كشف لغز ملكة مصر المنسية.. علماء يعيدون بناء وجه حتشبسوت المحطم

كتب: أمنية سعيد

كشف لغز ملكة مصر المنسية.. علماء يعيدون بناء وجه حتشبسوت المحطم

كشف لغز ملكة مصر المنسية.. علماء يعيدون بناء وجه حتشبسوت المحطم

الملكة حتشبسوت من بين جميع فراعنة مصر القديمة، واحدة من أكثر الشخصيات التي أُهملت ظلمًا في التاريخ، إذ كانت من أوائل النساء الرائدات اللواتي تحدين التقاليد، واتخذت خطوة غير عادية بتتويج نفسها ملكًا، وحكمت مصر لما يقرب من عقدين من الزمن، وبحلول وقت وفاتها في عام 1458 قبل الميلاد، كانت حتشبسوت قد أشرفت على فترة من أقصى درجات السلام والازدهار في مملكتها لم تشهدها منذ أجيال.

هل دُمرت تماثيلها عمدًا أم أعيد استخدامها؟

ولطالما سادت الأسطورة بأن أدلة نجاح حتشبسوت قد مُحيت سريعًا بعد وفاتها، أو أعيد تعيينها لأسلافها الذكور، مع تدمير تماثيلها وتحطيمها، لكن دراسة حديثة تشير الآن إلى أن حتشبسوت لم تكن مكروهة بين خلفائها الذكور بالقدر الذي صوره التاريخ، إذ يعتقد أحد الخبراء بجامعة تورنتو أن تماثيل حتشبسوت - التي كانت ملكًا وملكة في نفس الوقت - لم تُدمر إلا لإعادة استخدام المواد التي صنعت منها، بحسب ما ذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.

وأوضح جون يي وونغ، عالم المصريات بجامعة تورنتو، أن حتشبسوت كانت بناءة غزيرة الإنتاج للآثار، وشهد عهدها ابتكارات عظيمة في المجال الفني، وأضاف: «تشير أبحاثي إلى أن نسبة كبيرة من الدمار الذي لحق بتماثيل حتشبسوت كان في الواقع بسبب إعادة استخدام هذه التماثيل كمواد خام»، إذ كانت حتشبسوت قد حكمت مصر في عهد الأسرة الثامنة عشرة، التي تُعتبر واحدة من أكثر الفترات ازدهارًا وقوة في تاريخ مصر القديمة، وجرى العثور على رفاتها في وادي الملوك عام 1930، لكن لم يتم التعرف عليها رسميًا حتى عام 2007.

شظايا مُستعادة من تمثال حتشبسوت من الحجر الجيري المُتصلب. التقط هذه الصورة المصور الأثري الإنجليزي هاري بيرتون عام ١٩٢٩.

فرضيات تدمير تماثيل حتشبسوت

وعلى الرغم من حكمها الناجح الذي دام عقدين من الزمن، إلا أن الملكة حتشبسوت قد نُسيت إلى حد كبير في التاريخ، كونها امرأة قوية في عالم يهيمن عليه الرجال ودُمرت العديد من آثارها، مما جعل صورها كامرأة نادرة للغاية، ومع ذلك، خلال عشرينيات القرن الماضي، عثرت الحفريات في الموقع الأثري بالدير البحري في الأقصر بمصر على العديد من التماثيل المجزأة لحتشبسوت، ومنذ ذلك الحين، كان يُنظر إلى هذا الضرر تقليديًا على أنه عمل عنيف قام به ابن أخيها وخليفتها، تحتمس الثالث.

لكن الدكتور وونغ يرى أن العديد من التماثيل نجت في حالة جيدة نسبيًا، حيث ظلت وجوهها سليمة تقريبًا، مما يتحدى فكرة أن التدمير كان بسبب عداء تحتمس الثالث تجاه حتشبسوت، ولتحديد الدافع الحقيقي وراء تدمير تلك الآثار التي عُثر عليها في شظايا، قام الدكتور وونغ بفحص المذكرات الميدانية غير المنشورة والرسومات والصور والمراسلات من الحفريات التي جرت في عشرينيات القرن الماضي.

