ثروت الخرباوي يكتب: إخوان الشياطين صنعوا «رابعة» وهم يتوضأون ببول إبليس
فى التاريخ المعاصر، لم يُجِد أحدٌ تدويل مأساته وتحويلها إلى ورقة ضغط سياسية مثلما فعل اليهود بقصة «الهولوكوست». ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحوَّل الحدث إلى ما يشبه العقيدة، فيها قدِّيسون، ومذابح مقدسة، ونكبات تتوارثها الأجيال، تلك المأساة المفتعلة حين تُمسك بها يدٌ سياسية بارعة تتحول إلى دين جديد، وقد فهم الإخوان هذا الدرس، بل وطبَّقوه بمهارة أقل ما توصف به أنها شيطانية.
نعم، لقد كان مشروع «مظلومية رابعة» الإخوانى نسخةً لا تختلف كثيراً عن «الهولوكوست» الصهيونى. هناك قُدِّمت مظلومية اليهود كمدخل إلى تأسيس كيان محمى دولياً، وهنا أراد الإخوان أن يصنعوا مظلوميتهم المقدَّسة ليُعاد تركيبهم كقوة شرعية تستدعى حماية الغرب، لكن الفارق أن الرواية اليهودية وجدت من يروِّج لها فى هوليوود، أما روايتهم فخسرت على المسرح، لأنها كانت مسرحية رديئة الإخراج.
«رابعة العدوية» لم تكن اعتصاما بل بروفة كبرى لإنتاج مظلومية شاملة تقترب مما صنعه اليهود من مظلومية فى الحرب العالمية الثانية
وها هو التاريخ المعاصر يكشف لنا أن «رابعة العدوية» لم تكن اعتصاماً، بل كانت بروفة كبرى لإنتاج مظلومية شاملة، يقترب نموذجها إلى حد التطابق مع ما صنعه اليهود من مظلومية صنعوها أثناء الحرب العالمية الثانية، أما الإخوان فلم يكن الهدف عندهم استرداد «شرعية رئيس»، بل بناء «شرعية ضحية»، على أمل أن تكسب الجماعة من تعاطف العالم ما عجزت عن كسبه من إرادة الشعب، لذلك كانت الكاميرات تُنصَّب، لا لتوثيق الحقيقة، بل لالتقاط لحظة الدم التى صارت ضرورية لتثبيت الرواية، وكانت الخطب تُجهَّز، والعبارات تُراجَع، والمؤثرات البصرية تُضبط كما تُضبط خلفيات مشهد سينمائى كبير، كل شىء كان معداً، حتى الشهداء!!
أما الأمر الآخر من استراتيجية الإخوان من «صُنع» هذا الاعتصام فهو أن تضع بعد السقوط أفراد تنظيمها فى الوهم، وأن تصنع لنفسها ساحة اسمها «رابعة»، لم تكن ساحة احتجاج، بل كانت نقطة ارتكاز لمشروع بديل عن الوطن، جمهورية داخل الدولة، لها شرطة خاصة، وأكمنة تفتيش، وخطاب دينى بديل، وخطاب تحريضى مسلح، لذلك لم تكن خياماً للاعتصام بقدر ما كانت خنادق تمهِّد لمعركة، وجيوب تمرُّد تحمل السلاح والخرائط، ونحن هنا لا نكتب عن رابعة كى نُبرِّئ طرفاً، بل لنُدين أولئك الذين لم يعرفوا من الوطن إلا أنه وسيلة، ومن الدين إلا أنه شعار.
ففى التاريخ لحظات تلتصق بالأذهان، لا لأنها كانت عظيمة، بل لأنها كانت فاجعة، ورابعة لم تكن ملحمة ولا بطولة، بل كانت مأساة مصنوعة بوعى كامل، ومهندسة بأيدٍ تزعم الطهر، بينما تُخفى فى تلافيفها حبَّ السيطرة، وعبادة التنظيم، والتلاعب بالمشاعر.
مأساة جماعة تدَّعى الطهر وهى تصافح الشيطان..
وفى قلب رابعة لم تُنصب الخيام فقط، بل نُصبت الدولة، ثم جمع الإخوان ما تبقَّى من مجلس الشورى، وجلسوا فى الظل يخططون لإعلان «الحكومة الشرعية»، لا أحد كان يسعى لاسترداد شرعية بوسائل سياسية، بل لإعلان كيان بديل، ولم يكن الهدف مصر، بل الخارج، أن تعترف بهم تركيا، وتباركهم قطر، وتتردد صورتهم على شاشات الجزيرة، فتتحول الجماعة إلى ممثل شرعى قابل للتدويل، ومن هنا كانت الخطة: نعلن الحكومة، تحصل على اعتراف من ثلاث دول، ثم نذهب إلى مجلس الأمن، ونطلب تدخلاً عسكرياً لحماية «الشرعية المختطفة». خطة مجنونة؟ ربما، لكنها خطة وُضعت بدم بارد.
