وحوش في الأسر.. وضحايا داخل كواليس السيرك
وحوش في الأسر.. وضحايا داخل كواليس السيرك
مع وضع أول عمود فى «خيمة السيرك»، يترقب أهالى المنطقة الانتهاء منها فى أسرع وقت، إدراكاً منهم بأنهم على موعد مع «عالم من السحر والبهجة»، حيث يستمتع الكثيرون بمشاهدة الحيوانات المختلفة، المفترس منها والأليف، وعادةً لا تخلو خيمة السيرك من تقديم فقرات للأسود والنمور المدربة، والتى تُقدم حركات استثنائية داخل الحلبة، تثير دهشة وإعجاب الحاضرين، إلى جانب شجاعة المدرب الموجود داخل القفص، وقدرته على التعامل معها، وإطاعتها لأوامره، هذا المشهد يدل على وجود علاقة قوية بين المدرب والحيوان المفترس، سواء كان أسداً أو نمراً، حيث إن هذه الحيوانات عاشت مع مدربيها منذ يوم ولادتها، وقدموا لها كل الرعاية والتغذية، بل والاهتمام بكل تفاصيل حياتها، هذه العلاقة تجعل هذه الحيوانات المفترسة وفيّة لمدربيها، كما تجعل بينهما علاقة من الحب والتفاهم.
محاولة القرب من عالم الأسود، وكيفية تجهيزها للعروض، وطريقة التعامل معها داخل خيمة السيرك، دفعتنا إلى حضور أحد هذه العروض فى مدينة «الشروق»، حيث عادةً ما تكون الفقرة النهائية فى العروض اليومية هى «فقرة المفترسات»، التى يقدمها مدرب الأسود العالمى، محمد الحلو.
لا يملك كل المدربين الخبرة الكافية فى بناء تلك العلاقة مع المفترسات، لذلك يوجد معايير دقيقة للسلامة، يلتزم بها كافة مدربى ومروِّضى الأسود، سواء كان لاستعمالها فى فقرات السيرك، أو فى حديقة الحيوانات، أو حتى للاقتناء الشخصى، وكل غاية منها لها معايير مختلفة للسلامة، إذ إن طبيعة الأسد تختلف وفقاً للبيئة التى ينشأ فيها، وما يقوم به فى حياته اليومية، بالرغم من أن تلك الحالات كلها خارج الغابة وبعيدة عن الطبيعة، إلا أن طبيعة الأسد، فى كل حالة، تختلف تماماً عن طبيعته فى الحالة الأخرى، وخاصةً سلوكه داخل السيرك.
قبل تقديم فقرة المفترسات، بدأ العاملون فى السيرك بوضع بوابات حديدية على كل مساحة حلبة السيرك، وبمجرد تركيبها تحولت إلى قفص ضخم، جاهز لاستقبال «ملك الغابة»، فيما قام بعض الشبان بتسلق البوابات الحديدية من أجل غلق الأقفال الموجودة بإحكام، ومن ثم ربط تلك البوابات ببعض الأحبال، بهدف زيادة الأمان، وبعد الانتهاء من نصب الجدران الحديدية بإحكام، تم رفع شبكة ضخمة لتغطى سقف القفص، وتم ربط كل أطرافها بالطرف العلوى للبوابات الحديدية، وبمجرد انتهاء الشباب، حوالى 6 أشخاص، من بناء القفص، بدأ العرض الذى ينتظره الجمهور داخل السيرك.
فى بداية الفقرة المرتقبة، دخل المدرب محمد الحلو إلى الساحة، وتبعه 4 أسود ونمر، ووقف كل منها فى زاوية محددة على جوانب القفص، ومن الخارج وقف أمام كل حيوان منها، أحد مساعدى المدرب، للتأكد من ألا يقوم الأسد بأى حركة تضر بسلامة العامة، وكذلك الحفاظ على سلامة المدرب، الذى بقى وحده داخل القفص، منذ بداية الفقرة حتى نهايتها، وداخل القفص، تعاملت الأسود مع مدربها كما لو أنها تفهم ما يقوله لها، وبدت مثل «الأبناء المطيعين»، مما يعكس قوة العلاقة بين المدرب وهذه الحيوانات المفترسة، وقدرته على التفاهم والسيطرة عليها، لم يستعمل العصا أو وسيلة أخرى لإجبار الأسود على تنفيذ أوامره، كان يكتفى فقط بالنظر إلى الأسد، أو أن يشير إليه بيديه، أو أن يُملى عليه الأمر بالكلام فقط، وعلى الفور، امتثلت المفترسات لما يُملى عليها.
