يسرا زهران تكتب: سلاح المعادن النادرة.. «التأديب» على الطريقة الصينية!

كتب: أحمد فكري

يسرا زهران تكتب: سلاح المعادن النادرة.. «التأديب» على الطريقة الصينية!

يسرا زهران تكتب: سلاح المعادن النادرة.. «التأديب» على الطريقة الصينية!

قصة المعادن النادرة هى قصة أخرى حول تخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن أحد أسباب قوتها لصالح الصين، ثم الندم على ذلك بعد فوات الأوان!.

كانت يوماً ما سلاحاً فى يد أمريكا، فتحولت إلى سلاح ضدها. كانت مفتاحاً آخر من مفاتيح المستقبل الذى أضاعته أقوى دولة فى العالم لأنها اكتفت بالنظر إلى ما تحت قدميها. أو بمعنى أدق، لأنها تصورت أنها ستظل دائماً فوق الآخرين.

هى مثال من آلاف الأمثلة التى لا تنتهى، تصورت فيها أمريكا أنها من الممكن أن تترك الآخرين يقومون بـ«العمل القذر» (على حد التعبير الأمريكى)، الذى يتحملون فيه التعب والكد والشقاء والتلوث، لتحصل هى على منتجات نظيفة، آمنة، سليمة، تزيد من سهولة نمط الحياة الأمريكى، مع الحفاظ على البيئة والصحة لمواطنيها السعداء، ولو على حساب حياة باقى شعوب الأرض.

وهى فى المقابل قصة تكشف لنا أحد أسباب صعود العملاق الصينى، وخطة العمل التى انتهجتها «بكين» منذ نهايات القرن الماضى لكى تضع نفسها على خارطة القوى العالمية المؤثرة، لا بالعنجهية والاستعلاء، وإنما بحسن تقدير الأمور، وإجادة استغلال الفرص، والعزم على تحويل كل ما تملك من موارد إلى نقاط قوة لديها، ونقاط ضعف عند الآخرين تضربهم فيها لو وقفوا ضد مصالحها.

تلك المعادن الكامنة تحت الأرض، كانت بالفعل انعكاساً وتشبيهاً بليغاً للقوة الصينية التى ظلت كامنة تحت سطح السياسة الدولية، ترتب أوراقها وتشحذ أسلحتها وتدعم قوتها، وهى تستعد وتترقب اللحظة المناسبة للصعود والظهور.

وعندما ظهرت للعالم أخيراً أهمية المعادن النادرة، وأدرك مدى اعتماده عليها وعدم إمكانية الاستغناء عنها، صارت تلك المعادن بالفعل مثلها مثل الصين: إحدى القوى الحاكمة للمستقبل، الذى قد تملك فيه كلمة الحسم!.

تلك المعادن النادرة باختصار شديد هى مواد تدخل فى تصنيع كل تكنولوجيا المستقبل، من الأجهزة المحمولة وحتى الأنظمة الدفاعية، من السيارات الكهربائية وحتى معدات الذكاء الإصطناعى. تعتمد الولايات المتحدة (والعالم كله) على الواردات الصينية من هذه المعادن، سواء فى صورتها الخام أو المعالجة. إذ إن «بكين» ببساطة هى المركز العالمى الأول (وربما الأوحد) لمعالجة وتكرير كل المعادن النادرة أياً كان المصدر الذى تأتى منه، ومن هنا تملك الصين سيطرة شبه كاملة على كل صناعات إلكترونيات الحاضر والمستقبل.

زيادة القيود على الواردات وطلب تراخيص إضافية وقرارات موحدة من الشركات بوقف التصدير.. أبرز أساليب الضغط الصينى دون الحاجة لمواجهات مباشرة

الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» لا يعجبه هذا الحال، ويرى فيه تهديداً وجودياً للمصالح الأمريكية. يريد «ترامب» تنويع مصادر الواردات الأمريكية من المعادن النادرة، وضمن هذا الإطار أعلن حرب الرسوم الجمركية على الصين فى أبريل الماضى، ثم تراجع وجلس للتفاوض معها بعد بضعة أسابيع. ما لا يعرفه كثيرون هو أنه خلال هذه المفاوضات، بدا أن الصين تريد أن تذكّر الولايات المتحدة بنقطة تفوقها الواضح، فوضعت قيوداً على وارداتها من بعض منتجات المعادن النادرة. وتحديداً على أحد أنواع المغناطيس الدائم الذى يحتاج لهذه المعادن، ويعد جزءاً حيوياً فى تصنيع محركات السيارات الكهربائية والطائرات النفاثة.