وتشير نتائجه، التي نُشرت في مجلة Antiquity، إلى أن العديد من التماثيل تعرضت لأضرار حدثت بطريقة محددة ومنهجية، ولم يكن سببها تحتمس الثالث، فبدلاً من أن تُحطم عشوائيًا كما لو كانت في حالة غضب، أشارت التحليلات إلى أنها تعرضت للكسر في نقاط ضعفها - الرقبة والخصر والركبتين، وقد أعيد استخدام العديد من التماثيل المكسورة استراتيجيًا في فترات لاحقة كمواد بناء وأدوات.

وجه متشقق لتمثال حتشبسوت، الذي عومل عند وفاتها بنفس الطريقة التي عومل بها الفراعنة السابقون، وفقًا للدراسة الجديدة

كانت الممارسة التاريخية، المعروفة باسم «التعطيل»، تهدف إلى تحييد أي عبادة أو تبجيل متصور تجاه فرعون لم يعد يحكم أو موجودًا ويوضح الدكتور وونغ أن الضرر الذي لحق بالتماثيل حدث إلى حد كبير نتيجة إبطالها الطقسي وإعادة استخدامها لاحقًا، وليس التدمير المتعمد، وأشار إلى أن هذا العلاج لا يشير بالضرورة إلى العداء تجاه الفرد المصور، ونتيجة لذلك، يمكننا أن نفترض أن حتشبسوت عوملت عند وفاتها بشكل يشبه أسلافها الذكور أكثر مما كان يُعتقد سابقًا.

ومع ذلك، يعترف الدكتور وونغ بأن حملة الاضطهاد كانت ضد حتشبسوت، ومن المحتمل أن بعض هذا الدمار كان يهدف إلى الإضرار بإرثها. وقال: «على النقيض من الحكام الآخرين، عانت حتشبسوت من برنامج اضطهاد، ولا يمكن المبالغة في تأثيراته السياسية الأوسع نطاقًا، ومع ذلك، هناك مجال لفهم أكثر دقة لأفعال تحتمس الثالث، والتي ربما كانت مدفوعة بالضرورة الطقسية وليس العداء الصريح».

ووصفت عالمة المصريات والمؤلفة الأمريكية كارا كوني حتشبسوت بأنها المرأة الأكثر قوة ونجاحًا على الإطلاق في حكم العالم القديم الغربي، إذ كانت حتشبسوت الابنة الوحيدة لـ تحتمس الأول، أحد أنجح ملوك المحاربين في مصر القديمة، وقد حصلت على سلطة غير مسبوقة بالنسبة لامرأة، خاصة أنّها ولدت في مجتمع كان فيه التاج ينتقل من الأب إلى الابن وكان من المتوقع أن يتزوج الأطفال الملكيون من أشقائهم.

وفي خطوة غير مسبوقة، تولت حتشبسوت لقب ملكة ومارست كامل صلاحيات العرش بصفتها حاكمة مشاركة كبيرة مع تحتمس، ولتعزيز مكانتها كأول حاكمة، ارتدت الملابس التقليدية وغطاء الرأس وحتى اللحية المستعارة التي يرتديها فراعنة مصر الذكور تقليديًا، وصنعت لنفسها اسمًا لكونها فرعونًا أنثى، ولكن أيضًا لتوسيع التجارة، وتكليف العديد من مشاريع البناء، والحفاظ على السلام إلى حد كبير، ويُعتقد أنها حكمت دون معارضة تُذكر لأكثر من عقدين من الزمن قبل وفاتها، ويُقال إنها ماتت بسرطان العظام حوالي عام 1458 قبل الميلاد.