أشرف غريب يكتب: الفلسطيني المجهول الذي بعثته حرب غزة من جديد
يدهشنى كثيراً حين أتأمل رموز الفن الفلسطينى فلا أجد اسماً بارزاً أو معروفاً على نطاق واسع فى كل أرجاء الوطن العربى، ربما بفعل حالة الشتات التى يعيشونها منذ النكبة الكبرى سنة 1948 وانشغالهم بقضيتهم الأساسية، قد تجد فى الأدب أسماء لها بريقها مثل محمود درويش وسميح القاسم وهارون هاشم رشيد وإيميل حبيبى وغسان كنفانى ومعين بسيسو، أما فى الفن فالأمر مختلف، ربما على استحياء باستثناء الأسماء التى برزت فى عالم الإخراج السينمائى أمثال: ميشيل خليفى ورشيد مشهراوى وإيليا سليمان وهانى أبوأسعد، وقبلهم محمد صالح الكيالى ثم غالب شعث، وقبل هؤلاء وهؤلاء المخرج إبراهيم لاما الذى يُعد أول مخرج سينمائى عربى حقيقى، ورغم قيمة إبراهيم لاما وريادته لفن الإخراج السينمائى العربى فقد غفلت عنه أنظار الباحثين لأسباب غير معروفة، وحتى أولئك الذين كتبوا عنه فى حياته أو بعد رحيله منتحراً فى عام 1953 عقب وفاة شقيقه الممثل بدر لاما بست سنوات، افتقدت كتاباتهم الدقة وربما حسن المقصد أيضاً، فجاءت مليئة بالافتئات والمغالطات التى أصابت كل معلومة فى حياة هذا المخرج الفلسطينى الرائد وبالتبعية حياة شقيقه الممثل بدر لاما، فكل شىء يخص الرجل من أول اسمه وتاريخ ميلاده وجنسيته وديانته وصولاً إلى فيلمه الأول وتاريخ عرضه أصابه الخلل البحثى وميوع الحقيقة، وربما كانت الحرب فى غزة وتصدُّر القضية الفلسطينية لواجهة الأحداث العربية وتسليط الضوء على كل ما هو فلسطينى فرصة مناسبة للاقتراب من أحد رموز الفن الفلسطينى على قلتها، وإعادة توثيق حياته بصورة أكثر دقة وانضباطاً.
والآن.. انسَ تقريباً كل ما عرفته عن الأخوين لاما، وتعالَ نعيد قراءة تاريخ الرجلين من جديد لأننا لن نستطيع أن نفصل بين حياة الشقيقين على الأقل حتى مرحلة متقدمة نسبياً من حياة الشقيق الأكبر إبراهيم لاما.
قبل سنوات أذاعت قناة الغد الفلسطينية فيلماً وثائقياً مهماً عنوانه «الأخوين لاما.. رواد السينما العربية» للمخرج الفلسطينى رائد دوزدار أزال كثيراً من اللبس على الأقل فيما يتعلق بالجانب الشخصى للشقيقين إبراهيم وبدر لاما، حيث تحدث العديد من أفراد عائلتهما وبعض المؤرخين والفنانين فى مصر وفلسطين، وحسم كثيراً من الجدل الذى أحاط بالمعلومات الأساسية عن الرجلين التى وضح أنها كانت برمتها مغلوطة وغير صحيحة.
اسم مخرجنا بالكامل هو إبراهيم عبدالله سعيد الأعمى، من مدينة بيت لحم فى فلسطين، وهو من عائلة الأعمى التى تُعد من أشهر العائلات بالمدينة، وتستقر تقريباً فى حارة الفراحية، إحدى الحارات السبع التى تضمها مدينة مهد السيد المسيح عليه السلام، وهذا معناه مبدئياً أن لقب عائلته هو الأعمى، وليس لاماس أو لاموس أو سلامة أو حتى لاما كما ردد البعض، هاجر أبوه إلى شيلى فى أمريكا الجنوبية عام 1890 بغرض التجارة فى التحف والمشغولات والتذكارات المقدسة التى تشتهر بها المدينة على أثر اضطراب الأوضاع المعيشية تحت الحكم العثمانى لفلسطين والتى دفعت كثيراً من العائلات للهجرة إلى الأمريكتين، ومن بينهم عائلة الأعمى التى هاجرت إلى شيلى بأعداد كبيرة، وفى العاصمة سينتياجو استقر عبدالله، وراجت تجارته، فتزوَّج من تلحمية كانت سبقته للهجرة مع أسرتها وأنجب منها أبناءه الثلاثة عيسى وإبراهيم وبطرس، ما يعنى أن إبراهيم هو اسمه الحقيقى، وأن بطرس قد تم تحريفه تدريجياً فى بلاد الغربة إلى بدرو حتى صار «بدر» فى مصر، ووُلد إبراهيم فى العاصمة الشيلية عام 1904، وبعد أربع سنوات جاء إلى الدنيا شقيقه الأصغر بطرس أو بدر وفق ما ذكرته الفنانة بدرية رأفت زوجة بدر وليس فى العام 1907 بحسب ما جاء فى الفيلم الوثائقى.
غير أن أهم ما ورد فى هذا الفيلم -فى ظنى- هو شهادة المسئول عن مكتب رعاية اللاتين فى بيت لحم المختص بشئون كل العائلات فى المدينة والذى يسجل فى دفاتره منذ عام 1620 البيانات الخاصة بالميلاد والعماد والتثبيت والزواج والوفاة، يذكر المسئول من واقع سجلاته أن بطرس أو بدر تم تثبيته فى بيت لحم بتاريخ السادس والعشرين من أبريل 1914 أثناء إحدى زيارات الأسرة إلى فلسطين، وأن الأب توفى هناك عام 1917، بينما توفيت الأم فى مصر بعد ذلك، أما الأخ الأكبر عيسى فقد توفى شاباً فى شيلى، وهذه الشهادة تقطع بما لا يدع مجالاً للشك بأن الأخوين إبراهيم وبدر لاما مسيحيان وليسا يهوديين كما ذهب المؤرخون، وأن الاتهامات التى ظلت قديماً وحديثاً تطارد الشقيقين لاما بسوء النوايا، أو أنهما كانا جزءاً من خدمة المصالح الصهيونية عند حضورهما إلى مصر باطلة ولا أساس لها من الصحة.
وأترك شهادات الفيلم المذكور بعد أن ألتقط منها خيطاً بسيطاً يخص بداية تعلق إبراهيم بالسينما، حيث كان الوالد الحاذق بأمور التجارة قد افتتح فى شيلى محلاً لأدوات التصوير الفوتوغرافى على أثر انتشار هذا الاختراع ورواجه، ومن هنا بدأ تعلق إبراهيم بالكاميرا، حيث بدا مهووساً بتصوير أى شىء وخاصة شقيقه بدر، فنشأ الأول محباً للوقوف خلف الكاميرا، بينما الآخر معجباً بالوقوف أمامها، ثم طوَّر كل منهما من اهتماماته السينمائية بوجه عام فأصبح الأول مخرجاً فيما أضحى الثانى ممثلاً.
وبوصول إبراهيم وشقيقه إلى مصر عام 1926 على الأرجح حدث التحول الكبير ليس فقط فى حياتهما، وإنما فى تاريخ صناعة السينما فى مصر والوطن العربى.