ثروت الخرباوي يكتب: «الأزهر في مرمى الإخوان»: الحصن الذي لم يسقط

كاتب صحفي

فى تاريخ الإسلام المصرى الحديث، قلَّما وُجدت مؤسسة أثارت من حولها هذا القدر من المعارك الخفية والمعلنة مثلما فعل الأزهر الشريف، فهو ليس مجرد جامعة ولا مجرد منبر وعظ، بل هو الذاكرة الدينية العميقة لمصر، والعين التى ظلَّت تراقب بصبر الصوفية وحكمة الفقه تقلبات السياسة، ومحاولات العبث بالدين.

لذلك، لم يكن غريباً أن يكون الأزهر هدفاً دائماً لجماعة الإخوان التى رأت فيه العقبة الأكبر أمام مشروعها لاحتكار الخطاب الدينى، وفرض نموذج «المرشد».

ورغم أن الجماعة رفعت، فى بداياتها، شعارات دينية تستميل العامة وتستدعى العاطفة الدينية للمصريين، إلا أنها لم تكن يوماً ابنة الأزهر، بل كانت على الدوام فى حالة توتر معه، فحسن البنا لم يتخرج من الأزهر، بل وفشل فى الالتحاق به، فذهب إلى المدرسة التجهيزية لدار العلوم، التى كانت -وقتها- من معاهد إعداد المدرسين، لا العلماء، وقد أسَّس جماعته على منوال تنظيمى حديث، أقرب إلى الأحزاب ذات الطابع التنظيمى العسكرى منه إلى الحركات العلمية أو الدينية.

ولذا، لم تكن علاقته بالأزهر علاقة امتداد، بل علاقة مواجهة خفية، تحوَّلت لاحقاً إلى صراع صريح، كما أن الأزهر ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل هو المرجعية الدينية الأهم فى العالم السنى، وتاريخه الممتد منذ أكثر من ألف عام، جعله يتمتَّع باستقلال روحى وعلمى لم تحظ به مؤسسة دينية أخرى فى العالم الإسلامى. فالعلماء يتداولون فيه الفقه والفلسفة والتفسير والتصوف بحرية نسبية، لا تحكمهم إملاءات السلطة السياسية إلا نادراً، ولا يلتزمون بخطاب حزبى إلا اضطراراً.

ولهذا، فإن السيطرة على الأزهر كانت تعنى -بالنسبة لأى قوة سياسية- امتلاك الشرعية الدينية فى نظر العامة، ومن هنا جاء حرص الجماعة على اختراق الأزهر، لا حباً فيه، بل لإعادة تعريفه من الداخل.

ومنذ تأسيس الجماعة فى أواخر العشرينات، كانت أعين قادتها على الأزهر، ليس فقط لأنهم أرادوا دعمه، بل لأنهم أدركوا أن وجود مرجعية دينية تقليدية مستقلة يُضعف من قدرتهم على احتكار الفتوى وتوجيه العوام باسم الإسلام.

ولذلك حاولت الجماعة مراراً عبر تاريخها قديماً وحديثاً تصوير الأزهر كمؤسسة «عاجزة»، «خاضعة»، «بعيدة عن روح الثورة»، لتفتح الطريق أمام خطابها البديل، وقد استغلَّت فى ذلك ضعف بعض المشايخ، وتواطؤ البعض الآخر، ولكن الأزهر ظل، فى عمومه، عصياً على الترويض.

وبقراءة التاريخ الإخوانى نجد أن محاولات اختراق الأزهر بدأت مبكراً، لكنها اتخذت آنذاك طابع التودد والاستقطاب، ولذلك فإن بعض الشيوخ الذين تعاطفوا مع الخطاب العاطفى للجماعة وجدوا أنفسهم منجذبين إلى فكرة «الإصلاح الدينى» التى رفعتها، دون أن يدركوا أن المقصود بهذا الإصلاح هو الهيمنة لا التجديد، فكان بعضهم، بطيب نية أو بميل سياسى، يفتح الباب لتلاميذ الجماعة كى يدخلوا إلى حرم الأزهر الجامعى، وينسجون علاقاتهم بهدوء فى الكليات الدينية، ويبدأون تكوين الخلايا الفكرية والتنظيمية داخل الجسد الأزهرى.

