«الوطن» تنشر المحاضرات المنسوخة بخط يد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي.. «الأشقر»: 1200 أسير حصلوا على «البكالوريوس»
«الوطن» تنشر المحاضرات المنسوخة بخط يد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي.. «الأشقر»: 1200 أسير حصلوا على «البكالوريوس»
تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد
فى فلسطين لا يُمنح شىء بالمجان، ولا تُنتزع الحقوق إلا بالكفاح الطويل، فبين جدران الاحتلال تصبح أبسط الحقوق، كالتعليم، حلماً يستحق النضال من أجله. هناك، لا يشبه شىء ما هو مألوف فى باقى أنحاء العالم، إذ يصبح السعى للمعرفة وجهاً من وجوه المقاومة، وتتحوَّل قاعات السجون إلى فصول دراسية تُزرع فيها بذور الإصرار والصبر والتحدى، وبين جدران المعتقل كُتبت قصة نضال الأسير المحرَّر «أسامة الأشقر»، الذى نال شهادة البكالوريوس، ثم الماجستير، خلف القضبان، متحدياً سياسات القمع والمنع والحرمان التى تحاول كسر إرادة الحركة الأسيرة، ليعكس نضالاً جماعياً طويلاً خاضته مئات الأرواح الطامحة للعلم، تلك التى حوَّلت الزنازين إلى فضاءات للوعى والمعرفة.
بصوت يملأه الفخر بدأ «الأشقر» يحكى عن تجربته داخل الأسر، قائلاً فى حديثه لـ«الوطن»: بكل صدق وعمق يمكن القول إن التعليم داخل السجون الإسرائيلية لم يكن مجرد خيار، بل كان معركة متكاملة الأركان.
يوضح «الأشقر» أن الحركة الأسيرة لها نضالها وخصوصيتها منذ عام 1967، لم يخضعوا لواقع السجن، بل سعوا لتغييره، إذ استطاعوا، عبر سنوات طويلة من الاعتقال، أن يطوِّروا حياتهم داخل السجون، ليصنعوا واقعاً مغايراً تماماً لما هو مألوف فى باقى سجون العالم، وهو ما يعود إلى طبيعتهم النضالية، فالاعتقال بالنسبة إليهم لم يكن نهاية، بل محطة ضمن مسيرة نضال مستمرة، ولذلك نجح الأسرى الفلسطينيون فى خلق بيئة داخلية منضبطة، حتى قبل 7 أكتوبر 2023.
الأسير المحرر: الأسرى حوَّلوا الزنازين إلى قاعات للدراسة.. ومناهج بخط اليد على قصاصات ورقية.. وتعلمت «العبرية» وسجلت بالجامعة المفتوحة
فى قلب هذه التجربة، وُلد التعليم، بحسب «الأشقر»، الذى تابع بقوله: «رغم أن الكتب لم تكن متاحة، ولا الدفاتر، فكل شىء كان يُنسخ يدوياً، بكثير من الصبر والإصرار، ليصنع الأسرى عالمهم الثقافى والمعرفى وسط الجدران الأربعة»، إذ كان أمام الأسير أحد خيارين، إما أن يغرق فى الاكتئاب والغضب، أو أن يحوِّل سجنه إلى محراب للعلم، وأضاف: «بالنسبة لى، بدأت رحلتى فى اليوم الثالث بعد خروجى من التحقيق، إذ تم اعتقالى فى 14 نوفمبر 2002، وخرجت من التحقيق فى 1 يناير 2003، وهناك بدأت أسأل: ماذا نفعل هنا؟ كنت أبحث عن وسيلة للنجاة من الفراغ القاتل، وطلبت أن أقرأ فأعطانى الأسرى كراسات الأسر، التى تحكى عن تاريخ الحركة الأسيرة ونشأتها وتطورها، وعن نضالات «فتح»، وبقية الفصائل، وكانت كلها مكتوبة بخط اليد، وبالفعل بدأت بنسخها وتعلمت كيفية إخفائها عن أعين السجان، لأن الجنود كانوا يصادرونها فور العثور عليها، باعتبارها مواد تحريضية، إذ يرون فى تنظيمنا لحياتنا داخل السجن تهديداً أمنياً».
يعود «الأشقر» بالحديث للوراء بسنوات طويلة، سنوات غيَّرت مسار حياته، قائلاً: «حين دخلت المعتقل لم أكن قد قرأت أى كتاب خارج المناهج المدرسية، حصلت بالكاد على الثانوية العامة، ووجدت نفسى أمام تحدٍّ هائل، فبدأت بنسخ الكتب يدوياً، قرأتها أكثر من 20 مرة، وهذا ما رسَّخ معرفتى، وسرعان ما وجدت نفسى أتحوَّل من متلقٍّ إلى معلم، فكلما دخل أسير جديد توليت مهمة توعيته، وإعطائه نسخاً من الكراسات، وتقديم دورات ثقافية له حول التاريخ الفلسطينى والاعتقال والحياة داخل السجن، ومع مرور الوقت تطور جهدى الفردى إلى دور تنظيمى، إذ إن فى عام 2003 أصبحت مسئولاً عن اللجنة الثقافية فى السجن، وبدأنا آنذاك بتنظيم دورات فى التاريخ الفلسطينى، وتعليم اللغات، ومحاربة الأمية»، وتابع مبتسماً: «أتذكر أننا أطلقنا مجلة شهرية بعنوان (فلسطيننا)، ونظمنا مسابقات ثقافية، كل ذلك من داخل الزنزانة».