وعلى المنصة، كانت الخطب تتوالى، لكن ما قيل لم يكن دعوة دينية، بل هندسة نفسية جماعية، فإذا بشيخ منهم يصعد على المنصة ليقول بصوته المرتعش: «جبريل صلى معنا الفجر»، ومن عجب أنهم صدقوا، وهتفوا وكبَّروا وانسالت دموعهم، أليس جبريل هو ملك الوحى؟ إذن فالوحى يبشرهم بالنصر!!
وخرج آخر وقال: «الأسطول الخامس الأمريكى يقترب من السواحل المصرية»، فصفقوا وهتفوا «الله أكبر»، لم تكن هذه حماسة، بل غيبوبة جماعية، وما بين التهليل للأسطول، والتكبير للملَك جبريل، كانت هناك خيوط دقيقة تُحاك لربط الناس بالوهم، بحيث إذا سقط سقطوا معه، لم يكن هدفهم أن ينجوا الناس، بل أن يصدقوا حتى النهاية، ولو على جثثهم.
لذلك لم يكن هذا الاعتصام سلمياً على الإطلاق، ولكنه كان مسلحاً، ورغم كل المحاولات لطلائه بالوضوء، إلا أن الوضوء بماء الكذب لا يمكن أن يحجب الحقيقة، فخلف طيبة مول -وفى مناطق أخرى مجاورة- كانت مخازن السلاح قد أُعدت بعناية، وقد كشف الله كذبهم حينما اعترف بهذه الأسلحة بعض فتيان الجماعة أنفسهم، أما داخل الاعتصام، فقد ضُبطت لاحقاً قنابل يدوية وبنادق آلية وذخائر، كلها تشى بأن الدم لم يكن احتمالاً، بل نية.
والأدهى من السلاح، كان سلاح الدين المزيف، ألم يصرخ الشيخ فوزى السعيد ويقسم بالله أن «مرسى راجع»، وأن من يشك فى ذلك فقد شك فى الله ذاته؟! كنا وقتئذ أمام فتاوى لا تخرج من فقهاء، بل من مسعورى سلطة، وكان الهدف هو شحن العاطفة حتى الدرجة القصوى، حتى يصبح كل من يشك فى النصر كافراً بالوعد الإلهى، وحتى يتوجَّه المؤمنون صوب السلاح ليحققوا وعد الله لهم.
لقد صنعوا من الدين درعاً يخبِّئون خلفه البنادق، ومن اسم الله هتافاً يُغطُّون به صدى الرصاص، كأننا أمام جماعة تؤمن بأن الكذب على الله نفسه هو طريق النصر.
وحين ذهبوا إلى الحرس الجمهورى، لم يكن فى نيتهم الدعاء بل الاستفزاز، أطلقوا النار، واستدرجوا الرد، ثم رفعوا صرخات: «يقتلون المصلين!»، وكأن الدم لا يسيل إلا حين يشاءون، وكأن الصلاة صارت غطاءً للرصاصة، وقدَّموا أول مشهد من المسرحية: جثث، وبكاء، ومنصة تنعى وتتوعد، أما من مات فلم يكن من القادة، بل من الشباب الذين اقتيدوا، لا إلى الجنة، بل إلى واجهة المشهد ليؤدوا دور القربان.
ثم تحرَّكت الماكينة الأكبر: فقاموا باستدعاء المنظمات الحقوقية، فجاءت الجمعيات الغربية، ومندوبو الهيئات، لا لرؤية اعتصام مدنى، بل ليقفوا على أطراف الخيمة يكتبون التقارير «المسبقة»، أراد الإخوان أن يصنعوا ما يشبه «تقرير جولدستون» الفلسطينى، لكن هذه المرة يكون التقرير استباقياً، يُدين الدولة وحدها قبل أن تُقدم على أى خطوة، فالرواية يجب أن تُبنى، والصورة يجب أن تكتمل، والعالم يجب أن يقتنع بأن فى قلب القاهرة محرقة تتهيأ، تماماً كما اقتنع يوماً أن هتلر أحرق ستة ملايين يهودى، دون أن يرى رماداً واحداً.