عادةً ما تتضمن فقرة الأسود عدداً من الحركات المختلفة، منها قيام كل أسد، على حدة، وبنظام فريد، حيث لا يبرح الأسد مكانه قبل أن ينادى عليه «الحلو» باسمه، أو الإشارة إليه بيده، ليبدأ فى أداء الحركة على الفور، وبدأ العرض بتسلق الأسود سلماً معدنياً، ثم القفز من أعلى درجات السلم، على 3 مستويات، ثم انتقل المدرب للحركة التالية، وهى أن تقوم الأسود بالرقص واقفةً على قدميها الخلفية، بينما الأمامية محلقة، وتعمل على تحريكها، مما يجعلها تبدو وكأنها ترقص على أنغام الموسيقى، فى مشهد يبرز القوة العضلية لتلك الأسود، وبعدها انتقل «الحلو» إلى الجزء الأشهر فى عروض الأسود، وهو «حلقة النار»، إذ قام بوضع حلقة ضخمة داخل الساحة، وأشعل فيها النيران، وجعل كل أسد من الأسود الموجودة معه داخل القفص، يقوم بالقفز داخل تلك الحلقة المشتعلة، ومع كل قفزة، يزيد تصفيق جمهور الحاضرين، الذين ارتسمت على وجوههم ملامح الحماس والسعادة، طوال الوقت المخصص لتقديم هذه الفقرة.
واختتم المدرب محمد الحلو فقرته بعرض تفاعلى بينه وبين الأسود، إذ وقف فى نصف الساحة، وقال بصوت مرتفع، مخاطباً الحيوانات المفترسة: «الأسد اللى هنده اسمه فيكم عايزه ينزل وينام على الأرض، ولازم تسمعوا الكلام، ومش عاوز حد يتحرك قبل ما أنطق اسمه.. فاهمين؟»، ومع سؤاله بكلمة «فاهمين»، قامت الأسود بإصدار صوت زئير، كأنها ترد عليه بـ«نعم»، مما أثار دهشة الحاضرين، والتى زادت حين بدأ المدرب فى المناداة على الأسود بأسمائها تباعاً، ومع كل اسم يلفظه المدرب، يقوم الأسد صاحب الاسم بمبارحة مقعده، والنوم على الأرض تنفيذاً للأمر، وهنا زادت حرارة التصفيق، وبعد ذلك، طلب المدرب من كل أسد العودة إلى مكانه، وعندما حان وقت خروج الأسود من الحلبة، لم يتحرك أى منها من مكانه إلا إذا قام المدرب بإعطائه إشارة الخروج بيده، فيفهمها الأسد ويتحرك فوراً خارج الحلبة، ويعود إلى قفصه خلف الستار، وتكرر الأمر حتى خرجت المفترسات الخمسة تباعاً.
عن طبيعة وأسباب هذه العلاقة القوية بين المدرب والحيوانات المفترسة أثناء العرض، تحدث المدرب محمد الحلو لـ«الوطن» قائلاً إنه تعلّم تربية وتدريب الحيوانات المفترسة أباً عن جد، فعائلة «الحلو» من أشهر العائلات التى امتهنت هذا المجال منذ سنوات طويلة، وأوضح أنه منذ ولادة «الشبل» الصغير يتم التعامل معه بود، واللعب معه، والتقاط الصور، واصطحابه لتربيته فى المنزل، حتى يكتسب صفات الحيوانات المستأنسة، بذلك تقل نسبة هيجان الأسد فى حال وجود جماهير، لأنه اعتاد على البشر بشكل عام، هذه هى المرحلة الأولى، وبعد أن يبلغ الشبل حوالى 6 أشهر، تبدأ المرحلة الثانية، وهى تدريبه على الحركات التى يتم تأديتها داخل حلبة السيرك.
وأضاف «الحلو» أنه من خلال التدريب والبروفات المستمرة، يتمكن الأسد من فهم أوامر مدربه، وتنفيذها على الفور من مجرد النظر إليه، وأكد أن كل هذا يتم دون أى نوع من أنواع التعنيف.
وقال فى هذا الصدد: «الأسود دى زى أبنائنا، مش بنستعمل معاهم عصاية أو تجويع، أو أى شكل من أشكال العنف ضد الحيوان أبداً»، وأوضح أن تدريب الأسود لتصل إلى هذا المستوى من الاحترافية، الذى يشاهده جمهور السيرك، يتطلب جهداً كبيراً، مشيراً إلى أن الحركة التى يستغرق تنفيذها بضع ثوانٍ أثناء العرض، خلفها تدريب شاق وطويل، استمر لسنوات، حتى تمكن الأسد من إتقانها وتأديتها، وتابع قائلاً: «التدريبات تقيس مدى استجابة الأسد للحركات المختلفة، مش كلهم عندهم نفس الاستجابة، أو يقدروا ينفذوا نفس الحركات، يمكن لأسد تأدية القفز من حلقة النار، فى حين أن آخر لا يتمكن من تنفيذ ذلك، لكنه نجح فى تسلق السلم والقفز من فوقه، ونعمل على توظيف مهارات واستجابة الأسود، ونضع كل منها فى المكان الذى يمكنه أن يؤدى فيه، دون الضغط عليها فى تأدية حركات لا يمكنها الاستجابة لها».