وفى السبعينات، ومع صعود الجماعات الإسلامية داخل الجامعات المصرية، تحوَّل الأزهر إلى أحد المعاقل الأساسية لنشاط تلك التنظيمات الإخوانية، وكانت الساحات الخلفية للكليات تشهد جلسات سرية، وأحياناً علنية، لتلقين الطلبة فكر «الحاكمية»، وشرح الفارق بين «الإسلام الرسمى» و«الإسلام الحق»، و«الإسلام الصحيح» و«الإسلام المريح» فى إشارة واضحة إلى أن الأزهر جزء من النظام الذى يجب تجاوزه، هكذا بدأت الجامعات، ومنها جامعة الأزهر، تتحول إلى ما يشبه المعسكرات الأيديولوجية، لم يكن الهدف مجرد التأثير على الطلاب، بل تفريخ كوادر دينية محسوبة على الجماعة، تحمل لقب «خريج أزهرى»، لكنها تدين فى فكرها ومنهجها للمرشد لا للمشيخة، للخطاب الدينى الإخوانى المنحرف لا للخطاب الدينى الأزهرى الوسطى المعتدل.

ثم جاءت لحظة فارقة فى ديسمبر 2006، حين فجَّر طلبة الإخوان ما سُمِّى لاحقاً بـ«العرض العسكرى» داخل أسوار جامعة الأزهر. كانوا يرتدون زِياً أسود، يضعون أقنعة، يتحركون على نمط الميليشيات، ويلقون التحية بطريقة أقرب إلى الفاشية منها إلى الدعوية، كان المشهد صادماً للرأى العام، لكنه كان أكثر إيلاماً لرئيس الجامعة وقتها، الدكتور أحمد الطيب، الذى لم يكن بعدُ شيخاً للأزهر، لكنه كان شاهداً حياً على محاولات تسييس الأزهر واختراقه من داخله.

لم يكن الأمر مجرد عرض رمزى، بل كانت هناك محاولة لاقتحام مكتبه، وكأنما أرادوا توصيل رسالة مبكرة: «نحن هنا، وسنصل إليك».

لم تكن محاولات الجماعة لزعزعة الأزهر قاصرة على النشاط الطلابى، بل امتدت لتشمل حملات نفسية وميدانية ضد شخص الإمام نفسه، فمنذ أن تولَّى الدكتور أحمد الطيب مشيخة الأزهر، وضعت الجماعة عينها عليه، وبدأت تبحث عن بديل يُقدَّم للعامة بوصفه شيخ الأزهر «الحقيقى». وهكذا رُفع اسم يوسف القرضاوى، الذى يحمل الجنسية القطرية، ويقيم فى الدوحة، وتُديره أجهزة غير مصرية، باعتباره الرجل الذى يجب أن يخلف الطيب فى المشيخة، كانت الرسائل تخرج من الصفحات التابعة للإخوان، ومن بعض الأصوات الإعلامية، تُمهِّد لخطبة جمعة يُلقيها القرضاوى من فوق منبر الأزهر، فى سابقة لم تحدث من قبل. وحين أعلنوا أن صلاة الجمعة خلف القرضاوى ستكون «تاريخية»، أدرك شيخ الأزهر أن المسألة تتجاوز الخطبة، وأن الجماعة تحاول أن تُقيم مشهداً رمزياً جديداً يقول إن المرجعية الدينية قد انتقلت من الأزهر إلى الجماعة.

وفى ظل كل هذه المحاولات، حافظ الأزهر على تماسكه. لم يكن ذلك بسبب شجاعة فردية فحسب، بل لأن الذاكرة الأزهرية نفسها -التى تعود إلى قرون من مقاومة العبث الدينى- لا تقبل أن تتحول إلى ذراع لتنظيم أو سلطة، لقد فشلت الجماعة فى أن تستحوذ على الأزهر، لأنها لم تفهم روحه، ولم تقرأ تاريخه، بل ظنت أن كل المؤسسات يمكن أن تُخترق، فنسيت أن بعض الحصون، وإن بدت ساكنة، لا تسقط بسهولة.

