خطاب التنحي الذي هزّ القلوب وأشعل الإرادة
كانت الساعة السابعة مساء يوم 9 يونيو 1967 ، على شاشة التلفزيون العربي ظهر الرئيس جمال عبد الناصر ، بقي الشعب العربي أمام شاشات التلفزيون وأجهزة الراديو ، مثقلًا بالهزيمة المروعة التي حلت بالأمة في نكسة يونيو، حيث سقطت سيناء والضفة الغربية والجولان في أيام معدودات، وبينما كانت الجراح نازفة، والقلوب دامية، كانت الأمة تنتظر خطاب الزعيم جمال عبد الناصر عما حدث وما سيحدث بعد النكسة ، ظهر عبد الناصر في صورة شائخة ، أضيف إلى عمره سنوات غيرت من ملامحه ، عندما بدأ عبد الناصر تلاوة ما سمي بخطاب التنحي ، لم يكن هو عبد الناصر الذي كانت كلماته وخطبه تزلزل أركان العالم ، كان شخصا مختلفا ، كان جريحا ، مهزوما ، شاعرا بالمسؤولية عما حدث للأمة جميعها.
قال عبد الناصر: "لقد اتخذت قرارًا أريدكم جميعًا أن تساعدوني عليه ، قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي".. كانت الكلمات كالصاعقة، لم يكن الزعيم يستسلم للهزيمة، بل كان يتحمل المسؤولية بشجاعة يحسد عليها، لكنه، في عمق الوجدان الشعبي، لم يكن مجرد رئيس، بل كان تجسيدًا لحلم التحرر والكرامة، وكان رمزًا لعصر الثورة والمقاومة والتحدي.
لم يمضِ وقت طويل على انتهاء الخطاب، حتى خرجت الملايين إلى الشوارع من الإسكندرية إلى أسوان، ومن بغداد إلى صنعاء، تهتف وتبكي وتصرخ: "لا تتنحى يا جمال!".. حملت الجماهير صوره، ورفعت أعلام الجمهورية، ورفضت بصوت واحد أن تترك القائد يغادر الميدان، كان هذا المشهد عفويًا، تلقائيًا، نابعًا من أعماق الإيمان الشعبي بقائده، وإدراك أن الهزيمة لا يجب أن تعني الانكسار، بل أن تكون دافعًا للمقاومة والعودة من جديد.
ما الذي جعل هذا القائد يحتفظ بمكانة لا تمسّ في قلوب الناس رغم الهزيمة؟ إنه الشعور العميق بأن عبد الناصر كان منهم، صادقًا في طموحاته، نزيهًا في إدارته، بسيطًا في حياته، جسورًا في قراراته، وقبل كل شيء، حالمًا بحلمهم في الوحدة والحرية والعدالة، لقد أخطأ، نعم، لكنه لم يخن، ولم يساوم، ولم يبع الوطن.
الشعب العربي لم يكن يجهل جسامة الكارثة، لكنه آثر أن يواصل المسيرة مع قائد يعرفه ويثق به، على أن يبدأ رحلة ضياع جديدة في زمن الارتباك والانكسار، كان عبد الناصر يمثل في نظر شعبه تجسيدًا حيًا للعزة القومية، وللصوت العربي الذي لا يُشترى ولا يُذل.
كانت الجماهير التي خرجت تطالب عبد الناصر بالبقاء لا هروبا من الواقع، بل كانت ترفض أن تُختزل الأمة في لحظة ضعف، أو أن يُكتب تاريخها بقلم الانكسار، لقد رفعت هذه الحشود رسالة إلى العالم: أننا لا نُهزم برحيل أرض، بل برحيل الإرادة، وأن إرادتنا لم تُكسر بعد، وكان ذلك هو المعنى الأعمق للخطاب ورد الفعل عليه: تجديد العهد بالمقاومة، وبداية طريق جديد نحو استعادة الكرامة والسلاح والنصر.
استجاب عبد الناصر لضغط الجماهير وعاد عن قراره، لكنه عاد بروح جديدة، محمّلة بعزم لا يلين على إعادة بناء القوات المسلحة، وتحقيق النصر الذي يعيد للأمة كرامتها، وهكذا بدأت مرحلة استنزاف العدو، التي تحولت فيها مصر من الانكسار إلى المقاومة، ومن الحزن إلى الفعل، وانتهت بصيحة الانتصار في أكتوبر 1973.
لم يكن خطاب عبد الناصر بالتنحي خاتمة لحلمه، بل كان بداية لوعي شعبي أعمق بقيمة القيادة الوطنية، وبقدرة الشعوب على الانبعاث من الرماد، كانت تلك اللحظة التي تلاحمت فيها القيادة مع الجماهير، وتحوّل فيها الحزن إلى وقود للمقاومة، والتشكيك إلى يقين، والانكسار إلى وعد بالنصر، وكانت شرعية جديدة للقائد الذي حوصر بالمؤامرات والخيانات مستهدفا من قوى عالمية وإقليمية أرادت كسره والتخلص من زعامته التي جابت الآفاق.
صنع عبد الناصر من الهزيمة بوابة للوعي والتصميم، وظل صوته، رغم الألم، يحمل نبرة الأمل، وتبقى رسالته، كما قال في خطابه: "إن الأمة هي الباقية، وإن القادة زائلون".
لكني أقول إن بعض القادة، يا سيادة الرئيس، لا يزولون.. لأنهم يسكنون قلوب الشعب وضمير الأمة.