وقال مدرب الأسود العالمى إنه لا يمكن إنكار وجود فروق كبيرة بين شكل حياة الأسد داخل السيرك وخارجه، وأوضح أن العروض التى يقوم الأسود بتقديمها داخل السيرك كلها تعتبر تمرينات رياضية، مما يجعل الأسود فى السيرك تتمتع بكتلة عضلية قوية جداً، ربما تكون أقوى من تلك التى يتمتع بها أسد الغابة، فهو غير مضطر لاستعمال عضلات جسمه إلا فى حالات الصيد مثلاً، أما فى السيرك، يقوم الأسد بتأدية تلك التمارين، وتقديم العروض بشكل يومى تقريباً، ولديه طاقة أعلى بكثير، وعلى صعيد التغذية أيضاً، تتمتع أسود السيرك بحال أفضل من الأسود الموجودة فى الغابات.
وأضاف: «نحن هنا نقوم بإحضار اللحوم، ونعمل على تنظيفها وتشفيتها، والكشف عليها قبل تقديمها للأسد، حتى نتأكد من أنها مفيدة له وسليمة، ونقدم له فقط الأجزاء المفيدة، فضلاً عن الحرص على نظافة المكان الذى يتناول فيه الطعام، أما فى الغابات فيقوم الأسد بصيد فريسته، ويبدأ فى تناولها على الفور، دون دراية بما يأكله، فهو يأكل الأحشاء والدماء وغيرها من الأجزاء غير المفيدة منها، وربما تكون ضارة أيضاً، وبالتالى الأسد فى السيرك حاله أفضل بكثير».
وتابع «الحلو» حديثه عن الفارق بين الأسد فى السيرك ونظيره فى الغابة، قائلاً إن غالبية مدربى الحيوانات المفترسة، فى أى سيرك، يحرصون على النظام الغذائى السليم لهذه الحيوانات، والالتزام بمواعيد الطعام، وتقديم الفيتامينات الخاصة بالشَّعر والطاقة وغيرهما، وكذلك الحرص على اختيار أنواع اللحوم المناسبة لها، أما فى الغابة، يكون الأسد معرضاً لتناول أى شىء أثناء الجوع، ولفت إلى أن هناك نظاماً غذائياً معيناً لا بد من الالتزام به، وهو تناول من 20 إلى 25 كيلوجراماً من اللحوم فى اليوم الواحد، وعادةً ما تكون من لحوم الحمير أو الخيول، ولا يتم تناولها يومياً، بل يوم بعد يوم، لأن تناول الطعام يومياً يزيد من الطاقة فى جسده، والتى بدورها ترفع لديه هرمون التكاثر، مما يؤثر سلباً على التدريبات والعروض.
واستطرد «الحلو»، فى حديثه لـ«الوطن» أن التعامل مع الحيوانات المفترسة يتطلب الحرص الدائم مهما كانت العلاقة قوية معها، لأن طبيعتها ستغلبها فى نهاية المطاف، وأوضح أن هناك بعض الأوقات لا يمكن الاقتراب فيها من الأسد، أو الوجود بالقرب منه، لأنه فى تلك الأوقات يكون فى حالة افتراس ويمكنه مهاجمة أى شخص، وأبرز تلك الأوقات أثناء تناول الطعام، أو أثناء المعاشرة.
وعن بعض الحوادث التى يمكن أن تقع أثناء تقديم فقرة المفترسات داخل السيرك، قال إنه من الوارد أن تحدث بعض الأخطاء أثناء العروض، لذلك لا بد من الحرص على اتباع كافة معايير السلامة، من أجل الحفاظ على أرواح وسلامة الموجودين فى المكان، وأضاف أن هناك تعليمات يلقيها على طاقم المساعدين يومياً، لعدم تعرض أى منهم لأى شكل من أشكال الخطر، من أهمها التأمين على صلابة كل قفل من الأقفال الموجودة على القفص، وأن يتم غلقها بإحكام، ومنع الجمهور من المرور فى حيز الساحة أثناء وجود الأسود داخل القفص، وألا يدير أحد المساعدين ظهره للأسود.
وللحديث عن الأمور القانونية التى تتعلق باعتداء تلك المفترسات على المتعاملين معها، أكد محمود الحديدى، المستشار القانونى للجبهة الدبلوماسية المصرية، أنه وفقاً للمادة السادسة من قانون تنظيم الحيوانات الخطرة والكلاب رقم 29 لسنة 2023، فى حالة تعرض أى شخص للإصابة أو الوفاة، نتيجة اعتداء من أحد الحيوانات الخطرة، ألزم القانون مالك الحيوان بالإبلاغ الفورى للسلطات المختصة، وأضاف الخبير القانونى، فى تصريحاته لـ«الوطن»، أن القانون وضع إجراءات صارمة ضد أى انتهاك لأحكامه، حيث تنص المادة الـ16 على فرض غرامة مالية لا تقل عن عشرة آلاف جنيه، ولا تزيد على خمسمائة ألف جنيه على المخالفين، بالإضافة إلى عقوبة الحبس التى لا تقل عن ثلاثة أشهر، وذلك فى حال تعريض الأرواح أو الممتلكات للخطر.