سيناء بين العَلَم المصري والراية السوداء.. سردية الخيانة والعمامة والدم
فى عُمق الخريطة المصرية، هناك مكان لم يكن يوماً مجرد مساحة رملية أو صخرية بين البحر والصحراء، بل كانت دائماً هى الحد الفاصل بين ما نملك وما يُنتزع، بين ما نُدافع عنه وما يتسلل إلينا، فى هذا الركن الجغرافى الفاصل، تلاقت قناتان من التاريخ المصرى: القناة الأولى جرت فيها قوافل «الفرعون المحارب» عبر الطريق الحربى القديم، تدافع عن تخوم الأرض، وتُرسّخ فكرة أن الحدود تُصان بالسلاح والدم.
والقناة الثانية انسابت عبر خطوات عمرو بن العاص قادماً من رفح، ليس غازياً بل حاملاً لرسالة، تبدأ بالدعوة ولا تنتهى بالسيف، وعلى مدى القرون ظلّت سيناء هى المكان الذى تلتقى فيه الدولة بالدين، وتتصارع فيه الراية مع الراية، ويُختبر فيه كل مشروع: مشروع الغزاة، ومشروع المحررين، فسيناء ليست مجرد شبه جزيرة، إنها الفراغ الحرج، والكتلة المفصل، والمسرح الأزلى لعبور الخارج إلى الداخل، وفى كل تاريخ مصر لم تكن سيناء مشكلة فى ذاتها، بل كانت مرآة لمشاكل الدولة المصرية مع ذاتها، فحين تكون مصر قوية، تكون سيناء مدخلاً للحج والحماية، وحين تضعف مصر، تصبح سيناء نقطة تسلل، وخط انكسار حضارى، ومنصة لعدوان الداخل باسم الخارج.
أراد «الإخوان» أن يحوّلوا مصر من أمة إلى طائفة ومن حضارة إلى مشروع فرقة دينية.. ولكن ثارت فى يونيو واستعادت حدّها الوطنى
لذلك بعد ثورة يونيو لم يكن ما جرى فى سيناء مجرد رد فعل أمنى فقط، بل كان انفجاراً متأخراً لهامشية طويلة، لقد تسللت الجماعات لا من فراغ الجغرافيا، بل من فراغ الوطنية، ومن خلفهم جاءت حماس لا كحركة مقاومة، بل كظل لجغرافيا ممزقة، تمارس ثأرها الأيديولوجى من خريطة مصر، أما الإخوان، فكانوا -فى عمق الجوهر- خطأ فى معادلة الهوية المصرية، لأنهم أرادوا أن يحوّلوا مصر من أمة إلى طائفة، ومن حضارة إلى مشروع فرقة دينية.
ولأن مصر التى ثارت فى يونيو استعادت حدّها الوطنى، فقد جاء الرد من تحت الرمال.. رصاصاً ونسفاً وتكفيراً، ويوم أن توعدنا القيادى الإخوانى «البلتاجى» بسيناء وقع فى روعى وأنا أراقب الأحداث وأتفاعل معها أن ما يحدث فى سيناء ليس «إرهاباً» بل هو هجوم جغرافى على مفهوم مصر نفسها: على صورتها، ومكانتها، وشرعيتها كأمة، ولذلك لم يكن ما حدث فى سيناء مجرد معركة أمنية، بل صراع بقاء حضارى طويل النفس، وفى هذا الصراع لم تكن مصر تحارب جماعات، بل كانت تحارب خرائط أخرى يُراد لها أن تُرسم فوق جلد مصر.
بعد ثورة يونيو 2013، لم يكن الخطر الحقيقى كامناً فى القاهرة أو الدلتا أو الجنوب، ولكن الخطر الحقيقى، وربما الأعمق فى مسار الدولة المصرية كان هناك.. فى الشرق.
كانت الأحداث تتسارع فى توقيت متزامن:
■ الرئيس المعزول خارج القصر.
■ جماعة الإخوان تبدأ خطاب «الشرعية أو الدم».
■ وعلى بعد مئات الكيلومترات كانت شحنات السلاح تُنقل من مخازن فى السودان وغزة إلى الكثبان، ثم ظهرت أسماء كُنا نظنها بعيدة عن المشهد ولكنها خرجت بفجاجة إلى حياتنا فجأة:
■ كتائب القسام.
■ مجلس شورى المجاهدين.
■ أنصار بيت المقدس.
■ وبقايا «القاعدة» ممن عبروا من ليبيا إلى دروب الأنفاق.