وضعت الصين قيوداً على تصدير هذا النوع من المغناطيس، لتنخفض صادرتها منه فى مايو الماضى بنسبة ٧٤٪ عن العام الماضى بالنسبة لدول العالم، وبنسبة ٩٣٪ بالنسبة لصادرتها للولايات المتحدة الأمريكية.

لم تعلن الصين مباشرة أنها تمارس ضغوطاً على أمريكا. فقط فرضت إجراءات جديدة (وتعقيدات إضافية) مثل ضرورة الحصول على مزيد من التراخيص قبل تصدير منتجات المعادن النادرة لأى من دول العالم. لكن القرار الصينى، كانت له تداعيات ملموسة على صناعة السيارات والإلكترونيات والصناعات الدفاعية فى العالم كله.

وهكذا جلست الوفود التجارية الأمريكية والصينية للتفاوض من جديد هذا الشهر فى «لندن» للوصول إلى هدنة «فعلية» بعد الحرب التجارية التى أعلنها «ترامب» على الصين، وبعد رسالة «التأديب» الصامتة التى أرسلتها «بكين» .

لكن قبل أى شىء، ما لنا نحن ومال هذه المعادن النادرة؟.

هى ليست مجرد أسماء معقدة فى جداول الفيزياء، لكنها مكونات حيوية فى التليفونات والحواسب المحمولة وكابلات الإنترنت والتابلت وأجهزة «الراوتر» التى نعتمد عليها فى حياتنا وسيزداد اعتمادنا عليها فى المستقبل.

أجهزة التليفونات المحمولة مثلاً تضم عشرات المعادن التى أصبحت توصف بالمعادن الحرجة نظراً لشدة اعتماد العالم عليها، منها ما هو مألوف مثل القصدير فى لوحة الدوائر الكهربائية، والنيكل فى الميكروفون، ومنها ما هو غير مألوف. معدن اسمه «الإنديوم» مثلاً هو ما يجعل شاشة الهاتف الذكى تعمل باللمس، ومعدن اسمه «أوروبيوم» يعزز من جودة الألوان على شاشة التليفون. ومعادن مثل النيوديميوم والديسبروسيوم والتربيوم تستخدم لكى تجعل التليفون المحمول يهتز عند الرنين.

هى ليست إذن مجرد كائنات مجهولة تقبع بعيداً عنا تحت الأرض، لكنها تتخذ من جيوبنا وحقائبنا مقراً لها، وتعتمد عليها حياتنا فى منازلنا ومكاتبنا ومواصلاتنا واتصالاتنا.

عن تلك المعادن النادرة، الحيوية، الحرجة، التى يعتمد عليها مستقبل عالم يتجه فى كل لحظة نحو مزيد من الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية التى تحتاج لمصادر طاقة هائلة لا يمكن أن توفرها إلا مصادر الطاقة المتجددة كالرياح والطاقة الشمسية (والتى لن تعمل بدورها إلا بالمعادن النادرة)، نشر الصحفى الأمريكي - الكندى «فينس بيسر» كتاباً حمل عنوان «معدن القوة (أو الطاقة): سباق الموارد الذى سيشكل المستقبل».. كان عنوان الكتاب يحمل تلاعباً لفظياً عن المعادن التى تستخدم فى توليد ونقل الطاقة الكهربائية اللازمة لإدارة كل أجهزة تكنولوجيا الحاضر والمستقبل، لكنها تعتبر أيضاً مصدر قوة لمن يمتلكونها أو يسيطرون علىها من الناحيتين السياسية والاقتصادية.

وفى هذا الكتاب، الذى يعد من أفضل ما كُتب عن المعادن النادرة، ومدى تأثيرها على حياتنا اليومية كمواطنين عاديين، نجح «بيسر» فى أن يقرب إلينا مدى خطورة وأهمية المعادن النادرة، ومن قراءة الكتاب أيضاً، تجد أن ما فعلته «بكين» مع أمريكا مؤخراً بفرض قيود على تصدير المغناطيس الدائم للضغط عليها خلال التفاوض، لا يختلف عما فعلته مع اليابان عام ٢٠١٠، وهو العام الذى أصبح علامة فارقة فى لعبة المعادن النادرة فى التوازنات الدولية.

