب العالمين داعياً إياهم إلى الدخول فى الإسلام فيخبره ابنه عبدالله بأنه قد سبقه للإسلام منذ فترة، فيبادره ابن الخطاب بوخزة لائماً ابنه: أكنت تريد أن تتركنى فى جهنم؟ ويحكى عبدالله بن عمر الذى أصبح بعد ذلك من أهم رواة الحديث أن أباه حتى من بعد أن أصبح أميراً للمؤمنين كان كلما رآه يبادره بتلك الوخزة وهذا العتاب الرقيق.. نعم، لقد أعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب، لكن الأهم أن الإسلام قد زاد ابن الخطاب رفعة وسمواً، ومنحه المكانة التى يستحقها بين عظماء التاريخ الإنسانى، وهى مكانة ما كان يمكن أن يصل إليها ابن الخطاب لولا اقترانه بالدين الحنيف.