ثروت الخرباوي يكتب: ثورة يونيو: الشعب يخلع البيعة

فى عُرف الجماعات، البيعة عقد ولاء، أما فى وجدان الشعوب فهى قيد يجب كسره إن كان على غير إرادتهم، لذلك لم يكن ما حدث فى مصر فى 30 يونيو 2013 مجرَّد انتفاضة على رئيس، بل خلعاً لبيعة لم يُبرمها الشعب، ومواجهة مع تنظيم رأى نفسه أعلى من الدولة، وأقدم من الجمهورية، وأقرب إلى الله من الناس.

أراد الإخوان أن يحكموا مصر كما حكموا التنظيم: ببيعةٍ لا تُرد، وبأمرٍ لا يُناقش، وبمرشدٍ فوق الجميع، ولم يفهموا أن مصر ليست فرعاً من أفرع جماعتهم، ولا تتحرك بإشارة من «مكتب الإرشاد». ظنوا أن الشعب إذا انتخب رئيساً ثم غضب منه، فعليه أن يعض على أنيابه ويصبر، لكن المصريين لم يكونوا قد أقسموا على «السمع والطاعة»، بل انتخبوا رجلاً، لا أكثر. ولمّا فشل، سحبوا تفويضهم، وأسقطوا البيعة التى لم يبايعوها أصلاً.

بدأ كل شىء من استمارة. ورقة بسيطة كتب فيها المصريون رفضهم لحكم الجماعة. لم تكن مبادرة حزب أو تيار، بل نداءً شعبياً خالصاً: «ارحل». لم يحتج المصريون أكثر من جملة واحدة ليوقِّعوا، لا بالحبر فقط، بل بالدم والعزم واليقين.

صار التوقيع على استمارة «تمرد» طقساً وطنياً أشبه بأداء فرض العين.. كانت تلك الاستمارة بكل بساطة عقد نزع البيعة

صار التوقيع على استمارة «تمرد» طقساً وطنياً، أشبه بأداء فرض العين. كانت تلك الاستمارة، بكل بساطة، عقد نزع البيعة. خرجت استمارة «تمرد» كأنها نداء داخلى خافت يهمس فى وجدان الأمة: «هل رضيتم؟»، فجاء الرد كالرعد: «لم نرضَ». فقد وُلدت «تمرد» من رحم الغضب، لا من عباءة حزب أو تيار، وراحت تجمع التوقيعات كما تجمع الثورات جمرها، حتى تجاوزت العشرين مليون توقيع، لتعيد لنا ذكرى التوكيلات التى حررها المصريون لسعد زغلول وقت ثورة ١٩١٩، أما الملايين الذين وقعوا استمارة تمرد فلم يوقعوا على ورقة فيها عبارات الرفض، بل وقعوا على شهادة وفاة سياسية لنظامٍ لم يعِ أبداً أنه غريب عن المزاج المصرى، نافر عن ثقافته، متعالٍ عن تاريخه.

فى تلك اللحظة الحرجة، لم يكن الحراك الشعبى وحده كافياً ليشكل مساراً واضحاً للخلاص، فجاءت جبهة الإنقاذ الوطنى لتملأ فراغ القيادة السياسية، وكان أعظم ما فى هذه الجبهة هو أنها لم تكن كياناً واحداً، بل طيفاً من القوى الوطنية والديمقراطية: ليبراليون ويساريون، ناصريون ومستقلون، جميعهم التقوا فى نقطة واحدة: إنقاذ مصر من أخونة الدولة. وقد مثَّل قادتها آنذاك الغطاء السياسى الذى أعطى للمشهد الشعبى ثقله الدستورى، وللصوت الغاضب لغته الشرعية، إذ لعبت هذه الجبهة الوطنية دور العقل السياسى للثورة، ووضعت خريطة طريق واضحة، وأعلنت رفضها القاطع للاستبداد المغلَّف بالدين، وكان وجودها حائلاً دون أن يُصوَِّر الغضب الشعبى على أنه «فوضى عشوائية» أو «حنين للنظام السابق».

ولكن الإخوان تعاملوا مع الجبهة كأنها «كفار قريش»، ورفضوا الحوار أو التفاوض، وأصرُّوا على الادعاء بأن من يعارضهم فهو ضد الإسلام.