كانت البداية من قائد سفينة صينى بسيط، أصبح بطلاً لواقعة شهيرة، جعلت العالم كله «يفيق» على واقع جديد، أدرك فيه أن مستقبله قد أصبح بالفعل تحت رحمة «بكين»، التى تتحكم فعلياً فى موارد طاقته ومستقبله، وإن كانت هذه الإفاقة قد جاءت بعد فوات الأوان.

جرت أحداث تلك الواقعة التى أوردها «بيسر» فى كتابه فى أحد أيام شهر سبتمبر عام ٢٠١٠، عندما دخل ذلك البحار الصينى بمركبه إلى منطقة بحرية تضم عدة جزر متنازع عليها بين الصين واليابان، لكنها تخضع حالياً للسيادة اليابانية. قيل إن هذا البحار الصينى وقتها كان مخموراً، وظل يستفز الجانب اليابانى بألفاظ وحركات متنوعة، ولم يستجب لكل المطالبات له بالعودة منذ أتى، بل زاد الطين بلة بأن تعمد أن يقود مركبه ليصطدم بقوارب خفر السواحل اليابانية التى كانت تحاصره وتطالبه أكثر من مرة بالابتعاد. المهم أنه قد تم إلقاء القبض على البحار الصينى وبدأت إجراءات محاكمته فى اليابان، وسط توترات لها جذور تاريخية بين البلدين منذ احتلال اليابان للصين خلال الحرب العالمية الثانية.

وبدأت الصين فى الضغط على أعلى المستويات من أجل الإفراج عن البحار المحتجز. ورفضت اليابان.

بالتالى، وفى يوم ٢١ سبتمبر ٢٠١٠، قررت الصين وقف صادراتها من المعادن النادرة إلى اليابان.

وكان هذا هو التاريخ الذى انقلب فيه العالم رأساً على عقب.

يحكى «بيسر» فى كتابه عن ذلك اليوم قائلاً إنه: «فى تلك اللحظة، وجد العالم أن الصين هى المسئولة عن تصدير ٩٥٪ من احتياجاته من المعادن النادرة. لم يكن هناك مصدر بديل يمكن أن تلجأ إليه صناعة الإلكترونيات العملاقة فى اليابان التى تعتمد بشكل كامل على الواردات الصينية من المعادن النادرة لتصنيع منتجاتها. كان قرار الصين بوقف صادراتها من المعادن النادرة يوجه ضربة قاصمة، ليس فقط للاقتصاد اليابانى وإنما لكل دول العالم الغربى التى ترتبط به وتعتمد عليه. لم تكن الصين توجه ضربة لليابان وحدها، وإنما للغرب ككل».

أزمة سفينة صينية كشفت للعالم مدى سيطرة «بكين» على شرايين الاقتصاد الحديثة فى الإلكترونيات والسيارات والطائرات

المثير هنا أن الصين لم تعلن صراحة قط أنها ستقطع صادراتها من المعادن النادرة إلى اليابان بشكل رسمى (تماماً كما فعلت مع المغناطيس الدائم الذى فرضت قيوداً على تصديره لأمريكا والعالم مؤخراً). ليس هناك أى قرار معلن ينص على ذلك. يروى «بيسر»: «كل ما حدث هو أن شركات التصدير الصينية التى يبلغ عددها ٣٢ شركة وقتها والمسئولة عن تصدير المعادن النادرة قد أعلنت فى توقيت واحد فى نفس اليوم وقف صادراتها إلى اليابان. وبالطبع، سيطر الهلع على الأسواق، وارتفعت أسعار المعادن النادرة لتصل إلى ٢٠٠٠ ٪ من سعرها. وتسبب هذا الارتفاع الجنونى والمفاجئ فى أسعار المعادن النادرة فى إفلاس ٥٩ شركة من شركات الطاقة المتجددة فى العالم الغربى، وفقد رؤساء الشركات الكبرى فى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان أعصابهم وقدموا شكوى ضد الصين أمام منظمة التجارة العالمية. لكن الكل كان يعرف أن الأمر لا يتعلق بنزاع تجارى، وأن الواقع، هو أن كبار رجال الأعمال والسياسة فى العالم الغربى قد أفاقوا فجأة على واقع أن الصين قادرة بالفعل على قطع إمداداتها من تلك الثروة الحيوية عن أى واحد منهم وقتما تريد».

