أحمد ناجي قمحة يكتب: إلى أين يذهب الإقليم ومن هو العدو القادم؟

كتب: editor

أحمد ناجي قمحة يكتب: إلى أين يذهب الإقليم ومن هو العدو القادم؟

أحمد ناجي قمحة يكتب: إلى أين يذهب الإقليم ومن هو العدو القادم؟

شهدت المنطقة تصعيدًا خطيرًا بشن الولايات المتحدة هجومًا عسكريًا مباشرًا على المنشآت النووية الإيرانية في نطنز، فوردو، وأصفهان. هذا الهجوم، الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسؤوليته عنه، يمثل نقطة تحول محورية في العلاقات الإقليمية والدولية، ويفتح الباب أمام تداعيات واسعة النطاق على المستويات السياسية، الأمنية، والاقتصادية.

حيث وقع الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان. ووصفه ترامب بـ«الناجح جدًا». وأوضح ترامب في منشور على منصته تروث سوشال، أن الضربات شملت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، مشيرًا إلى أن حمولة كاملة من القنابل أُسقطت على الموقع الرئيسي في فوردو، وأن الطائرات المنفذة للعملية غادرت الأجواء الإيرانية بسلام، وهي في طريق عودتها إلى الوطن.

ويأتي هذا التصعيد بعد يومين فقط من إعلانه أنه سيتخذ قرارًا خلال أسبوعين بشأن الانضمام إلى الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد طهران.

تحليل التصريحات الإسرائيلية والأمريكية والإيرانية

توالت التصريحات سريعًا من كافة الأطراف بعد توجيه الضربة، ونستعرضها فيما يلي:

1. خطاب بنيامين نتنياهو

أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد توجيه الجيش الأمريكي ضربات للمنشآت النووية الإيرانية، مؤكدًا أن القوة تأتي أولا ثم يأتي السلام.

وكتب نتنياهو في تغريدة على منصة إكس: «كثيرًا ما نقول أنا والرئيس ترامب: السلام عبر القوة. أولًا تأتي القوة، ثم يأتي السلام. والليلة، تصرّف الرئيس دونالد ترامب والولايات المتحدة بقوة كبيرة».

2. خطاب دونالد ترامب

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه سيلقي خطابًا وشيكًا إلى الأمة عقب تنفيذ القوات الأمريكية ضربات داخل إيران، مؤكدًا أن ما جرى يمثل لحظة تاريخية للولايات المتحدة وإسرائيل والعالم. وذكر ترامب في خطابه أن الهدف من الضربات هو تدمير قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم ومنع أي تهديد نووي مستقبلي، مشيرًا إلى أن منشأة فوردو النووية انتهت (بمعنى تدمرت).

كما أكد أن جميع الطائرات عادت بأمان إلى قواعدها، وهنأ «المحاربين الأمريكيين العظماء». وأضاف ترامب في منشور على منصته تروث سوشال، أنه أتم الهجوم الناجح جدًا على المواقع النووية الثلاثة في إيران، بما في ذلك فوردو ونطنز وأصفهان، وأن على إيران الآن الموافقة على إنهاء هذه الحرب.

3. ردود الفعل الإيرانية

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده تحتفظ بكل الخيارات للدفاع عن سيادتها ومصالحها وفقًا لميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح بالرد دفاعًا عن النفس.

وأضاف «عراقجي» في تصريحات إعلامية، صباح الأحد، تعقيبًا على استهداف أمريكا لـ3 منشآت نووية: «واشنطن ارتكبت انتهاكًا جسيما لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي بمهاجمتها منشآتنا النووية السلمية».

وتابع: «أحداث هذا الصباح لها عواقب وخيمة وعلى أعضاء الأمم المتحدة الشعور بالقلق إزاء هذا السلوك الإجرامي».

فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني عبر منصة إكس بعد الضربة الأمريكية للمواقع النووية الإيرانية، أن الحرب بالنسبة له قد بدأت الآن. أعلن الحرس الثوري الإيراني أن المرحلة العشرين من عملية «الوعد الصادق 3» التي شنها على مواقع إسرائيلية شملت تكتيكات وأهدافا جديدة.

