نائب رئيس «جامعة القدس»: الأسرى ليسوا ضحايا بل مثقفون وفاعلون

كتب: ماريان سعيد

نائب رئيس «جامعة القدس»: الأسرى ليسوا ضحايا بل مثقفون وفاعلون

نائب رئيس «جامعة القدس»: الأسرى ليسوا ضحايا بل مثقفون وفاعلون

تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد

«روايتى ليست استثناءً، كلنا نحمل ذات الوجع»، بهذه العبارة بدأ الدكتور جهاد البطش، نائب رئيس «جامعة القدس المفتوحة» لشئون قطاع غزة، سرده الطويل لتجربة شكَّلت، كما يقول، ملامحه النفسية والفكرية، ووضعت اسمه فى الصفوف الأولى لشباب الانتفاضات الفلسطينية، لكن بثمنٍ باهظ عائلياً ووطنياً وإنسانياً.

فى بداية حديثه، وقبل البدء فى سرد تجربته كمعلم، توقف «البطش» عند أحد المشاهد التى لا تغيب عن ذاكرته، ليروى بصوت يغلب عليه الحنين والغضب: «مرة من المرات اللى أثرت فىّ جداً، جاء ضابط وقال لأبوى: مين أولادك؟، فقال له: فلان وفلان، دايماً أبى يترك اسمى آخر اسم، لأنه كان يعرف أنهم يقصدوننى، فقال له الضابط: وجهاد مش ابنك؟، فقال: ابنى، ليش مش ابنى؟، فجأة وجدت الضابط يصفع أبى على وجهه، وحينها كان عمره نحو 65 سنة، ووقتها لم أكن أعلم ماذا أفعل، لكننى تأثرت جداً، وظل ذلك يؤلمنى كثيراً»، وبصوت متماسك استعاد لحظة أخرى محفورة فى ذاكرته: «فى اليوم السابع من العدوان على غزة عام 2014، أول مجزرة كانت بحق عائلتنا، عائلة البطش، إذ راح 21 شهيداً بصاروخ ضرب مقر العائلة، وفى الحرب الأخيرة، ارتفع العدد، حتى الأسبوع الماضى، إلى 138 شهيداً من العائلة، وبيتين محوا من السجل، مسحا تماماً»، وتابع بصوت متألم: «أمى استشهدت، عمرها 96 سنة».

«البطش»: القضبان لا تمنع الأسرى الفلسطينيين من البحث عن المعرفة واستكمال التعليم.. وحوَّلنا الزنازين المعتمة إلى قاعات للدراسة

وتابع «البطش» بقوله: «مثلى مثل أى فلسطينى، كل رواية راح تكون نسخة من رواية كل الشباب، منذ أن كنا طلاباً فى المدارس، كنا دائماً نشتبك مع قوات الاحتلال بالحجارة»، وأضاف فى حديثه لـ«الوطن» قائلاً: «لكن أبرز ما يميز تجربتى أنه فى كل مرة يتم اعتقالى فيها، كنت الأصغر سناً بين صفوف الأسرى»، مشيراً إلى أن كثيراً من الصحف كانت تنشر صوراً له داخل المعتقل. واستكمل «البطش» حديثه عن تجربته داخل سجون الاحتلال لسنوات متقطعة، مضيفاً أنه زامل كلاً من عبدالعزيز الرنتيسى، ومروان البرغوثى، وإسماعيل هنية، ويحيى السنوار، داخل زنزانة واحدة، مؤكداً أن قضبان السجن لم تكن مانعاً أمام شغفه بالمعرفة، وأضاف: «قرأت التوراة والإنجيل والقرآن، تعلمت اللغة من خلال أحكام القرآن، وقرأت فى الأدب الروسى»، مشيراً إلى أن الاحتلال كان دائماً يضع العراقيل أمامه لمنعه من استكمال دراسته، حيث فرض عليه إقامة جبرية، ثم اعتقاله والزج به فى السجن، حتى بلغ عمره 26 سنة دون أن يكمل تعليمه الجامعى، حيث كان يحلم بالالتحاق بجامعة «بيرزيت»، وتحدث عن تجربته الأولى فى السجن قائلاً: «فى ديسمبر 1983، كنت فى عمر 16 عاماً، وسمعت عبر الراديو عن حصار أبوعمار فى طرابلس، غضبت جداً، عرفت حينها بأن هناك مظاهرات فى الجامعة، قفزت عن السور، وانضممت للمتظاهرين»، وفى ذلك الوقت انضم إلى تنظيم «شبيبة فتح»، وأضاف أن أول استدعاء من المخابرات الإسرائيلية كان فى إحدى الليالى خلال شهر رمضان: «كان ميعاد الذهاب بعد الإفطار، وكانت أمى تجهز لى الطعام وحدى، قبل إخوانى الـ11 الآخرين، وبعدها ذهبت لمكتب المخابرات، وبعدها بدأت رحلة الضرب والملاحقة، ووقتها كانت فقط البداية، وأدركت أنه يجب علىَّ استكمال الدراسة تحت أى ظرف»، وبالفعل التحق بجامعة القدس المفتوحة، وكتب سلسلة مقالات عن الأسرى، كما عمل مع عدد من المؤسسات المعنية بشئون الأسرى، وأسس أول قسم علاقات عامة فى وزارة الأسرى، كما وضع أول برنامج إعلامى لتسليط الضوء على معاناة الأسرى داخل سجون الاحتلال.