هكذا يكون التأديب على الطريقة الصينية، بلا ضجيج، ولا صراخ، ولا استعراض عضلات. تحرك واحد تسبب فى شلل تام لأعصاب اقتصاد المستقبل، وقرار واحد أدى لانهيار عشرات الأعمال، وموقف واحد تهاوت أمامه كل ادعاءات القوة من الآخرين.

طريقة تأديب واحدة لا تتغير، سواء كان الطرف الآخر فى المواجهة هو أمريكا أو اليابان.

وبالطبع، رضخت اليابان.

يحكى كتاب «بيسر»: «وهكذا، وأمام ذلك السلاح الافتراضى المكون من المعادن النادرة الذى تمسكه الصين، وتوجهه مباشرة إلى رأس اليابان، رضخت تلك الأخيرة أمام مطالب بكين وأفرجت عن قائد السفينة الصينى المحتجز لديها ليعود إلى بلده، ويتم استقباله هناك استقبال الأبطال».

لكن العالم بعد هذه الواقعة، لم يعد أبداً كما كان من قبلها. أو بتعبير كتاب «بيسر»، فإن: «اعتماد العالم على موارد المعادن النادرة القادمة من الصين، مضافاً إليه استعداد الصين الظاهر لاستخدام هذا الاعتماد كورقة ضغط فى التعاملات الدولية قد أصبح يشكل تهديداً محتملاً على الأمن القومى والاقتصادى الأمريكى والعالم الغربى من بعده».

أصبح كل من يعتمدون على الصين للحصول على وارداتهم من المعادن النادرة فى العالم الغربى يدركون أن الحال لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه، فبدأت كل من الولايات المتحدة واليابان ودول الاتحاد الأوروبى تسعى لإيجاد وتنويع الدول التى تستورد منها احتياجاتها من المعادن النادرة غير الصين. كان الكل يريد كسر ذلك الاحتكار والحصار الذى عرفت الصين كيف تفرضه ببراعة، كى تُحكم قبضتها على شريان حيوى فى عمق أعصاب الاقتصاد العالمى.

أمريكا سلمت بنفسها تصنيع «مغناطيس» من المعادن النادرة للصين فى التسعينات لتضغط به «بكين» على «واشنطن» اليوم

لكن المذهل أن الولايات المتحدة الأمريكية، منذ سنوات مضت، كانت هى التى تحكم سيطرتها على هذا الشريان، وأنها اختارت بكامل إرادتها الحرة أن تتنازل عنه لصالح الصين. أى إنها هى التى منحت الصين بيديها ذلك «السلاح الافتراضى» من المعادن النادرة الذى تصوّبه وقتما تريد إلى رأس من يثير غضبها.

وليس هناك ما يدل على ذلك أكثر من قصة «المغناطيس الدائم» الذى بدأنا به كلامنا.

هذا المغناطيس الدائم هو المنتج رقم واحد الذى نحتاج فيه للمعادن النادرة. هو القلب النابض لكل الصناعات والإلكترونيات التى نعتمد عليها فى حاضرنا ومستقبلنا، بينما تعد المعادن النادرة هى القلب النابض له. لنقرأ طريقة «بيسر» البسيطة التى تشرح لنا مدى أهمية هذا المغناطيس الدائم فى حياتنا. يقول: «هذا المغناطيس الدائم مسئول عن تحويل الحركة إلى كهرباء وتحويل الكهرباء مرة أخرى إلى حركة. اكتشف العلماء فى الثمانينات من القرن الماضى أن إضافة بعض المعادن النادرة مثل النيودينيوم والديسبروسيوم إلى الحديد والبورون ينتج مغناطيساً فى غاية القوة. الأشكال الصغيرة من هذا المغناطيس هى التى تجعل تليفونك المحمول يهتز عند الرنين، والأشكال الأكبر من هذا المغناطيس هى التى تجعل محركات السيارات الكهربائية تدور. أما الأشكال الأكثر ضخامة منه فهى التى تستخدم فى توربينات توليد الطاقة من الرياح لتحويل تلك الطاقة المولدة إلى طاقة كهربائية. إن توربينة واحدة من توربينات توليد الطاقة من الرياح يمكن أن تحتاج إلى خمسمائة رطل من المعادن النادرة».