وبحسب بيان الحرس (نصًا) فإن الموجة العشرين من عملية «الوعد الصادق 3» شنت باستخدام مزيج من الصواريخ طويلة المدى العاملة بالوقود السائل والصلب ذات الرؤوس الحربية المدمرة، وتكتيكات جديدة لاختراق الدرع الدفاعي للعدو ضد الأهداف التالية:

1. مطارات بن غوريون

2. مركز الأبحاث البيولوجية التابع للنظام الصهيوني

3. قواعد دعم النظام وطبقاته المختلفة

4. مراكز القيادة والسيطرة

التأثيرات الداخلية على النظام الإيراني

بعد الهجوم الأمريكي على منشآتها النووية، يواجه النظام الإيراني ضغوطًا داخلية وخارجية كبيرة. تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، يعكس موقفًا حازمًا يدين الهجوم باعتباره انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومعاهدة حظر الانتشار النووي، والرد المفاجئ والقوي في الداخل الإسرائيلي بعثر الكثير من أوهام سلام القوة. فهذا التصريح وضع الأساس للرد الإيراني، ويؤكد على أن طهران تحتفظ بجميع الخيارات للدفاع عن سيادتها ومصالحها وشعبها. يمكن تحليل التأثيرات الداخلية وردود الفعل المحتملة على النحو التالي:

1. التأثير على الشرعية الداخلية للنظام

الهجوم المباشر على المنشآت النووية، خاصة بعد إعلان ترامب مسؤوليته، يضع النظام الإيراني في موقف حرج أمام شعبه. فمن جهة، يجب على النظام إظهار القوة والقدرة على الرد لحفظ ماء الوجه وتعزيز شرعيته. ومن جهة أخرى، فإن أي رد فعل متهور قد يؤدي إلى تصعيد لا تحمد عقباه، مما قد يهدد استقرار النظام نفسه.

تصريح عراقجي الذي يصف الأحداث بـ«الشنيعة» وذات عواقب وخيمة يهدف إلى حشد الدعم الداخلي وإظهار جدية الموقف الإيراني.

2. الضغوط على القيادة لاتخاذ قرار

القيادة الإيرانية، ممثلة بالمرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس بزشكيان، ستكون تحت ضغط هائل لاتخاذ قرار بشأن كيفية الرد. الخيارات المتاحة تتراوح بين الرد العسكري المباشر، الذي قد يؤدي إلى حرب شاملة، والرد غير المباشر عبر الوكلاء، أو حتى اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية مع الحفاظ على التهديد بالرد.

تأكيد عراقجي على أن إيران تحتفظ بجميع الخيارات هو رسالة مزدوجة: للعالم بأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي، وللداخل بأن القيادة تدرس جميع الاحتمالات.

3. التأثير على البرنامج النووي

على الرغم من أن الهجوم استهدف المنشآت النووية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت أن الهجمات تهدد سلامة البرنامج النووي الإيراني. هذا يعني أن الهجوم قد يكون قد أثر على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، مما قد يدفعها إلى تسريع برنامجها النووي بشكل سري أو علني، أو قد يدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجيتها النووية بالكامل لحد الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي ومنع عمل ممثلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وغلق كاميرات المراقبة. تصريح عراقجي يشير إلى أن إيران تعتبر برنامجها سلميًا، وأن الهجوم هو انتهاك لهذا الطابع السلمي.

خيارات الرد الإيراني المحتملة

بناءً على تصريح عراقجي الذي يؤكد على حق إيران في الدفاع عن سيادتها ومصالحها، تتعدد الخيارات أمام إيران للرد على الهجوم الأمريكي، وتشمل:

1. الرد العسكري المباشر: استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وهو الخيار الأكثر خطورة وقد يؤدي إلى مواجهة شاملة. هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر التصعيد المفتوح الذي قد لا تملك طهران القدرة على السيطرة عليه، خاصة في ظل التفوق العسكري الأمريكي.