لم يكن الغرور وحده هو المشكلة، بل الجهل بأبسط قواعد الدولة، فقد كان قادة الجماعة يظنون أنهم محصَّنون، وأن الشرعية كُتبت لهم بمداد إلهى، لا يمكن انتزاعها بصوت الجماهير، لذلك خرجت تصريحاتهم تحمل تهديدات مباشرة: «من يفكر أن يقترب من الشرعية فليستعد للموت».

وكأن الله نزع منهم العقل والقلب فلم يلتفتوا لصوت الشعب، ولذلك تكرر التهديد من شيوخهم ودعاتهم وسياسييهم وإعلامييهم، الكل ينطق بصوت مرتعد: «من يفكر فى الخروج يوم 30 يونيو سيتحمَّل العواقب» وكأن الشعب قد صار تلميذاً فى فصلٍ دراسى عند الأستاذ خيرت الشاطر!! بل إن مرسى نفسه، فى خطابه الشهير قبل الثورة بأيام، بدا وكأنه لا يرى شيئاً خارج جدران القصر، وراح يستعرض عضلاته فى مؤتمر هزيل دعا إليه وزراءه ورجاله وشيوخ وطلائع جماعته، كان الخطاب بمثابة المسمار الأخير فى نعش شرعيته، فحتى المترددون فهموا أنه لا يسمع إلا صوت جماعته.

لم تهتم الجماهير بهذا الخطاب ولكنه فى الحقيقة زادها غضباً، فخرجت الجماهير وكان المشهد فريداً، كان أقرب إلى أسطورة شعبية يُروى فيها أن «الأمة استيقظت ذات نهار فخلعت عن نفسها عباءة الوهم».

نعم خرجت مصر فى 30 يونيو، خرجت كل مصر، من أقصاها إلى أقصاها، لم تعد الثورة حكراً على التحرير أو الاتحادية، بل صارت مشهداً واحداً فى كل المحافظات: ميادين البحيرة، كفر الشيخ، المنيا، أسيوط، الإسكندرية، السويس، بل حتى بعض معاقل الجماعة نفسها كالدقهلية والشرقية.

وعند الجماهير الهادرة الثائرة لا يُجدى وعيد، فعند غضبهم تفقد التهديدات معناها، تسقط التهديدات من أفواه قادة الإخوان على الأرض فتطأها أقدام الجماهير الثائرة، ولكن الإخوان لا يفهمون معنى غضب الجماهير وتمردها عليهم، وأظن أن عيون الإخوان أنكرت أن ميادين مصر تحولت إلى أمواج من بشر تهدر كما لم تهدر من قبل، التحرير، الاتحادية، الشوارع الجانبية، وحتى النجوع الصغيرة. صوت واحد يهتف: «ارحل».

لم يفهم الإخوان، ولن يفهموا، أن هذا المشهد لم يكن احتجاجاً، بل إعلاناً جماعياً: نحن هنا، ونحن نرفض، وإذا بأعلام مصر ترتفع فوق كل بيت، واللافتات تقول «ارحل»، أما الوجوه فجمعتها نظرة واحدة: لن نخضع بعد اليوم.

والحق أن 30 يونيو لم يكن يوماً عادياً من أيام الاحتجاجات، بل كان استفتاءً شعبياً لم يجرِ على ورق، ولم يحتسبه قاضٍ فى لجنة، بل كتبته الملايين بأقدامها وهى تسير نحو الميادين، وبهتافها وهى تصرخ: «ارحل».

أما الإخوان فقد أصيبوا وقتها، ثم من بعد ذلك، بما يمكن تسميته بـ«إنكار الواقع الجمعى»، وهو أحد أخطر الأمراض النفسية التى تصيب الأفراد، فكيف إذا أصاب جماعة كاملة؟!

كان ملايين الناس فى الشوارع يهتفون بسقوطهم، وكانت الميادين من أسوان إلى الإسكندرية تمتلئ بالغضب، ومع ذلك، رفضوا التصديق، رأوا بأعينهم الحشود، لكن عقولهم أبت أن تقبل، كأنها حجارة ليس فيها حياة، حتى إنهم تعاملوا مع الثورة لا باعتبارها حقيقة سياسية نابعة من إرادة شعب، بل بوصفها مؤامرة كونية حيكت ضدهم، قادها الإعلام وموَّلتها «الفلول» وأخرجها الغرب.

