لهذا يكرهون الدولة الوطنية (1)
لماذا تكره جماعة الإخوان الإرهابية فكرة الدولة الوطنية؟ هذا السؤال ستظل إجابته مفتوحة دائماً، مع كل ممارسات الجماعة -حتى بعد سقوطها- ضد الدولة المصرية، فيما يمكن وصفه بـ«الصراع بين الوجود والأيديولوجيا».
شكلت جماعة الإخوان المسلمين، منذ أسَّسها مرشدها الأول حسن البنا عام 1928، تحدياً وجودياً لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة، ليس فى مصر وحدها، بل فى المنطقة كلها، وربما العالم بأسره.
وتنبع مرجعية هذا العداء المتأصل من جوهر أيديولوجية الجماعة الإرهابية، التى تتبنى وهم «دولة الخلافة»، وتتصادم بشكل مباشر مع أسس الدولة الوطنية.
ولطالما وقفت فكرة «الدولة الوطنية» الحديثة، بحدودها الجغرافية الثابتة، وهيئاتها المؤسسية، وقوانينها الوضعية، وشعبها الموحد تحت مظلة المواطنة المتساوية، كحجر عثرة على طريق الأفكار الأيديولوجية الشمولية، وأطماع القوى الاستعمارية، التى تستهدف إعادة تشكيل المنطقة بتقسيمها.
وفى قلب هذا الصراع بين مفهوم الدولة الوطنية ومشروعات الهيمنة الدينية أو العابرة للقوميات، تبرز جماعة الإخوان المسلمين كنموذج صارخ يعادى فكرة الدولة الوطنية.
وتستمد جماعة الإخوان شرعيتها السياسية المخادعة، وأيديولوجيتها المزعومة، من حلم إعادة إحياء «دولة الخلافة الإسلامية»، ككيان سياسى دينى طوباوى، يتجاهل تماماً حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسية التى تشكل نسيج العالم الحديث.
ودولة الخلافة المزعومة، كما تتخيلها أدبيات الجماعة، تستهين بإرادات الشعوب وتاريخها وتطورها السياسى، وتتخطى معنى الوطنية، ولا تقدر معنى الاستقلال الوطنى، ولا تعترف بحدود الدولة المعاصرة، وتستبدل مبدأ «الولاء والبراء» القائم على الانتماء الدينى، بمفهوم المواطنة.
فى دولة الخلافة التى يسعون لها، يصبح المواطنون رعايا، وحقوقهم، وواجباتهم تحددها هويتهم الدينية أولاً وأخيراً، تحت مظلة نظام «أهل الذمة»، ما يقوض أساس الدولة الحديثة، القائم على مبدأ المساواة.
وتحتكر الجماعة الإرهابية الشرعية الدينية، وكذلك تفسير الدين وصياغة شرعية الحكم بناءً على تفسيرها الذى لا يخلو من التأويل المغرض، ومعها تتهدد مقومات الدولة المدنية (البرلمان - القضاء الدستور) فإما أن تخضع أو يستبدلون بها هياكل دينية (مجالس شورى - مجالس فتاوى) للتخديم على أجندة الجماعة.. ولتذهب إرادة الشعب إلى الجحيم.
ومشروع دولة الخلافة لا يتوقف عند حدود دولة بعينها، فهو مشروع «أممى» يهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية للعالم الإسلامى كله وفق نموذجها، وهنا يتلاقى هذا الهدف، مع المشروع الاستعمارى التوسعى على حساب سيادة الدول واستقلالها.
وتغرس جماعة الإخوان المسلمين لدى أتباعها فكرة أن ولاء الفرد يجب أن يكون للتنظيم أولاً، حتى إن تجاوز حدود الولاء للوطن، وأن الطاعة لـ«المرشد» لا بد أن تكون مطلقة، حتى لو تعارضت مع مصلحة الوطن.
بهذا المنهج (التربوى) يتم عزل «الإخوان» عن مجتمعاتهم الأصلية، وقطع أى روابط تجمعهم بأوطانهم تدريجياً، ليعيشوا فى البيئة البديلة داخل التنظيم، وتشمل حتى اختيار الزوجات، وتقديم الدعم المادى والمعنوى، لربط انتمائهم بالتنظيم.
وهذا الولاء الأعمى للتنظيم يفسر سيكولوجية أعضاء «الإخوان» عندما يستفيدون من خيرات الأوطان التى يعيشون فيها، رغم أنهم يكفرونها ويحرضون ضدها، كما يحدث فى الدول الأوروبية التى تستضيفهم.
المفرخة التى يخرج منها الإخوان تؤصل فى نفوسهم ثقافة الكراهية والعداء للدولة الوطنية، ولا تعتبر الجماعة العضو منتمياً لها تمام الانتماء، إلا إذا توافرت فيه عدة شروط، أهمها على الإطلاق كراهية الوطن، كدليل على إيمانه بوهم الخلافة، وهذا ما عبر عنه -بمنتهى الفجاجة- المرشد الأسبق محمد مهدى عاكف، بمقولته الأشهر «طز فى مصر.. وأبومصر.. واللى فى مصر»، والمثير لـ«القرف» أن الجماعة دافعت عن هذا التصريح، فضلاً عن عدم اعتذارها عنه، مما يؤكد نظرتها المتدنية لمفهوم الوطن والمواطنة، وفكرة الدولة الوطنية نفسها.
وهم الخلافة هو المسيطر الأساسى على فكر الإخوان المسلمين، ولهذا يرون أن الدولة الوطنية هى العقبة الرئيسية أمامهم، وهذا ما يدفعهم إلى محاربة أسسها ومبادئها.
هذا التناقض الجوهرى، هو المحرك الرئيسى لصراع «الإخوان» مع الدولة الوطنية فى العديد من الدول العربية، وعلى رأسها مصر (بلد المنشأ)، ولهذا يحاولون هدمها، ويجاهرون بعدائهم للرئيس عبدالفتاح السيسى، ليس كشخص، وإنما لكونه تحول إلى رمز الإطاحة بالمشروع الإخوانى.
وللحديث بقية.