«الجماعة» حاولت عبر تاريخها تصوير «الأزهر» كمؤسسة «عاجزة وخاضعة» لتفتح الطريق أمام خطابها البديل ولكن الأزهر ظل عصياً على الترويض

وحين دخلت الجماعة إلى الحكم فى صيف 2012، ظنَّت أن الطريق قد بات مفتوحاً أمامها لإعادة رسم المشهد الدينى كله، وأن الأزهر، الذى استعصى طويلاً على التطويع، يمكن تدجينه من بوابة الرئاسة، كانت بداية العهد تحمل من الدلالات ما يكفى لفهم النوايا: ففى جلسة حلف اليمين التى أُقيمت بجامعة القاهرة، حضر الإمام الأكبر، لكنه فوجئ بتجاهل مقصود، إذ أُزيل كرسيه من الصف الأول ليجلس بدلاً منه رئيس مجلس الشعب عن الجماعة، الدكتور الكتاتنى، فيما أُجلس شيخ الأزهر فى الصف الثانى، فى ما بدا إهانة رمزية مدروسة، لا تخفى على العارفين بلغة البروتوكول، لم يفتعل الشيخ الطيب ضجيجاً، لكنه انسحب بهدوء، وقال جملته البليغة: «أنتم بدأتم بدرى أوى». لم تكن الكلمات للعتاب، بل للتشخيص، فالجماعة، التى لم تُكمل يومها الأول فى السلطة، بدأت فوراً بخطة الإزاحة، وتحديد مواقع القوى، ورسم صورة جديدة للمرجعية تكون فيها يد الإخوان هى العليا.

ثم بدأت الضغوط المباشرة، فلم تلبث دوائر الجماعة أن حاولت الدفع نحو تعديل قانون الأزهر، بحيث يكون لرئيس الجمهورية سلطة تعيين وعزل الإمام الأكبر، وهى سلطة لم تكن حتى فى يد الملك ولا الرئيس عبدالناصر نفسه، وكانت الفكرة أن تتحول مشيخة الأزهر إلى منصب إدارى تابع لمكتب الإرشاد، وأن يُعاد هيكل الأزهر بحيث يصبح جزءاً من المشروع السياسى لا الدينى فقط، فى الوقت نفسه استُخدمت أدوات التأثير الإعلامى والإلكترونى للترويج إلى أن يوسف القرضاوى هو المرجعية الشرعية الحقيقية، وأنه هو مَن يجب أن يكون شيخاً للأزهر، حتى وإن لم يكن مقيماً فى مصر، ولا عضواً فى هيئة علمائها، بل وإن تخلى طوعاً عن الجنسية المصرية يوم أن حمل جواز سفر قطرياً.

وفى أبريل من العام التالى، تفجَّرت حادثة تسمُّم طلاب المدينة الجامعية بالأزهر. فجأة، تنتشر الأخبار عن مئات الطلاب المصابين بتسمُّم غذائى بعد تناولهم وجبة فاسدة، امتلأت المستشفيات، وانتقلت الكاميرات، وانهالت التصريحات من قادة الجماعة وأنصارها، وبدأ الحديث عن «الإهمال المتعمَّد» و«الفساد فى الأزهر»، بل وعن «الجريمة السياسية».

لم يكن أحد من الواقعيين يصدق أن تسميم الطعام فى المدينة تم بالصدفة، لا توقيتاً ولا حجماً. الحادث وقع فى عزِّ التوتر بين الجماعة والأزهر، وبعد أيام من تصريحات «الطيب» الرافضة لانصياع المؤسسة الدينية لأجندة الإخوان، بدا أن الأمر مدبَّر، أو على الأقل مُستغل حتى آخر قطرة، لتشويه الأزهر وشيخه، ولإعطاء صورة أن المؤسسة تفشل فى رعاية أبنائها، وبالتالى فهى لا تستحق أن تقود الخطاب الدينى، لم تكن جريمةً تقليدية، بل كانت فصلاً جديداً من الصراع على الهيبة، واتضح أنها مختلقة بتوجيه من قيادات الجماعة لطلابها، حيث يتناولون أدوية آمنة تسبب الإسهال، ثم ادعاء التسمم، وفى حين ظنَّ من دبَّر وضخَّم الواقعة أنه سيكسر هيبة الإمام، جاءت النتيجة عكسية، إذ انكشفت اللعبة، واستشعر العقلاء أن هناك مؤامرة على الأزهر لا على الطعام، وعلى المرجعية لا على المدينة.

