«المنسي».. البطل الذي لا يُنسى

من أين يبدأ التاريخ؟ هل حين يكتب نفسه على صفحة بندقية؟ سؤال يبدو عتيقاً، لكنه يفرض نفسه كلما واجهت الدول صراعاً لا يخوضه الجيش فقط، بل تتكفّل به إرادة البقاء نفسها، فبعد عام 2013 وجدت مصر نفسها أمام جبهة مفتوحة على كل الاحتمالات، ليست جبهة بالمفهوم العسكرى وحده، بل جبهة فى مفهوم الوجود ذاته: حيث تختلط الحدود بالهوية، والوطن بالرمال، والدين برائحة البارود.

وفى تلك اللحظة، لم يكن الخطر فى العدو الظاهر فحسب، بل فى عدوّ متحوِّل، متخفٍّ، يعرف كيف يحفر أنفاقه فى الأرض وفى العقول معاً، لم تكن سيناء ساحة حرب تقليدية، بل كانت مسرحاً مأساوياً لصراع العصر: الدولة ضد اللا-دولة، المؤسسة ضد الفوضى، الوطن ضد الراية السوداء.

وسط هذا كله، لم يكن بعض الأبطال مجرد مقاتلين على الأرض، بل كانوا تجسيداً حيّاً لما يمكن أن نُسميه: كرامة السلاح عندما يقوده وعى صاحبه.

وهكذا جاء ظهوره، بلا ضجيج، بلا خطب، لم يكن يطلب شيئاً من أحد، لم يقل كلاماً كبيراً عن الوطن، لم يرفع شعارات، ولم يلعن الخونة فى الفضائيات، لكنه كان ينام قُرب الخطر، ويوقظ الخطر من نومه إن اقترب، كان ببساطة الجواب الصامت عن أسئلة كثيرة خرس فيها الكلام.

يكفى أن تعرف أن الرمال ارتجفت حين رحل، وأن الجنود قالوا إنهم رأوا ابتسامته قبل أن يُغمض عينيه، وبعض الابتسامات لا تأتى من الشجاعة فقط، بل من الطمأنينة: أن تفعل ما يجب فعله، وتمضى.

فى كمين مربع البرث لم تكن المعركة عسكرية بل نفسية واستراتيجية.. ومحاولة من التنظيم لإثبات أنه قادر على إسقاط نموذج الضابط المصرى حتى وهو يقاتل

أنا معك عزيزى القارئ، فقد لا تسمح ضرورات الجغرافيا ولا تفاصيل السياسة ولا مواقف المعارك بأن نقف طويلاً عند فرد وسط أمواج العنف التى اجتاحت سيناء، لكن هناك لحظات فى التاريخ لا يصنعها إلا الرجال، رجال من طراز نادر لا يُنتجهم النظام، بل تُنتجهم الفكرة، وتُصقلهم التجربة، وتضعهم المواجهة أمام قدرهم.

أغلب الظن أنكم تعرفون أننى أكتب عن الشهيد أحمد المنسى، صاحب البطولة التى لا يمكن أن تُنسى، لم تكن بطولته مجرد رد فعل على تهديد أمنى، بل كانت صيحة وعى متقدم داخل جسد وطن كان يُستنزف بين خيانات الداخل وضغوط الخارج، لكن فى ميادين القتال، حين يعلو الضجيج، تُسمع أصوات أخرى، أصوات الرجال.

قصة الشهيد أحمد المنسى ليست سيرة فرد بل نموذج لما كانت تحتاجه مصر حين كانت تتمايل تحت وطأة المؤامرات وتهاجم من خاصرتها الشرقية

وهنا يظهر اسم أحمد المنسى، لا باعتباره ضابطاً من بين الآلاف، بل باعتباره موقفاً فى لحظة انهيار، وصوتاً فى زمن التشويش، لم يكن رمزاً من ورق، بل تجربة عسكرية وإنسانية تجمّعت فيها صفات نادرة: الانضباط، الإقدام، ووعى الظرف التاريخى.

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن قصة المنسى ليست سيرة فرد، بل نموذج لما كانت تحتاجه مصر حين كانت تتمايل تحت وطأة المؤامرات وتهاجم من خاصرتها الشرقية، يقيناً عرفت مصر رجالاً خلّدهم الميدان، لكن «المنسى» يندرج تحت طبقة نادرة من المقاتلين: الذين تصبح دماؤهم هى الجواب الأوضح عن أسئلة المرحلة، وتصبح وقفتهم الأخيرة بياناً صادراً من قلب المعركة، لا من مكتب مسئول.

عبر سنوات عمرى رأيتُ رجالاً يرتقون فى الجيوش، لا برتبهم، بل بما يضيفونه لمعنى الجيش ذاته، وكان أحمد المنسى واحداً من هؤلاء.

لقد جاء من الشرقية، مركز منيا القمح، من تربة الفلاح المصرى الأصيل التى عرفت معنى «الوطن»، قبل أن تعرف «الدولة»، لم يكن ضابطاً نمطياً، فقد كانت فى نظرته مسحة تأمل تليق كثيراً بمفكر أو أديب، لكنه لم يكن شاعراً أو عالماً، كان فى منطقة رمادية بين الفكر والفعل، بين الإيمان بالمؤسسة والوعى بأنها تُستهدف من داخلها قبل خارجها.

وفى الوقت الذى كانت فيه سيناء تتحول إلى ساحة معقّدة -فيها داعش والقاعدة، وحماس وفلول الإخوان، و«أنصار بيت المقدس» الذين بايعوا البغدادى على الرمال- كان المنسى فى الميدان، لا يطالع تقارير المخابرات، بل يكتب تقاريره بقدميه فى الأرض، فى النبطية، فى الكمين، وبالبندقية فى مواجهة العدو.