بين كل هؤلاء كان هناك خيط، ليس بالضرورة تنظيمياً مباشراً دائماً، لكنه مشترك فى العقيدة، فى العداء للدولة الوطنية، فى تقديس السلاح، وفى وهم استعادة «الخلافة» على أنقاض الوطن، لذلك فإن ما حدث فى سيناء بعد يونيو لم يكن مجرد ارتباك أمنى، بل كان بتوصيف أدق هجوماً على الجغرافيا المصرية من داخل فكرة مأزومة، وأمام هذه الوقائع، كانت الدولة المصرية مطالَبة بأكثر من حماية الأرض، كانت مطالَبة بأن تسترد مشروعها السياسى والوطنى من خريطة باتت مرشّحة للتهتك على أكثر من جبهة، وهذه ليست حكاية «إرهاب» فقط، بل حكاية تاريخ طويل بدأ منذ أن خُلق التنظيم السرى، ولم ينتهِ مع قنابل العريش، وهى كذلك قصة مصر فى مواجهتها الأبدية مع من أرادوا لها أن تُختصر فى جماعة.. أو أن تُدار من سرداب.
فمنذ الساعات الأولى، وُضعت الخطط البديلة. كان هناك تقدير داخل بعض الدوائر أن الجماعة تخطط للعودة إلى الحكم ليس من الميادين، بل من الحدود، فأُطلق العنان لخلايا نائمة، وجرى تنشيط ما سُمّى آنذاك «الذراع العسكرية للإخوان فى سيناء».
وفجأة وسط هذه العتمة يظهر اسم «أنصار بيت المقدس» ذلك التنظيم الذى كان إلى حد قريب مجرد شبح فى تقارير أمنية محدودة، فصار بعد العزل قوة مشتبكة، تنفذ وتصور وتبث وتعلن.
وخلال شهرين، كانت خارطة الهجمات قد تلوّنت بالدم:
■ تفجير خط الغاز مجدداً.
■ مهاجمة الأكمنة.
■ وظهور أول فيديوهات تعلن بوضوح أن «العدو أصبح الجيش المصرى».
وآهٍ من حماس، وما أدراك ما حماس؟، إنهم من ساندتهم مصر إعلامياً ولوجيستياً، ساندتهم بحسبهم إحدى أذرع المقاومة فى فلسطين، لذلك فإن كثيرين فى الداخل والخارج تردّدوا قبل أن يربطوا بين تصاعد العنف فى سيناء ودور حماس، باعتبارها «حركة مقاومة»، لكن الوثائق والتقارير كانت أكثر وضوحاً، فمنذ حكم «مرسى»، تم فتح قنوات اتصال بين قيادات من القسام وبعض مكاتب الإخوان فى القاهرة، فقدم لهم الإخوان تسهيلات فى المعابر، وأقاموا معهم علاقات مالية وتجارية، وجمعتهم اجتماعات فى الدوحة وأنقرة، فكان ذلك بمثابة ضوء أخضر لعبور عناصر قتالية حمساوية من غزة إلى سيناء أثناء حكم الإخوان لكى يكونوا جدار حماية للإخوان إذا حم القضاء، فكان ما خططوه، إذ بعد عزل «مرسى» لم يكن أمام حماس سوى أن «ترد الجميل» للتنظيم الأم، فقدمت لهم فى سيناء شحنات سلاح، وعناصر مقاتلة، وتنسيقاً لوجيستياً فى تهريب الأموال وتفكيك الأجهزة اللاسلكية، كل ذلك بهدف إنهاك الجيش المصرى على حدود مشتعلة.
ما حدث فى سيناء لم يكن مجرد معركة أمنية بل صراع بقاء حضارى وفى هذا الصراع لم تكن مصر تحارب جماعات بل كانت تحارب خرائط أخرى يُراد لها أن تُرسم فوق جلد مصر
لكن التحول الأخطر كان فى نوفمبر 2014، حين أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس البيعة الرسمية لأبوبكر البغدادى، زعيم داعش فى العراق والشام، هنا لم يعد الأمر شأناً مصرياً صرفاً، بل صار ملفاً إقليمياً مرتبطاً:
■ بسقوط الموصل.
■ بظهور «الخلافة» على اليوتيوب.
■ وبأموال تمر من بنوك مظلمة فى إسطنبول إلى صحراء سيناء، وبدأ التخطيط لمرحلة جديدة عنوانها الرئيسى هو: «إنهاك الجيش المصرى عبر حرب عصابات مستمرة، على الطريقة الأفغانية».
وكانت سيناء على استعداد تام لاستقبال جحافل الإرهاب، لم تكن سيناء خائنة ولن تكون، فسيناء ليست صحراء فقط تقع داخل الخريطة المصرية، بل هى صمتٌ استراتيجى فى انتظار من يُنطقه، فمنذ عقود عاملنا سيناء كامتداد لا كقلب، أرض مهمَلة لا عضلة وطنية. فتُركت دون عمران حقيقى، ودون تجذير ثقافى فى نسيج الوطن، وحين جاءت الجماعات المسلحة وجدت فيها فراغاً سياسياً وثغرة أمنية وصدعاً اجتماعياً، لذلك لم يكن التنظيم بحاجة إلى اختراع الأرض، فقد كانت الأرض جاهزة تنتظر من يكتب على رمالها ما يشاء.
