ترامب وماسك.. «عداوة» من طراز خاص في معركة «تشويه الذات» ضحاياها ملايين البشر داخل الولايات المتحدة وخارجها
ترامب وماسك.. «عداوة» من طراز خاص في معركة «تشويه الذات» ضحاياها ملايين البشر داخل الولايات المتحدة وخارجها
حين يتصارع اثنان من عمالقة المال والسياسة فى أمريكا، أحدهما رجل أعمال متمرد بنزعة نرجسية مفرطة، والآخر رئيس سابق لا يؤمن بالهزيمة، فإن النتيجة لا تكون مجرد خصومة شخصية، بل تكون زلزالاً يهز توازنات التيارات الكبرى، ويكشف هشاشة التحالفات فى عمق المعسكر اليمينى، فى ساحة المعركة هذه، لا تُرفع الأسلحة التقليدية، بل تُطلق التغريدات والبيانات النارية، وتُسحب الاستثمارات وتُهدد القوانين، والضحايا ليسوا مجرد سياسيين، بل ملايين البشر، داخل الولايات المتحدة وخارجها.
إنها حكاية من زمن الاستعراضات الكبرى، «ترامب»، الذى لا يتورع عن تقويض المؤسسات، و«ماسك» الذى يهوى إشعال الفوضى باسم الحرية، ثم يفرغها من مضمونها، ولم يعد «صراع الأنا» بينهما مجرد مشهد عابر فى مسرح العبث الأمريكى، بل أصبح تمثيلاً فجاً لانقسام أيديولوجى عميق داخل اليمين المعاصر، وبينما يتحول الخلاف إلى معركة مكتملة الأركان، تنكشف حقائق مريرة عن مشروع «اجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، المعروف اختصاراً باسم «ماجا»، الذى بدا كأنه «نسخة مشوهة» من حلم لم يعد أحد يصدقه.
«الجارديان»: «انقسام أيديولوجى» يصيب مشروع «ماجا» بخلل قاتل
تناولت صحيفة «الجارديان» الخلاف القائم بين الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، وأحد أقوى مؤيديه السابقين، إيلون ماسك، بالقول إن ما بين «تروث سوشيال» و«إكس»، وما بين التشهير العلنى وتصفية الحسابات خلف الأبواب المغلقة، يدور صراع لا يتعلق فقط بالسياسة أو الاقتصاد، بل بمستقبل «خطاب القوة» فى أمريكا، خطاب يبدو أن أبطاله قرروا أن يشعلوا النار فى البيت الذى بنوه معاً، بدافع الغرور، أو ربما بدافع الخوف من أن يسرق أحدهم الأضواء من الآخر.
وأضافت الصحيفة البريطانية أن الدراما المستمرة، التى تعرف باسم «مسلسل ترامب» بدأت تفقد عنصر المفاجأة، حيث إن أحدث تطور فى الحبكة الدرامية، والذى يتمثل فى «القطيعة الملحمية» بين بطل العمل، وصديقه المقرب، لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً إلى حد السخرية، وتنبأ به كثيرون منذ البداية، ومع ذلك، فإن المفاجآت ليست دوماً ضرورية لتقديم عرض ممتع، خاصةً أن متابعة أغنى رجل فى العالم، وأقوى رجل فى العالم وهما يتبادلان الهجمات اللاذعة على منصاتهما الخاصة «إكس» و«تروث سوشيال»، تمثل ذروة الترفيه السياسى، ولعل جملة «إكس ضد تروث» تصلح لتكون عنواناً لفيلم من إنتاج «مارفل»، لكن هذه القصة تتجاوز كونها مجرد مادة للفرجة، أو مادة دسمة لـ«البوب كورن»، فحتى لو انتهى الأمر بمصالحة بين ترامب وماسك، فإن الشقاق بينهما كشف عن انقسام عميق داخل اليمين المعاصر، فى الولايات المتحدة وخارجها، وكشف عن خلل قاتل فى مشروع «اجعل أمريكا عظيمة مجدداً - ماجا».
«الملياردير المتمرد» يحرض الكونجرس لإنهاء «الظاهرة الترامبية»
وأضافت «الجارديان» أنه بطبيعة الحال، كثير من هذا الصراع له بُعد شخصى، لهذا السبب تنبأ كثيرون منذ البداية بأن «الصداقة الحميمة» بين الرجلين كانت محكومة بالفشل، فعندما أعلن ماسك فى فبراير الماضى: «أنا أحب دونالد ترامب بقدر ما يستطيع رجل مستقيم أن يحب رجلاً آخر»، كان كثير من المراقبين يدركون أن النهاية ستكون مأساوية، فـ«الأنا» لدى كل منهما ضخمة جداً، والنرجسية شديدة، بحيث لا يمكن لحبهما النجاة، ففى عالم ترامب، كما فى مجرة ماسك، لا يوجد متسع سوى لشمس واحدة، ومع تداخل العلاقات الشخصية بالمصالح الاقتصادية، فقد بدأ شعور ماسك بـ«خيبة الأمل»، بحسب بعض التحليلات، من محفظته المالية، مما دفعه إلى الاعتراض على مشروع القانون الشامل، الذى يروج له ترامب، المعروف باسم «مشروع القانون الكبير والجميل»، ويعود ذلك أساساً إلى إلغاء حافز ضريبى بقيمة 7500 دولار لشراء السيارات الكهربائية، ومع تراجع مبيعات «تسلا»، كان ماسك يعوّل على هذا الحافز لاستقطاب الزبائن، لذا استشاط غضباً من «ترامب» بعدما قرر إلغاء ذلك الحافز، وهو ما أشار إليه ترامب بوضوح فى منشور له قال فيه: «ألغيت تفويض السيارات الكهربائية الذى كان يُجبر الجميع على شراء سيارات لا يريدها أحد، فجن جنونه»، فى إشارة إلى صديقه السابق، الذى عينه وزيراً للكفاءة الحكومية فى إدارته.