فى كمين مربع البرث، لم تكن المعركة عسكرية فقط، بل كانت نفسية واستراتيجية، إذ كانت محاولة من التنظيم لإثبات أنه قادر على إسقاط نموذج الضابط المصرى حتى وهو يقاتل، لكن المنسى لم يسقط.

لقد قاتل حتى النهاية، حتى النقطة التى لا تغطيها نشرات الأخبار، ولم يصلها التصوير، قاتل وهو ينزف. قاتل وهو ينادى رجاله، قاتل وهو يعلم أن «النجدة» قد تتأخر، وأن ما تبقّى هو السلاح والإيمان بالمهمة، وهذه ليست رومانسية، بل واقعة تقف على حدود الرواية والوثيقة.

هذه قصة بطولة يجب أن نكتبها لتقرأها مصر كلها، وليعرفها العالم العربى كله، ولترتفع كالنجوم فى سماء العالم، هذه قصة بطولة من مئات البطولات لجنود مصريين، نكتبها لتقرأها الأجيال القادمة فتخط لها فى قلبها مساراً وطنياً لا يختلط بالزيف والخديعة.

لم يكن ذلك الفجر عادياً فى البرث برفح المصرية، كانت الظلال أكثر كثافة من المعتاد، رغم أننا كنا فى الصيف، والسكوت الذى يسبق العاصفة قد طال عن وقته الطبيعى. وقبل أن تظهر الشمس من فوق تلال الرمال، جاء الهجوم، كتيبة تكفيرية، لا تقلّ عن 25 عنصراً مدعمين بأسلحة ثقيلة نسبياً بالنسبة لحرب العصابات: مدافع رشاشة متوسطة، قذائف آر بى جى، عبوات ناسفة، وقناصة مثبتين فى نقاط بعيدة.

أتوا من محورين: من جهة الجنوب الشرقى، حيث تسللوا عبر أحد الدروب المهجورة التى كانت تُستخدم قديماً فى التهريب، ومن الجهة الشمالية، حيث وفّر لهم مرصد تابع لهم تغطية نارية أولية.

هذه الكتيبة لم تكن عشوائية. كانت على اتصال مباشر بخط عمليات يتبع «ولاية سيناء»، وهو الاسم المحلى لتنظيم «داعش» فى شمال سيناء، لكن هذا التنظيم نفسه لم يكن سوى تنظيم مشتق بعتاده وأسلحته من المشروع الأم، تنظيم الإخوان الإرهابيين.

ليس هذا مجرد تحليل أيديولوجى، بل هو تسلسل عضوى: فمنذ فض رابعة، وقيادات الإخوان يتنقلون بين إسطنبول والدوحة، وفى جلسات مغلقة أُقرت خطة: إشغال الجيش المصرى فى سيناء، واستنزافه عبر عمليات خاطفة، وفتح جبهة نزيف دائم، حتى لا يكون بكامل طاقته فى المدن.

ولتنفيذ هذا، تم فتح خطوط إمداد عبر الأنفاق التى لم تكن قد أُغلقت بعد، وتم تهريب سلاح نوعى عبر الحدود الليبية فى الغرب، ثم تفريغه فى بادية سيناء.

وكان هناك دور ثالث لا بد من ذكره: حركة حماس، التى إن لم تعلن مسئوليتها، فقد قدّمت التسهيلات، وغضّت الطرف، وأحياناً أرسلت مقاتلين تحت ستار «الدعويين» و«المدربين».

والعملية لم تكن تستهدف كمين البرث فقط، بل كان يُفترض أن تفتح الطريق للسيطرة المؤقتة على عدة أكمنة، لتُعلن منها فى تسجيل يتم تسريبه «الولاية المصرية للخلافة».

لكنها انهارت عند أول مواجهة حقيقية، هذه المواجهة التى استغرقت ساعة ونصف الساعة تقريباً، بدأت بهجوم نارى كثيف، أعقبه تفجير إحدى مدرعات الحراسة، فاستُشهد من استُشهد، لكن العقيد أحمد المنسى رفض الانسحاب، وظل يدير المعركة حتى اللحظة الأخيرة.

وعندما استُشهد اندفعوا نحو الموقع بجنون المنتقم، لا بحثاً عن نصر ميدانى، بل لهدف آخر: هو التمثيل بالجثث، وهى عادة مألوفة لدى التنظيمات التى تقاتل باسم الله، وتثأر باسم إبليس، لكنهم لم يفلحوا، لقد تصدّى لهم من تبقى من الكمين بقيادة النقيب محمد سباعى، الذى قاتل وهو يعلم أن ما بينه وبين الكارثة دقائق، وأن جسد قائده لم يكن فقط جثمان شهيد، بل صار رمزاً يجب ألا يُدنَّس.

سقط التكفيريون، وتأخر هدفهم، وعندما وصل الدعم، كانت المعركة قد انتهت، وانتهى معها حلم التنظيم فى استنساخ «ولاية الرقة» على أرض البرث، وبقى جسد المنسى فى مكانه، كما أراد هو دائماً: فى الصف الأول، فى الخط الأمامى، حتى بعد الموت.

هل تريد أن تعرف الآن أحمد المنسى، هو لم يكن فرداً، لقد كان -فى عبارة أرجو أن تكون دقيقة- صورة مكثّفة للدولة حين تقاتل فى هيئة رجل واحد.