«مرسي» والإعلان الدستوري.. من وثيقة حكم إلى شهادة وفاة

يكتب التاريخ أنه بعد خمسة أشهر من حكم الإخوان لمصر، وتحديداً فى يوم الأربعاء الموافق 21 نوفمبر من عام 2012، أصدر محمد مرسى عيسى العياط الذى كان وقتها رئيساً للبلاد إعلاناً دستورياً، لم يكن له سابقة، وكان مما جاء فى هذا الإعلان الدستورى أن: «الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة فى 30 يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد تكون نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن بأى طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض بقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء وتنقضى جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية».

يا الله!! قرارات الرئيس محصنة، لا يجوز الطعن عليها أمام أى جهة قضائية مهما كانت؟! القوانين التى يصدرها لا يجوز الطعن عليها بعدم الدستورية؟! الآن ظهر ما كان مختبئاً فى جوف تلك الجماعة، الآن بدأت ملامح الاستبداد القادم تسفر عن نفسها، هذا الحاكم بهذا الإعلان الدستورى يعيد قول فرعون: «أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى» ثم تطور به الأمر فقال: «أنا ربكم الأعلى»! هذا هو دأب الطغاة عبر التاريخ، من الفراعنة إلى القياصرة، ومن الأكاسرة إلى كل حاكم ظن أن الأرض قد دانت له والسماء طوع يديه، ولكن ما قصة هذا الإعلان الدستورى؟

كانت شعبية الإخوان قد أخذت فى التآكل، فقبل أن يحكموا البلاد زعموا أنهم يحملون الحل السحرى لكل المشكلات والعقبات، ووضعوا فى أمانى الناس أن لديهم المشروع الأكبر والأعظم! وزعموا أنهم يحملون الخير لمصر! وقبل يوم الانتخابات النهائى قال مرشحهم محمد مرسى: سأقضى على كثير من المشكلات فى المائة يوم الأولى من حكمى، واختار بعض المشكلات الثانوية وجزم بأنها ستنتهى تماماً.

وجاء مرسى حاكماً، وجلس الإخوان على سدة الحكم، وإذا بهم بدلاً من حل المشكلات يفتعلونها، وبدلاً من أن يرفعوا الأعباء عن كاهل المواطنين يزيدون من ثقلها، ومرت المائة يوم الأولى الذى وعد وأقسم عليها محمد مرسى، فلا مشكلات حُلت، ولا أعباء رفعت، وفى حكم البلاد يجب لكى تنجح أن تعمل على تحقيق طموحات شعبك، قد لا يطالبك الشعب بالنتيجة، ولكنه قطعاً يريد أن يراك وأنت تأخذ خطواتك الأولى صوب هذه الطموحات، ولكن جماعة الإخوان لم تدرك هذه الحقيقة، فقد وضعت الشعب فى خانة «الدرجة الثالثة»، وكأنها لم تعِ أن احتقار الشعوب هو بداية سقوط كل ديكتاتورية حمقاء.

فمنذ زمن وبعضهم لم يكن يحسب حساباً لشعبه، ويقينى فى ذلك أن الإخوان لم يعتمدوا على الشعب أبداً فى أى مرحلة من مراحلهم، لأنهم كانوا لا يثقون فيه، بل إنهم كانوا يعتبرونه عدواً لهم، ألم يقل لهم حسن البنا فى رسالة المؤتمر الخامس: «إن الشعب حين يعرفكم ويعرف صدق عقيدتكم سيقف ضدكم»! لذلك كان رهان الجماعة دائماً على التنظيم لا على الشعب، أما غاية ما تمنوه من الشعب أن يكون طرفاً محايداً سلبياً لا يتحرك، لذلك كانت تحركات الإخوان ومرسى فى مقدمتهم تتجه دائماً صوب طموحات الجماعة لا طموحات الشعب، فحصار المحكمة الدستورية لم يكن أبداً لتحقيق مصالح الشعب، ولكنه كان خطة ترمى إلى الحفاظ على مكتسبات الجماعة، وقرار إقالة النائب العام لم يكن استجابة للثوار، ولكنه كان استجابة لقرار مكتب الإرشاد، ومن أجل ذلك أخرجوا المظاهرات ليكون القرار وكأنه استجابة لشعب، ومن أجل البحث عن غنائم للجماعة صدر الإعلان الدستورى فى وسط جو شديد الاحتقان.