من الأنفاق إلى الجبال، من الشريط الحدودى إلى مدقات الصحراء، كانت سيناء تعلن أنها غاضبة -لا على الوطن- بل على ما جرى عليها باسم الوطن من إهمال وتهميش، فجرى على أرض سيناء كائن مسخ اسمه التطرف، والتطرف ليس فقط طلقة فى بندقية، بل هو فكرة تائهة تبحث عن وطن يستقر فيه، فتختطف العقول قبل أن تقتل الأجساد، فتحرك التطرف منتقلاً من «السمع والطاعة» إلى «الذئاب المنفردة» ومن «التحرك بالموعظة»، إلى «التحرك بالحزام الناسف».
وفى سيناء تلك الصحراء التى تنبع بالخير والشر تماماً مثل نفس الإنسان، هناك خط حدودى اسمه «رفح»، لكنه لم يكن يوماً فاصلاً تاماً، بل كان جسراً غير معلن، وحين تحولت حماس من فصيل مقاوم إلى ذراع أيديولوجية لإخوان الخارج، أصبحت سيناء امتداداً للنفوذ لا للمجال الحيوى، فلم يكن العبور عبر الأنفاق تجارةً فقط، بل كان تهريباً للعقيدة والسلاح والدور الوظيفى، وكل عبوة ناسفة انفجرت فى العريش، كانت رسالة مُوقّعة ليس باسم القاعدة أو داعش فقط، بل بتوقيع متعدّد: إخوانى فى الهوى، غزاوى فى اللوجيستيات، سلفى جهادى فى العقيدة.
ولكن الدولة المصرية لم تتأخر، ففى غضون شهور، كانت هناك مراجعة شاملة:
■ عمليات «حق الشهيد».
■ إنشاء قيادة موحدة للمنطقة الشرقية.
■ زيادة قوات التدخل السريع.
■ واستخدام تقنيات تتبع إشارات الهواتف والأقمار الصناعية.
ويبدو أن الذين اعتقدوا أن سيناء ستكون أفغانستان أخرى، نسوا أن الجندى المصرى ليس مرتزقاً، بل ابن تربةٍ تقاتل بنفسها.
لكن التحدى لم يكن أمنياً فقط، التحدى كان فكرياً، لأن من يُقاتلك ليس رجلاً فى جبل، بل فكرة فى رأس شاب تم تجنيده من الإنترنت، أو من زاوية مسجد مهجور.
والدولة فهمت الرسالة، عرفت مصر أن المعركة أطول من رصاص، وأعمق من الأنفاق، وأن المعركة الحقيقية هى معركة وعى، وهذا هو ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كثير من خطبه، معركتنا هى معركة وعى.
ولكن فلتتوقف قليلاً معى عزيزى القارئ، إذ سبق أن كتبت لك أن ما حدث فى سيناء كان انتقاماً، الآن أتراجع عن هذا الظن، ظنى كان خاطئاً، فحين ننظر الآن إلى ما جرى فى سيناء بعد يونيو، نكتشف أنه لم يكن فقط «انتقاماً»، بل كان محاولة حقيقية من الجماعة والتنظيمات الموازية لصناعة دولة بديلة داخل الدولة، دولة لها حدود (الأنفاق)، وجيش (أنصار بيت المقدس)، وأموال (تحويلات من قطر)، وخطاب سياسى (من شاشات إسطنبول والدوحة)، لكنها لم تنتبه أن الدولة المصرية، برغم ما عانته، ليست سهلة الكسر، لأنها ببساطة: لم تُصنع فى معمل جماعة، بل فى فرن الجغرافيا والتاريخ، أما معمل الجماعة فلم تخرج منه إلا عقيدة ترى أن الله لا يُستدعى إلا بقنبلة، ولا يأتى إلا عبر نفق، ولا يُنصر إلا بفكر يرقص فوق جثث الوطن.
والآن يجب أن نكتب لماذا انتصرنا فى معركة سيناء، هل أنت معى فى هذا؟ يا عزيزى نحن انتصرنا لأن فى هذا المكان، سيناء الحبيبة رأينا الرمال تعرف دماء أصحابها، والجبال تحفظ رجع الصدى لأصوات الشهداء، وصار صوت الانفجار أعلى من صوت المآذن، لم يكن القتال بين جيش وإرهابيين فقط، ولكنه كان قتالاً بين ذاكرة تحاول أن تحفظ ما تبقّى من الوطن، وفكرة تسعى إلى تفجيره باسم الله.
ولأن فى هذا المكان، لا شىء يُنسى، لا الخيانة، ولا الغدر، ولا الصمت الطويل، ولا الذين قاتلوا كى تبقى مصر، لا كإمارة، بل كوطن، من هذا المكان هزمت مصر تلك الجماعة ومعها القاعدة وداعش، لأن الجغرافيا لا تَقبل بالطارئين، ولأن مصر لا تعيش فى الكهوف، ولأن سيناء وإن طال صمتها، ليست أرضاً بلا تاريخ، بل ساحة لصراع الوعى والحقيقة، ومن ينتصر فى مصر، فى النهاية، هو مصر.