وإذا أردنا أن نضع الأمور فى نصابها، فلا بد من أن نعود للحظة الصفر: لحظة الفض، وهنا تنكشف الخديعة الكبرى، فالمظلومية التى تم تصديرها إلى العالم بصفقات إعلامية وحناجر باكية لم تبدأ حين دخلت قوات الشرطة الميدان، بل قبلها، فالدولة الحريصة على حماية شعبها لم تكن تريد مواجهة، بل نهاية سلمية، لذلك أمهلتهم حتى آخر لحظة، وقبيل الفض أعلنت الشرطة عبر مكبرات الصوت أن من أراد الخروج الآمن فليتقدَّم، وأن الممر مفتوح، لا يُسأل فيه أحد، وقد خرج بالفعل مئات، بعضهم كانوا مخدوعين، وبعضهم كانوا مدفوعين بالخوف، وبعضهم استيقظ ضميره فى اللحظة الأخيرة، كل هؤلاء خرجوا ولم يمسَّهم أحد، ولا سُئلوا عن شىء، كانت الدولة تقول لهم: «انسحبوا، أنقذوا أنفسكم، وأفسحوا الطريق للعقل».
وعندما اقتربت ساعة الحقيقة، لم يبقَ إلا المخدوعون والمهووسون، أما القيادات، أولئك الذين أقسموا أن الاعتصام حتى النصر أو الشهادة، فقد مضوا إلى «خيار ثالث»: الهروب، إذ تسلَّلوا قبل الفض بساعات عبر ممرات سرية، أو تنكَّروا، أو هُرِّبوا فى سيارات إسعاف، بعد أن تركوا خلفهم من صدَّقوا الأكذوبة الكبرى، كانوا قبلها يرددون أمامهم «اثبتوا فإن الملائكة تظللكم»، بينما هم يكتبون أرقام هواتف المهرِّبين فى جيوبهم، ويضعون دولاراتهم فى حقائبهم كما رؤساء العصابات.
ثم ارتفع صراخ المظلومية حين خرجوا بعدها علينا من شرفات الفنادق فى العواصم الآمنة يتباكون على «الدماء الزكية»، وهم يعلمون أن أكثرها نزف بسبب خيانتهم، وسقوطهم الأخلاقى.
وبقى فى رابعة المهووسون والمخدوعون بترهيب شيوخ المنصة، وقياداتهم الهاربة أولئك الذين أوهموا الناس أن الخروج كُفر، وأن الثبات عبادة، بقيت مئات آمنت أن مرسى لا يسقط، وأن جبريل لا يخذل، وأن الرصاص إذا اخترق الصدر سيفتح أبواب الجنة مباشرة دون سؤال.
ثم كانت الطلقة الأولى، لم تكن تلك الطلقة من جهة الدولة، بل من جهة الجماعة، نعم، من قناصة فوق أسطح البنايات، ومن خلف المتاريس أطلق الإخوان النار، فسقط أول شهداء الفض من رجال الشرطة، ومن أسف فإن هذه الحقيقة طُمست عمداً، لأن رواية المظلومية لا تحتمل أن يكون «الضحية» هو من بدأ.
لكن الجماعة لم تكن محتالة وكاذبة فقط، ولكن كانت شرسة فى كذبها، فهى لم تفقد الحكم فى 30 يونيو، بل فقدت للمرة الأولى قدرتها على الاحتيال على الوعى، وسقطت قدرتها على التمثيل، وعلى التلويح بالتقوى، وعلى الادعاء بأنها «الجماعة المظلومة من عهد عبدالناصر» فرابعة لم تكن المذبحة، بل الفضيحة، فمن فوق منصتها ظهرت جماعة مسلحة، طائفية، مهووسة، تستدعى الأساطيل الأجنبية، وتبشِّر بالمهدى المنتظر، وتستنجد بالأمم المتحدة، وتوزع منشورات بالإنجليزية، وتخطط لاختطاف وطن.
لقد قدَّمت الجماعة للعالم نموذجاً مذهلاً فى صناعة مظلومية مقلدة، مصنوعة من دماء أبنائها، ومغلفة بالدين، ومُسوَّقة بإتقان عبر أدوات الإعلام والمراكز الحقوقية، لم تكن الضحية، بل كانت الجلاد الذى يُطلق النار ثم يبكى من الألم، تماماً كما صوَّر اليهود أنفسهم بعد الحرب: ضحايا لمحرقة، بينما هم مَن باعوا ضحاياهم ليشتروا التعاطف، وبنوا على رمادهم وطناً مسروقاً.
إن ما فعلته جماعة الإخوان برابعة هو أكبر خديعة نفسية، دينية، سياسية، فى القرن الحادى والعشرين. وسيأتى يوم تُدرَّس فيه هذه الواقعة لا باعتبارها مجزرة، بل باعتبارها مشروعاً لصناعة الكذب الكبير، فحين صنع الإخوان مظلوميتهم الكاذبة وهم يتوضأون ببول إبليس، بُنيت إسرائيل من قبل على محرقة لم يرها أحد