حتى عام 1992، كانت سلطات الاحتلال ترفض تماماً إدخال التعليم الجامعى للسجون، لكن بعد الإضراب الشهير ذلك العام، حقق الأسرى إنجازات نوعية، أهمها السماح بالدراسة عن بُعد فى «الجامعة العبرية المفتوحة»، وأضاف الأسير المحرَّر قائلاً لـ«الوطن»: «تعلمت اللغة العبرية، وسجَّلت فى الجامعة العبرية المفتوحة عام 2004، رغم أن الدراسة الجامعية داخل السجون لم تكن بالأمر السهل، كنت أُعدّ الوظائف، ويأتى الدكتور إلى السجن فقط فى وقت الامتحان، وهى تجربة مرهقة كونها تتم بلغة جديدة، وتحتاج إلى جهد مضاعف»، موضحاً أن هذا الأمر استمر حتى عام 2007، حين منعت سلطات الاحتلال التعليم الجامعى، بعد أسر الجندى جلعاد شاليط.
وأضاف أن الأسرى بدأوا يبحثون عن بدائل، وتمت مخاطبة الجامعات الفلسطينية، والسلطة الوطنية، ووزارة الأسرى، ونادى الأسير، وبفضل جهود مشتركة، بدأت بعض الجامعات، وعلى رأسها «جامعة القدس المفتوحة»، بقبول تسجيل الأسرى، ولاحقاً تبعتها جامعات فلسطينية أخرى، وهنا ظهرت الحاجة إلى نظام تعليمى خاص داخل السجون، يُدار بالكامل على أيدى الأسرى أنفسهم، مشيراً إلى أنه كان فى ذلك الوقت مسئول التعليم فى سجن «جلبوع»، وتم تشكيل فرق من الأسرى المثقفين، ممن يحملون درجات علمية عليا، لقيادة العملية التعليمية، موضحاً أن الانطلاقة الحقيقية بدأت فى سجن «هداريم»، على يد الأسير الدكتور مروان البرغوثى، الذى يُعتبر الرائد الحقيقى لمشروع التعليم الثورى داخل السجون، إذ ساهم فى تخريج مئات الأسرى، بينهم أكثر من 300 أسير نالوا درجة الماجستير، وأكثر من 1200 أسير حصلوا على شهادة البكالوريوس، وعدد منهم يتابعون اليوم دراساتهم العليا، أو أصدروا كتباً ودواوين شعرية وأبحاثاً علمية.
وعاد «الأشقر» ليتحدث عن تجربته الشخصية داخل سجون الاحتلال، والتى يراها من معجزات نضال الحركة الأسيرة على المستوى الشخصى، قائلاً: «لم أعتمد فقط على الدراسة الرسمية، بل استثمرت وقتى فى القراءة الذاتية، أحياناً أكثر من 10 إلى 12 ساعة يومياً، إذ بدأت بدراسة التاريخ، ثم انتقلت إلى السياسة، وكنت دائماً أقدِّم دورات ثقافية فى هذين المجالين، بالتوازى مع دراستى الجامعية للبكالوريوس، ثم الماجستير، الذى كان بلا شك من أصعب مراحل الدراسة، خاصة أننى أنجزته داخل المعتقل، فى ظروف قاسية».
وعن طريقة الدراسة داخل سجون الاحتلال، أوضح أن الأسرى، فى كثير من الأحيان، لا يجدون المادة العلمية لدراستها، ولكنهم ملتزمون بأداء الامتحانات، فكان بعضهم يقوم بتأليف المناهج بأنفسهم، فعلى سبيل المثال، فى موضوع الاقتصاد السياسى، تم تشكيل لجنة تضم ثلاثة من الأسرى ممن لديهم معرفة واسعة بهذا المجال، فكتبوا المادة من مصادر متفرقة، ما بين صحف وكتب، ثم قام عشرات الأسرى بنسخها بخط اليد، وكانوا يقومون بإخفائها حتى لا تقع فى أيدى حراس السجن، حيث كان يتم كتابتها بخط صغير جداً على قصاصات ورقية، يتم حفظها على شكل كبسولات فى حجم حبة الدواء، وأشار إلى الطرق التى كان يلجأ إليها الأسرى لإخفاء تلك القصاصات، وتتحفظ «الوطن» على الإفصاح عنها، لحماية العملية التعليمية التى تشهد تضييقات شديدة داخل سجون الاحتلال.
وتابع «الأشقر» أن الأمور تغيرت تماماً بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، لم يعد مسموحاً بدخول أى أوراق إلى الأسرى، وأصبحت الظروف التعليمية شبه مستحيلة.