2. استهداف المصالح الأمريكية غير العسكرية: استخدام شبكة الحلفاء والميليشيات لتنفيذ هجمات غير تقليدية على مصالح أمريكية أو سفارات أو منشآت اقتصادية في دول قريبة منها أو البحر الأحمر. هذا النوع من الرد يسمح لطهران بتوجيه رسالة قوية دون إعلان الحرب بشكل رسمي.

3. الهجمات الإلكترونية: استهداف البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة أو حلفائها في المنطقة. تملك طهران سجلاً حافلاً في هذا المجال، وقد تستخدم هذا الخيار لتفادي الردود العسكرية المباشرة.

4. قصف مكثف على إسرائيل: توجيه هجمات صاروخية عنيفة إلى إسرائيل، بما في ذلك احتمال استهداف مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي. على الرغم من أن هذا الخيار يبدو صعبًا بسبب التحصينات الإسرائيلية، إلا أن مسؤولين إيرانيين أشاروا سابقًا إلى «إسرائيل النووية» كهدف مشروع.

5. إغلاق مضيق هرمز: عرقلة الملاحة أو إغلاق المضيق مؤقتًا باستخدام الألغام البحرية أو الزوارق السريعة أو الصواريخ الساحلية. هذا الخيار يحمل مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة على إيران نفسها، وقد يجلب لها أعداء جدد.

6. ضربة لحفظ ماء الوجه ثم الدخول في عملية سياسية: تنفيذ ضربات محدودة لحفظ ماء الوجه، ثم تدويل الاعتداء الأمريكي وطرحه أمام مجلس الأمن الدولي لكسب مشروعية دولية وإدانة واشنطن. هذا الخيار قد يكون الأقرب، حيث تسعى إيران للحفاظ على هيبتها الإقليمية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مدمرة.

تصريح عراقجي بأن الهجوم انتهاك للقانون الدولي يفتح الباب أمام الخيار الدبلوماسي والقانوني، حيث يمكن لإيران أن تسعى للحصول على دعم دولي لإدانة الهجوم، مما قد يخفف من الضغط عليها للرد عسكريًا بشكل فوري. ومع ذلك، فإن تأكيده على «جميع الخيارات» يعني أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا بقوة.

التداعيات الإقليمية والدولية

إن أي رد إيراني على الهجوم الأمريكي، خاصة إذا كان عسكريًا مباشرًا، سيؤدي إلى تداعيات إقليمية ودولية خطيرة:

1. تصعيد إقليمي: قد تنجر المنطقة إلى حرب شاملة، خاصة إذا استهدفت إيران القواعد الأمريكية أو المصالح الإسرائيلية. هذا سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.

2. تأثير على أسعار النفط: أي تصعيد في الخليج، خاصة إذا طال منشآت نفطية أو أوقف الملاحة في مضيق هرمز، سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، مما سينعكس سلبًا على الأسواق العالمية والاقتصادات الكبرى.

3. تآكل الاستقرار الدولي: سيسهم هذا التصعيد في انخفاض الثقة العالمية بالاستقرار في الشرق الأوسط، ويضعف من قدرة المجتمع الدولي على ضبط الأزمات النووية حول العالم.

4. سباق تسلح نووي: إذا قررت إيران تسريع خطواتها نحو امتلاك سلاح نووي كرد على الهجوم، فإن ذلك قد يدفع دولًا أخرى في المنطقة إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية، مما يؤدي إلى سباق تسلح نووي خطير.

5. تأثير على العلاقات الدولية: ستتأثر العلاقات بين الدول الكبرى، حيث قد تزداد التوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، خاصة إذا اتخذت الأزمة أبعادًا دولية أوسع [17].

باختصار، فإن رد إيران المحتمل قد يكون له عواقب جيوسياسية تهز النظام الدولي برمته، وقد يؤدي إلى حرب إقليمية مفتوحة تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.