وبلهجة المنتصر، استطرد الدكتور جهاد البطش فى حديثه لـ«الوطن» قائلاً: «كان الاحتلال دائماً ما يحاول منعى من استكمال التعليم، فى ثانى أيام التوجيهى استدعونى قبل الامتحان بساعتين، قلت لبعض الأصدقاء وقتها لن أذهب إلا بعد الامتحان، لأننى كنت حابب أنجح، وأدخل بيرزيت، لكنهم اقتحموا منزلى، واعتقلونى قبل موعد الامتحان، لأنه كان عندى موقف سابق، لما ألقيت كلمة باسم فتح فى اعتصام لدعم الأسرى، وخالفت موعد الاستدعاء، عذبونى بعدها 3 أيام»، وتابع بفخر: «فى مرة سجنونى 18 يوماً بسبب منشور كتبه (أبوجهاد)، ووزعته من هناك، طور ثقافتى الأمنية، وحين اندلعت الانتفاضة الأولى، كنت عضواً فى أول قيادة وطنية موحدة».

لكن التجربة التعليمية الأكثر صعوبة وعمقاً فى مسيرة «جهاد البطش» لم تكن تلك التى خاضها طالباً، بل كانت حين تحوّل من متلقٍ للعلم إلى ناقل له، من سجين يقرأ فى الظلام، إلى منارة تهدى الأسرى زادهم الفكرى، فكان النضال الأكبر فى حياته هو أن يُعلّم الأسرى داخل معتقلات الاحتلال، رغم أن كل شىء فى السجن صُمم ليمنع المعرفة، وعن ذلك، قال «إن الأمر بدأ أولاً بمراسلات شاقة، ومخاطبات رسمية، بالتعاون مع مؤسسات تُعنى بشئون الأسرى، وكانت الفكرة أن يُمنح الأسرى فرصة للتعليم الجامعى الرسمى، عبر تسجيلهم فى الجامعات الفلسطينية، وبعد جهود مضنية، نجحوا فى فتح هذا الباب لأول مرة عبر جامعة القدس، ومنها توسعت المبادرة لتشمل جامعات أخرى، مثل جامعة الأقصى وغيرها، غير أن الموافقة على فتح أبواب العلم كانت، فى حقيقة الأمر، مجرد بداية لمعركة أكثر تعقيداً».

..

وأوضح: «كنا نواجه صعوبات هائلة فى الوصول إلى الطلبة الأسرى»، مشيراً إلى أنه بعد تسجيلهم، تبدأ المعاناة الحقيقية، والتى تتمثل فى «كيف يمكن توصيل الكتب إليهم؟، كيف يمكن شرح المناهج لهم؟، كيف تجرى متابعتهم وإجراء الامتحانات لهم؟»، وفى مواجهة هذا الواقع، لم يتوقف «البطش» وزملاؤه من طواقم التدريس للأسرى، عند حدود الصعوبات، بل ابتكروا وسائلهم الخاصة لمقاومة الجهل داخل الأسوار، «كنا نضطر لتغيير أغلفة الكتب، فبدلاً من أن نُدخل كتاباً فى الاقتصاد أو التاريخ السياسى بعنوانه الحقيقى، نُغلفه بغلاف كتاب عن طريقة عمل البيتزا، أو كتاب وهمى عن الديكور المنزلى، أو حتى مجلة عن الحدائق، فقط لنعبر به من يد السجّان، دون إثارة الشكوك»، بهذه الطرق الالتفافية، استطاعوا إدخال كتب السياسة والفكر والفلسفة والاقتصاد والأدب، وأتاحوا للأسرى فرصة نادرة للنهل من نهر المعرفة، رغم الرقابة الخانقة.

لم يكن التدريس سهلاً، فإلى جانب غياب القاعات والسبورات، كانت الحواجز الأمنية والرقابة تمنع أى نوع من اللقاء المباشر بين المعلم والطالب، فكان يجرى التواصل عبر الجدران، بهواتف مهربة أحياناً، ويتم تمرير الملاحظات باليد، وكان بعضهم يحفظ المحاضرات عن ظهر قلب، ينقلونها شفاهة بين الزنازين، فكانوا يدرسون عبر الحوارات الليلية، وأحياناً ينتظرون الاجتماع فى باحة السجن لعدة دقائق يستغلونها كأنها محاضرة، وبمرور الوقت، تحوّلت أقسام السجون إلى فصول دراسية، وارتفعت بين الجدران أصوات النقاشات الفكرية والجدل السياسى والتحليل التاريخى، بينما كان الاحتلال يحاول إخمادها بكل وسيلة، لكن الفكرة كانت قد كبرت، وتحوّلت إلى واقع.

وأضاف «البطش» أن هذه التجربة لم تكن مجرد تعليم أكاديمى، بل كانت محاولة لاسترداد الهوية داخل الزنزانة، وتثبيت الذات فى مواجهة المسخ، وبناء الإنسان فى وجه أدوات القمع، مؤكداً أن «التعليم خلف القضبان عمل تحررى بامتياز»، وبالفعل بعض الأسرى أنهوا درجة البكالوريوس داخل السجن، وبعضهم تابع الماجستير بعد التحرر، وبعضهم صار اليوم أستاذاً جامعياً أو باحثاً، وكان ذلك أعظم انتصار، واختتم حديثه بقوله: «لا أنسى محاولاتى مع المعتقلين فى الداخل للشرح لهم بالساعات على هاتف مهرب، وكيف كانوا ينصتون ويرتبون أفكارهم وأسئلتهم ويتجاوبون بهدوء، من أجل الفهم والتحصيل، ورغم صعوبة التواصل، لكن كنت أنظر إلى النتائج بفخر».


مواضيع متعلقة