إن الفكر المغلق عندما يُصدم بالواقع لا يعترف به، بل يبتكر عالماً موازياً يرتاح فيه، وهكذا صنع الإخوان سردية خيالية قالت إن الجماهير كانت مفبركة، وإن صورها كانت «فوتوشوب»، وإن المظاهرات لم تكن شعبية بل عسكرية.

ولأنهم لم يعرفوا من قبل السياسة بمعناها المدنى، بل خبروها فقط فى العمل السرى والتنظيم الحديدى، فقد أصابهم العمى الإدراكى حين خرجت الأمور من بين أيديهم، ولم يحتملوا النور بعد أن طال مُكثهم فى ظلام السراديب.

رفضوا الحقيقة لأن قبولها كان يعنى الإقرار بأن «الشعب قد خلعهم»، وأن الأمة التى اعتقدوا أنهم أوصياء عليها لفظتهم دون أن تستأذنهم، ولأن الأيديولوجيا إذا تحولت إلى عقيدة مغلقة، فإنها تقتل الحس الواقعى، فقد واجهوا الحقيقة بالوهم، وفسَّروا الهزيمة بالخيانة لا بالخطأ، وهكذا ضلوا السبيل.

ولم يكن أمام الجيش حين شعر بأن البلاد على وشك الانفجار إلا أن يُصدر بيانه الحاسم: أمام الجميع مهلة 48 ساعة للاستجابة لمطالب الشعب، لم يكن البيان انقلاباً، بل تحذيراً، كان يقول للنظام: أمامكم فرصة أخيرة لتصحيح المسار، لكن الجماعة، بأسلوبها المعروف، قرأت البيان تهديداً، وردَّت عليه بتحدٍّ، ومع انتهاء المهلة، كان القرار لا مفرَّ منه.

ففى مساء الثالث من يوليو 2013، اجتمع قادة الجيش مع ممثلين عن الشعب: شيخ الأزهر، البابا تواضروس، د. محمد البرادعى، ممثلين عن الشباب، والقوى السياسية.. وغاب الإخوان، لم يتغيبوا لأنهم لم يُدعوا، بل لأنهم رفضوا الحضور؛ فالتنظيم لا يعترف إلا بما يصدر عن مرشده، لا عن الوطن.

وأُذيع البيان

تلا الفريق أول عبدالفتاح السيسى البيان التاريخى الذى تضمَّن: عزل الرئيس مرسى، وتعيين المستشار عدلى منصور رئيساً مؤقتاً، وتشكيل لجنة دستورية، وخارطة طريق تبدأ بالدستور وتنتهى بالانتخابات، وقد بدا البيان وكأنه وُلد من رحم الشارع، لا من قاعة عسكرية، كان متناغماً مع إرادة الملايين، صريحاً، رزيناً، حاسماً، وراسماً لمستقبل بلا جماعة.

وما إن انتهى البيان، حتى عمَّت الفرحة البلاد، خرج الناس فى مواكب تهتف، تبكى، ترقص. لأول مرة منذ سنوات شعر المصريون أن الوطن عاد إليهم فعلاً لا قولاً، فلا مرشد فوق الدولة، ولا بيعة تُؤخذ فى العتمة، ولا تهديد باسم الدين، لقد خُلع الرئيس، وسقطت الجماعة، وعادت الدولة إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب.

أما الحقيقة التى يجهلها الجاهلون والغافلون وأصحاب الهوى، فهى أن ثورة 30 يونيو لم تكن ضد شخص، بل ضد مشروع، لم تكن حركة إصلاح، بل معركة هوية، لقد وقف الشعب كله ليقول: لا بيعة إلا لوطن، ولا إمامة إلا بالقانون، ولا شرعية إلا من إرادة الناس.

فى ذلك اليوم، خلع المصريون بيعة لم يُبايعوها، وأسقطوا شرعية لم يعترفوا بها، وصنعوا تاريخاً جديداً عنوانه: مصر أولاً.. وأبداً.