تحوَّل «الأزهر» إلى أحد معاقل نشاط التنظيمات الإخوانية فى السبعينات وكانت الساحات الخلفية للكليات تشهد جلسات سرية وأحياناً علنية لتلقين الطلبة فكر «الحاكمية» وشرح الفارق بين «الإسلام الرسمى» و«الإسلام الحق»

لقد فشلت الجماعة فى إخضاع الأزهر لأنها لم تدرك أن ما يمكن الاستحواذ عليه فى التنظيمات والنقابات والوزارات، لا يمكن نسخه على الأزهر، فالأزهر ليس هيكلاً إدارياً، بل كيان رمزى، له عقل جمعى، وذاكرة ممانِعة، وتقاليد تنفر من الغلو والتسييس، حتى ولو نجحوا فى تسييس بعض شيوخه وتجنيدهم واستقطابهم، ولكنهم أبداً لم يُفلحوا فى استقطاب المشيخة، ولا فرض مناهجهم، لم يكن الرفض بالأصوات العالية، بل كان بالتماسك الهادئ، بالإصرار على المرجعية المتوارثة، وبالإيمان أن الدين لا يُختصر فى حزب، ولا فى مكتب، ولا فى مرشد.

وهكذا ظلَّ الأزهر، فى زمن الاضطراب، هو الحصن الأخير، لا للسلطة، بل للدين من أن يُختطف، وللناس من أن يُضللوا باسم الدين. فطبيعة الأزهر تختلف عن المؤسسات التى نجحت الجماعة فى اختراقها. الأزهر ليس حزباً، ولا جماعة، ولا كياناً يتلقى تعليماته من رأس واحد، بل هو منظومة متشعبة من العلماء، والأساتذة، والطلاب، والهيئات، والكليات، والمجامع، واللجان. وكل هؤلاء، وإن اختلفوا فى بعض التفاصيل، فإنهم يتشاركون فى إحساس عميق بالاستقلال، وفى رفض أن يُؤمَّم الأزهر لحساب أى سلطة، دينية كانت أو سياسية، ومن هنا لم تكن مقاومة الأزهر للإخوان قراراً سياسياً بقدر ما كانت استجابة فطرية لمناعة كامنة داخل الجسم الأزهرى.

ثم إن هذه المؤسسة، على عكس ما يتوهمه البعض، تحتفظ بذاكرة حادة، تذكر جيداً كيف حاولت الجماعة اللعب معها منذ الثلاثينات، وتذكر كيف كانت كل مرة تنتهى بانكشاف النوايا، الذاكرة المؤسسية للأزهر تحمل أسماءً وتجارب، وتعرف الفارق بين مَن يريد الإصلاح، ومَن يريد الاستحواذ، ولهذا لم يكن من الصعب على القيادات الأزهرية، القديمة والحديثة، أن تلتقط نوايا الجماعة من أول نظرة، ومن أول خطاب، بل ومن أول صمت أيضاً.

لقد ظن الإخوان أن المرجعية الدينية شىء يمكن أن يُشترى أو يُستعار أو يُدار بقرار. لكنهم واجهوا مؤسسة عصيَّة على التسليع، لا لأن القائمين عليها ملائكة، بل لأن بنيتها التاريخية تمنع هذا الانزلاق، فالأزهر قد يضعف، وقد يترهَّل، لكنه لا يبيع نفسه، وهو فى لحظات الحقيقة، يعرف جيداً كيف يقف فى المكان الصحيح، حتى لو لم يرفع صوته عالياً.

وهكذا كان الأزهر، فى زمن الجماعة، بمثابة «جبل الطور» فى مشهد التيه: ثابتاً، شامخاً، لا يغريه وعد، ولا يرعبه تهديد. قاوم بمحافظته، وببطئه، وبقيمه الراسخة، ورفض أن يُصبح منبراً للفتوى حسب الهوى، أو حارساً على بوابة المرشد، وحين انقشع غبار الحكم، وبقيت المؤسسات فى حالة صدمة، كان الأزهر لا يزال واقفاً، بعمامته، وبالطيِّب الذى لم يُفرِّط، وبالذاكرة التى لم تخُن، وبالصمت الذى صدح أكثر من كل الخطب.