إعادة صياغة الشرق الأوسط الجديد والعدو القادم

يشير مفهوم «الشرق الأوسط الجديد»، وفقًا للاستراتيجية الأمريكية المدعومة إسرائيليًا، إلى منطقة خالية من النفوذ الصيني والروسي والأوروبي. الحرب الحالية بين إيران وإسرائيل، والتي تدخلت فيها الولايات المتحدة، تُعد تدشينًا لمرحلة جديدة في المنطقة، وتهدف إلى تغيير وجه الشرق الأوسط.

الهدف من هذه الاستراتيجية هو ترسيخ الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة وهو ما يتضح جليًا من كلمتي نتنياهو ونرامب، من خلال تفكيك وتركيب الدول بما يحقق المصالح المشتركة. الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية يخدم هذا الهدف من خلال إضعاف إيران، التي تُعتبر أحد العوائق الرئيسية أمام تحقيق هذا «الشرق الأوسط الجديد»، والتي تعد –مهما بلغ حجم الخلاف والعداء معها- نطاقًا مهمًا لتحقيق التوازن في الجغرافيا السياسية الإقليمية.

بناءً على التحليلات، فإن العدو القادم للتحالف الأمريكي الإسرائيلي في سياق إعادة صياغة الشرق الأوسط الجديد، سيكون أي قوة أو جهة تعارض الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية وتسعى للحفاظ على استقلاليتها أو نفوذها في المنطقة. يمكن أن يشمل ذلك:

1. حركات المقاومة: أي حركة مقاومة مسلحة أو سياسية تعارض الوجود الأمريكي أو الإسرائيلي في المنطقة.

2. الدول التي تسعى لامتلاك قدرات نووية: أي دولة في المنطقة تسعى لتطوير برنامج نووي مستقل قد تُعتبر تهديدًا للمصالح الأمريكية الإسرائيلية.

3. القوى الإقليمية الصاعدة: أي دولة أو تحالف إقليمي يسعى لزيادة نفوذه بشكل يتعارض مع الأجندة الأمريكية الإسرائيلية.

4. القوى الدولية المنافسة: استمرار سعي الولايات المتحدة لتقليص النفوذ الصيني والروسي في المنطقة يعني أن هذه القوى قد تُعتبر خصومًا غير مباشرين في هذا السياق.

فالهدف النهائي هو ضمان أمن إسرائيل وتفوقها في المنطقة، وتأمين تدفق الطاقة، والحفاظ على الهيمنة الأمريكية. أي طرف يعرقل هذه الأهداف قد يصبح «العدو القادم».

يمثل الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية حدثًا ذا أبعاد استراتيجية عميقة، تتجاوز مجرد ضربة عسكرية. لقد كشف هذا الهجوم عن تنسيق غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة ما يعتبرانه تهديدًا وجوديًا، وأعاد تشكيل ديناميكيات القوة في الشرق الأوسط. في حين أن التأثير المباشر على البرنامج النووي الإيراني قد يكون تعطيلًا مؤقتًا، إلا أن التداعيات الأوسع نطاقًا تشمل زعزعة الاستقرار الإقليمي، وارتفاع مخاطر التصعيد العسكري، وتأثيرات اقتصادية عالمية، واحتمال سباق تسلح نووي في المنطقة.

إن رد فعل إيران، سواء كان صامتًا أو عنيفًا، سيحدد مسار الأحداث المستقبلية. فبينما قد يؤدي الرد المباشر إلى حرب شاملة، فإن الصمت قد يُفسر على أنه ضعف ويشجع على المزيد من الضغوط. في كلتا الحالتين، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث تسعى القوى الكبرى والإقليمية إلى إعادة صياغة خريطتها الجيوسياسية وفقًا لمصالحها. في هذا السياق، فإن أي طرف يعارض الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية قد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع هذا التحالف، مما ينذر بمزيد من الصراعات والتوترات في المستقبل المنظور.

فالمشهد الضبابي الحالي ينبغي أن نضع في حسابنا ونحن نحاول تحليله محموعة من المتغيرات المتعلقة بما هو أبعد من طرفي الصراع، أو النظريات المؤدلجة، أو العواطف الدينية، أو العنتريات، أو الانحيازات الخاصة بالكاتب.


مواضيع متعلقة