ويواصل كتاب «بيسر»: «فى التسعينات، كان كل إنتاج هذه الأنواع من المغناطيس الدائم تقريباً متركزاً فى الولايات المتحدة واليابان وأوروبا. وبعدها بعشرة أعوام أصبح معظم ذلك الإنتاج متركزاً فى الصين!. هذا الأمر لم يحدث بالصدفة. بدأت القصة فى منتصف التسعينات، عندما قررت شركتان من الصين شراء شركة أمريكية تنتج وتمتلك براءة اختراع خاصة بأحد أنواع المغناطيس الدائم. ووافقت الحكومة الأمريكية على صفقة البيع بشرط أن تظل الشركة تعمل داخل الولايات المتحدة لمدة خمس سنوات على الأقل. وفى اليوم التالى مباشرة لانتهاء تلك المدة المتفق عليها، قامت الشركة بإغلاق ووقف كل عملياتها فى الولايات المتحدة ونقلت أعمالها بشكل كامل إلى الصين».

وما حدث مع صناعة المغناطيس الدائم تكرر فى عشرات الصناعات المتعلقة بالمعادن النادرة.

يتابع كتاب «بيسر»: «هذه النقلة فى صناعة المغناطيس الدائم من الولايات المتحدة إلى الصين كانت جزءاً من تحول أكبر للقوة من الغرب إلى الشرق فيما يتعلق بالعديد من الصناعات الثقيلة. ومنها صناعات المعادن الحرجة أو النادرة. حدث هذا التحول من ناحية لأن بعض الدول الصاعدة فى تلك الفترة، وعلى رأسها الصين، كانت تتوق لبناء قواعدها الصناعية والاندماج فى الاقتصاد العالمى. يضاف إلى ذلك امتلاكها لقدر كبير من الموارد الطبيعية والمعدنية، وملايين الأشخاص المستعدين للعمل مقابل أجور تقل كثيراً عن أمثالهم فى الغرب».

إلا أن الدول الغربية أيضاً، وعلى رأسها الولايات المتحدة، كان تريد، بل وترحب بهذه النقلة الصناعية إلى الصين.

يقول كتاب «بيسر»: «لقد حدثت هذه النقلة فى صناعة المغناطيس الدائم وغيرها من صناعات المعادن النادرة إلى الصين لأن الدول الغربية شعرت بالإرهاق والملل من التلوث والتخريب (خاصة التخريب البيئى) الذى تتسبب فيه الصناعات المتعلقة بالتعدين والتنقيب عن المعادن وتصنيعها وتكريرها على أراضيها. أصبح النشطاء من المدافعين عن البيئة أعلى صوتاً وتأثيراً (والتشريعات البيئية التى تفرض قيوداً على صناعات التعدين أكثر تكلفة) وانضم المحافظون فى السياسة الأمريكية الذين يريدون أن يروا «أمريكا جميلة» إلى هذه الحملات البيئية، بعد أن رأوا أن من مصلحة بلادهم أن يتم تصدير هذه الصناعات التى تنتج قدراً كبيراً من التلوث إلى دول أخرى بعيدة عنهم. وبذلك يمكن للمواطنين الأمريكان أن يواصلوا شراء المنتجات التى يحتاجون إليها بينما يظل التلوث والمخلفات التى تنشأ عن تصنيع هذه المنتجات فى الفناء الخلفى لدول أخرى. وهكذا، وعلى مدى العقدين الأخيرين من القرن العشرين، أصبحت صناعات طاقة المستقبل مقسمة بين الصين التى صارت تقوم بـ«العمل القذر» (الناجم عن ملوثات صناعات التعدين) اللازم لتصنيع مكونات «التكنولوجيا النظيفة»، وبين الدول الغربية التى تقوم بشراء هذه المنتجات المصنّعة فى الصين، فى الوقت الذى تتفاخر بممارساتها الصناعية المثالية التى تحافظ على سلامة البيئة فى أراضيها»!.

هذا «النفاق البيئى» الذى لا يجد مانعاً من تلويث جزء يبدو بعيداً من الأرض والانتفاع بما ينتج عنه ولا يهمه إلا «نظافة» أراضيه هو سمة مميزة لدول العالم الغربى. تلك الدول التى يبدو أنها لا تعتبر أن كلمة «البيئة» تمتد لتشمل ما وراء حدودها وهوائها وأنهارها وأراضيها. لكن هذه المرة، دفعت الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة ثمناً غالياً: صحيح أنها ربما تكون قد صدرت التلوث والمخلفات إلى الصين، لكنها فقدت سيطرتها على ما تبين فيما بعد أنه صناعات حيوية يعتمد عليها المستقبل بأكمله.