فى المقابل، لم يستطع ماسك إخفاء غضبه من إيحاءات «ترامب» بأن «دوافع مادية» وراء انسحابه من الفريق الرئاسى، وبالفعل بدأ «الملياردير المتمرد» فى حشد أعضاء بالكونجرس لعزل ترامب، بل واتهم إدارته بحجب ملفات تتعلق بقضية «جيفرى إبستين»، الذى كان يدير شبكة للاتجار بالجنس، نظراً لورود اسم ترامب بها، فى محاولة من جانب ماسك لتقديم نفسه كـ«ليبرالى مالى» أصيب بـ«صدمة شديدة» نتيجة «بشاعة» مشروع القانون الذى قدمه «ترامب»، معتبراً أنه سيؤدى إلى زيادة العجز الهائل فى الميزانية الأمريكية بتريليونات الدولارات.
جامعة بوسطن: وفاة أكثر من 300 ألف شخص معظمهم أطفال بسبب قرار «الكفاءة الحكومية» بتقليص تمويل وكالة التنمية الدولية
وكذلك، من الصعب القول إن موقف ترامب من السيارات الكهربائية كان مفاجئاً، فقد كان واضحاً منذ أن انضم ماسك إلى «قطار ماجا» العام الماضى، أما مسألة العجز، فمن الطبيعى أن تثير استياء «ماسك»، خاصةً بعد فشل «وزارة كفاءة الحكومة»، التى كان يقودها، فى تحقيق وعودها، ورغم تعهده بتقليص الإنفاق الفيدرالى بقيمة تريليونى دولار، لم يتمكن سوى من تقليصه بنحو 150 مليار دولار، وفقاً لأكثر تقديراته تفاؤلاً، فى الوقت الذى كشفت فيه جامعة بوسطن عن أن أحد قرارات ماسك، وهو قرار تقليص تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أسفر عن وفاة 300 ألف شخص، معظمهم من الأطفال.
وتابعت «الجارديان»، فى تقريرها، أن الخلاف بين ترامب وماسك كشف عن صدع داخل التيار المحافظ، فعلى الرغم من سطوة «الظاهرة الترامبية»، فلا يزال هناك حفنة من الجمهوريين التقليديين فى مجلس الشيوخ الذين يقدسون الانضباط المالى، فيما يعارض الديمقراطيون «مشروع القانون الكبير والجميل»، لأنه يهدد بحرمان أكثر من 10 ملايين أمريكى من تغطية الرعاية الصحية، أما الجمهوريون التقليديون فيخشون المخاطر الاقتصادية لتخفيض ضريبى ضخم غير ممول، على غرار تجربة «ليز تراس» فى بريطانيا، وفى الجهة المقابلة، يقف تيار «القومية المحافظة»، الذى يمثله مستشار ترامب السابق، والمدان قضائياً، ستيف بانون، فهذا التيار لا يريد دولة صغيرة، بل يحبذ الاستعراضات السلطوية القوية، وعلى سبيل المثال، طلب ترامب تنظيم استعراض عسكرى ضخم، على طريقة بيونج يانج، احتفالاً بعيد ميلاده، بينما دعا «بانون» إلى تأميم شركات ماسك، مثل «ستارلينك» و«سبيس إكس»، رداً على تمرده.
الخلافات بين ماسك وبانون ليست جديدة، فالأول عارض رسوم ترامب الجمركية، بينما أيّدها الثانى، الأول يدعو للهجرة الانتقائية للعقول المتميزة، والآخر يريد إغلاق الحدود، فالمعركة إذاً بين معسكرين، دعاة السوق الحرة مقابل أنصار الإجراءات الحمائية، وأصدقاء الانضباط المالى فى مواجهة أنصار التوسع المالى الشعبوى، وبينما أشارت الصحيفة إلى أن الانقسام بين ترامب وماسك قد يعيق تمرير مشروع القانون الكبير فى الكونجرس، خاصةً أن الأغلبية الجمهورية فى مجلس النواب «هشة»، والانشقاق من نائب أو سيناتور واحد قد يُسقط القانون، والأهم أن ماسك منح الغطاء السياسى للمنشقين المحتملين، ووعد بضخ أموال لدعم الجمهوريين فى انتخابات منتصف الولاية عام 2026، لكن الآن قد يتحول إلى دعم خصوم ترامب من الديمقراطيين، بل إنه قد يحوّل منصة «إكس»، التى طالما كانت صوتاً لليمين، إلى «جبهة معادية» للرئيس السابق، واختتمت «الجارديان» تقريرها بالقول إن مشكلة «ترامب» هذه المرة أن خصمه ليس من الطيف التقليدى المعارض له، بل يملك ميكروفوناً هائلاً، وثروةً هائلة تتفوق على ثروته.