وكأن الحكيم الهندى الكبير «طاغور» كان يقرأ الإعلان الدستورى الإخوانى حين قال: «حين تظن أنك تخدع شعبك، فإنك تخدع نفسك»، فما بالك لو كان الشعب الذى تحاول أن تخدعه هو الشعب المصرى، أببعض كلمات الإنشاء كـ: «إعادة التحقيقات والمحاكمات فى جرائم القتل والشروع فى قتل وإصابة المتظاهرين وجرائم الإرهاب التى ارتكبت ضد الثوار» تسوِّغ لنفسك تحصين قراراتك وجعلها بمنأى عن رقابة القضاء، هذا تسويغ رخيص لا يقع فيه إلا المبتدئون، وأسوأ الأشياء أن تقع البلاد فى قبضة طاغية مبتدئ.

وبموجب هذا الإعلان الدستورى إذا بالحاكم الإخوانى يضع الجميع فى بيت الطاعة، فهو كحاكم لمصر اعتبر نفسه المتصرف الوحيد فيها، وقراراته لا تعقيب عليها، فلا قضاء يملك مراجعتها أو تصويبها، ولا جمعيته التأسيسية التى أعدتها «جماعته» لوضع الدستور يستطيع أحد الاقتراب منها، ولا مجلس الشورى الذى خزَّن فيه رجاله تستطيع المحكمة الدستورية أن تحاكم قانون إنشائه فتبطله طُرّةً وتقضى عليه لعدم دستوريته، وهو من بعد الحاكم بأمره الذى يعين النائب العام فيستجلبه من بين رجاله.

وحين وصف البعض هذا الإعلان الدستورى بأنه «إعلان إلهى» لم يكن مبالغاً، فالله سبحانه فقط هو الذى قال «ما يبدلُ القولُ لديََّ» إلا أنه وهو يضع تلك القاعدة الإلهية أشاع الطمأنينة فى قلوب العباد فقال «وما أنا بظلام للعبيد»، هذا هو الله الحق الحكم العدل، المطلق، فما بال الإنسان النسبى الذى جُبِل على النقص، الذى قال عنه الله «إن الإنسان لظلوم كفار» والذى قال عنه أيضاً «إنه كان ظلوماً جهولاً».

ولكن الإخوان كانوا يظنون أنهم فى سباق مع الزمن، فإما أن يسيطروا على كل شىء فى البلاد منتهزين الفرصة التاريخية التى لاحت لهم، وإما أن ينالوا الهزيمة من «أهل مصر»! وكأنهم فى حرب مقدسة مع «غيلان» الظلام التى إن هزمتهم فستحملهم إلى الجبال النائية! لذلك رأت الجماعة أن تتقدم خطوة فى معركتها، فتضع الأغلال فى يد القضاء حتى لا يستطيع أن يراجع قراراتها التى ستسيطر بها على البلاد ومن ثم تضعها فى جِوال الأمانى!.

ومصر ليست هى الدولة المسحورة التى يمكن لساحر أن يطويها فى جرابه، إنها مصر وكفى، مصر التى تلتقم ما يأفكون، مصر التى يتقدمها القضاء فى الملمات ويذود عنها الجيش عندما تحتدم المؤامرات، مصر الحديثة التى أقامها محمد على على عمودين لا ثالث لهما، العمود الأول كان هو الجيش الذى أشرف على إنشائه سليمان باشا الفرنساوى أو الكولونيل «سيف»، والعمود الثانى كان القضاء عندما أنشأ المجالس القضائية المحلية، ومجالس التجار القضائية إلى أن أخذ القضاء طريقه إلى التحديث فى العهود التى تلت محمد على.

وهكذا، ظنّ الإخوان أن هذا الإعلان الدستورى سيكون لهم عهداً كالذى لا يُنقض، وأنه سيخلّد حكمهم كما خُيّل لفرعون أن «ما أريكم إلا ما أرى»، وكما توهّم نيرون يوم أحرق روما أنه يكتب مجده بالنار والرماد! فتوهموا أنهم أحكموا الإغلاق على أبواب الدولة، وأن مفاتيحها لن تخرج من أيديهم لخمسمائة عام! لكن سنة الله فى الظالمين لا تتبدل، «فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم»، فإذا بالإعلان الذى كتبوه بأيديهم ليمنحهم الخلود، يصبح وثيقة العزل، وصكّ النهاية، وناقوس السقوط الذى دوَّى من كل مئذنة وكنيسة وساحة.

لقد أرادوا به أن يُحكموا القبضة على مصر، فإذا بمصر تنتفض، وتكسر القيد، وتطوى صفحة ظنّوا أنها ستظل مفتوحة إلى يوم الدين. فليس أطغى على مر التاريخ من مَن توهّم أن الخلود فى الكرسى يعلو على إرادة الشعوب، أو أن توقيع بشر يُعطّل عدل السماء، فسقط الوهم الكبير، وبقيت مصر.