الصين انتبهت إلى أهمية المعادن النادرة منذ السبعينات واعتبرتها «استراتيجية» فى اقتصاد المستقبل

أى إنها من أجل «وهم» الحصول على ما تريد بغير تلوث ولا تعب، قد فقدت سيطرتها على «الواقع» وأضعفت من قوتها فى المستقبل.

أما الصين فكانت واضحة للغاية فيما تريده من المعادن النادرة منذ بداية دخولها إلى ساحة اللعبة العالمية. يقول كتاب «بيسر»: منذ سبعينات القرن الماضى والصين تلقى بثقلها فى الاستثمار فى مجال المعادن النادرة، ووصفت «بكين» تلك المعادن بأنها «معادن استراتيجية». وأعلنت الصين أن طموحاتها تتمثل فى تطوير استخدامات المعادن النادرة وتحويل ميزة امتلاكها لمخزون كبير منها إلى عنصر من عناصر التفوق الاقتصادى. وكما أن الشرق الأوسط يمتلك البترول، فإن الصين تمتلك المعادن النادرة. وهكذا، واليوم فى القرن الحادى والعشرين، أصبحت صناعات المعادن النادرة فى الصين تمثل تهديداً فى نظر صناع القرار الأمريكى على الأمن القومى، وخطراً متزايداً على إمدادات المواد والتكنولوجيا الاستراتيجية والحساسة للولايات المتحدة، وأنه عندما ترغب الصين فى استعراض عضلاتها بأساليب القوة الناعمة عبر حظر تصدير المعادن النادرة فإنها لا تتردد فى القيام بذلك».

قرار صينى واحد زاد أسعار المعادن النادرة بنسبة ٢٠٠٠٪ وتسبب فى إفلاس ٥٩ شركة حول العالم وإصابة الصناعات فيه بالشلل

والواقع أن الصين لم تبتدع هذا الأسلوب فى الضغط. هى فقط تفعل ما فعلته معظم دول العالم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة كثيراً من قبل.

يقول «بيسر»: «إن قيام الدول بقطع إمداداتها من الموارد المهمة والحيوية عن منافسيها أو أعدائها ليست أسلوباً جديداً. دول منظمة «الأوبك» قطعت واردات النفط لإسرائيل وحلفائها خلال حرب ١٩٧٣. والولايات المتحدة نفسها قطعت وارداتها من غاز «الهليوم» (المستخدم فى الطيران) لألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وقطعت وارداتها من القمح للاتحاد السوفيتى بعد غزوه لأفغانستان عام ١٩٧٩. حالة الصين مع المعادن النادرة لا تختلف عما سبق. فى السنوات الأخيرة، هددت الصين بقطع واردتها من المعادن النادرة للصناعات الدفاعية الأمريكية رداً على دعم الولايات المتحدة لـ«تايوان» (التى تريد الصين ضمها إليها). وعام ٢٠٢٣، فرضت الصين قيوداً على تصدير بعض المعادن التى تستخدم فى تصنيع الألواح الشمسية ومكونات السيارات الكهربائية بالإضافة إلى «الجرافيت» الذى يستخدم فى تصنيع البطاريات رداً على قيام واشنطن بوقف بيع تكنولوجيا رقائق الكمبيوتر لبعض الشركات الصينية، الأمر الذى دفع وزيرة الطاقة الأمريكية «جنيفر جرانهولم» وقتها لأن تقول عن الصين: عندما يتعلق الأمر بالمعادن النادرة، فإننا نواجه مورداً مهيمناً لديه استعداد لتحويل قوته فى السوق إلى سلاح لتحقيق مكاسب سياسية».

لكن تلك كانت مجرد البداية بالنسبة للصين.

وكان العملاق الصينى يستعد لانطلاقة أخرى فى سباق الهيمنة على سوق المعادن النادرة الذى لا يكاد ينافسه فيه أحد رغم لهاث أمريكا المستمر لتعويض ما فات.

ووسط ذلك كله كانت هناك دول أخرى لا ينتبه إليها أحد هى التى ستدفع الثمن وسط صراعات الكبار التى لا ترحم.

لكن تلك قصة أخرى.


مواضيع متعلقة