الخريطة الذهنية لصانع السجاد والمطور العقاري وهجوم إسرائيل

هدى رؤوف

هدى رؤوف

كاتب صحفي

اندلعت الحرب بين إسرائيل وإيران ثانى يوم انتهاء المهلة التى منحها الرئيس الأمريكى لإيران، والتى هى شهران للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووى الإيرانى. اندلعت الحرب قبيل الجولة السادسة من المحادثات، كانت إيران تعلم أن ترامب يريد اتفاقاً معها يعوض به إخفاقاته فى ملف غزة وأوكرانيا، لذا اعتمدت إيران أن الوقت فى صالحها، وأنها ستصل إلى اتفاق مع ترامب، إما مؤقتاً وإما شاملاً، وكان أحد مطالب إيران من المفاوض الأمريكى رفع العقوبات فى مقابل اتفاق مؤقت يوفر مزيداً من الرقابة الدولية على برنامج إيران النووى، كانت إيران تماطل لأنها تعى أن ترامب يريد مثلها الاتفاق، لكن ما حدث أن ترامب قد قرر أن يجنى سريعاً ثمار خمس جولات من المحادثات عبر السماح لإسرائيل بمهاجمة المواقع النووية والعسكرية لإيران، ومن ثم تأتى إيران مُستسلمة بدون شروط للمطالب الأمريكية.

للمفاوض الإيرانى سمات وأدوات يوظفها لكسب الوقت وتغيير الواقع، بينما يدخل شريكه فى المفاوضات فى سلسلة من الجولات قد لا تصل لأى نتيجة، مثلما حدث ودخلت إيران فى محادثات فيينا لإحياء الاتفاق النووى خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وفى حين أن المحادثات استمرت لأكثر من عام، كانت إيران هى التى أوقفتها بحجة مجىء الرئيس السابق إبراهيم رئيسى. فيقوم التفاوض الإيرانى على استخدام الكثير من الإشكاليات للاستطراد ووضع حقائق جديدة واستخدام عدة قنوات للتواصل، ففى الوقت الذى تتفاوض فيه إيران مع إدارة ترامب كانت تفتح حواراً مع دول الترويكا الأوروبية وشاركت فى اجتماع مع الصين وروسيا للتأكيد على التعامل السلمى مع البرنامج النووى الإيرانى وعدم تفعيل آلية سناب باك، أى العودة للعقوبات الأممية.

إن ثقافة التفاوض الإيرانية متجذّرة بعمق فى النفس الوطنية الإيرانية، يولى الإيرانيون قيمة عالية للذكاء والتفوق على نظرائهم، ولاشك أن أهم صفاتهم الصبر الاستراتيجى، فثقافة الصبر متجذّرة من صناعة السجاد التى تحتاج إلى دقة وحساسية وصبر للحصول على سجاد يدوى يُمثل جزءاً من تراثهم. وزير الخارجية الإيرانى الحالى من عائلة بائعى سجاد، وكثيراً ما تحدّث عن تأثير تجارة السجاد على مهاراته فى التفاوض.

من جهة أخرى، لدى الإيرانيين عدم ثقة فى الغرب، وهذا مرتبط ببعض الأحداث التاريخية التى مرّت بهم، وخضوعهم لبعض المعاهدات التى فرضتها روسيا وبريطانيا عليهم، فيشعر الإيرانيون بالفخر والشك وعدم الثقة والاستهداف من الغرب فى آن واحد.

وسيتجذر الشعور بعدم الثقة بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة التى جاءت فى خضم المحادثات مع إدارة ترامب.

كل ما سبق يختلف عن عقلية ترامب الذى يتعجّل التوصّل إلى أى اتفاق مع إيران، فقد أرسل إلى المرشد الإيرانى رسالة يقول فيها لا أريد إلا اتفاقاً، فيباغتها بالهجوم الإسرائيلى. ينتظر ترامب أن تحقّق إسرائيل أهدافها العسكرية، ومنها تفكيك البرنامج النووى الإيرانى والتخلص من القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية، مقابل الحفاظ على بقاء النظام.

من المرجّح أن تعمل إيران على استمرار الرد على إسرائيل، ونقل المواجهة بينهما إلى حرب استنزاف لقدرات الطرفين، حتى تستعرض قدرتها على الدفاع عن نفسها، وأنها قوة إقليمية وليست ميليشيا إقليمية تحاربها إسرائيل. لكن فى الوقت ذاته تسعى إيران للتواصل مع دول الجوار وروسيا والصين والترويكا الأوروبية، لحث ترامب للضغط على إسرائيل لوقف الهجوم والانتقال إلى مرحلة الدبلوماسية، وفى حالة التوصل للمفاوضات ستكون قضايا التفاوض مختلفة، فقد أصبح سقف التفاوض لواشنطن هو تفكيك البرنامج النووى والصواريخ الباليستية، التى وصلت إلى تل أبيب وحيفا، وأوقعت خسائر داخل إسرائيل، إلى أى مدى ستتنازل إيران من أجل الحفاظ على بقاء النظام؟ هذا ما ستجيب عنه تطورات التصعيد بين الطرفين، وما إذا كانت واشنطن ستدخل الحرب إلى جانب إسرائيل أم لا؟

إن اختلاف الخريطة الذهنية لإيران التى تتعامل بعقلية صانع السجاد الصبور عن عقلية المطور العقارى لترامب ومبعوثه للتفاوض ستيف ويتكوف، جعل الحرب الإسرائيلية على إيران حقيقة تعيشها المنطقة، رغم حرص إيران وواشنطن على التوصل إلى اتفاق، ورغم حذر إيران منذ طوفان الأقصى فى أكتوبر 2023 وما تبعه من حرب غزة الكارثية، واغتيال إسماعيل هنية على أراضيها، ثم القضاء على حزب الله اللبنانى واغتيال حسن نصرالله، رغم كل خسائر ما يُسمى بمحور المقاومة وحرص إيران على أن تظل بعيدة عن أى تصعيد فى المنطقة. ومع ذلك وقع ما خشيته إيران.

* أكاديمية
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية بـ«المركز المصرى»