ترامب يهمّش أوروبا.. هل انتهت الشراكة الاستراتيجية بين ضفتَي الأطلسي؟
مع تصاعد التوتر فى الشرق الأوسط عقب الضربات الأمريكية الأخيرة ضد أهداف إيرانية، عاد إلى الواجهة سؤالٌ بات يؤرق العواصم الأوروبية: هل لا تزال أوروبا شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة؟ أم أن ما كان يُعرف بـ «التحالف الغربى» دخل مرحلة التفكك السياسى والاستراتيجى فى عهد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب؟
فبينما كانت العواصم الأوروبية تجتمع لبحث سبل التهدئة وإعادة فتح قنوات الوساطة بين واشنطن وطهران، كانت الطائرات الأمريكية تنفّذ ضرباتها دون إبلاغ أو تنسيق مسبق مع الحلفاء الأوروبيين. مشهد لا يحمل فقط دلالات سياسية، بل يعكس بوضوح حجم التهميش الذى تعرّض له الاتحاد الأوروبى فى واحدة من أكثر الأزمات الإقليمية خطورة.
عدم احترام متراكم لا مجرد تجاهل
منذ وصوله إلى البيت الأبيض، لم يُخفِ دونالد ترامب استياءه من السياسات الأوروبية، بل عبّر عنه بوضوح. وصف الاتحاد الأوروبى مراراً بـ «الخصم الاقتصادى»، واتهم دوله بعدم تحمّل أعباء الأمن الجماعى داخل حلف الناتو، بل وهدد بسحب القوات الأمريكية من قواعدها فى ألمانيا. هذا التهميش وعدم الاحترام لم يكن عرضياً، بل كان منهجياً، مدفوعاً بعقيدة «أمريكا أولاً»، التى صاغ من خلالها «ترامب» رؤيته للعلاقات الدولية.
فأوروبا، من وجهة نظره، مجرد قوة ناعمة تُفرط فى الحديث عن القيم ولا تمتلك أدوات الردع. وحين قرر الانسحاب من الاتفاق النووى مع إيران عام 2018، فعل ذلك رغم معارضة لندن وباريس وبرلين، متجاهلاً الوساطة الثلاثية التى حاولت إنقاذ الاتفاق. واليوم، يُكرر الفعل نفسه: أوروبا تدعو للتهدئة، وهو يضغط على الزناد.
«تصريح مُهين… ورد فعل غاضب»
لم يكتفِ «ترامب» بتجاوز أوروبا عسكرياً، بل وجّه صفعة دبلوماسية مباشرة حين قال فى تصريحات صحفية إن «إيران لا تثق بالوساطة الأوروبية ولا تعيرها اهتماماً». لم يكن هذا التصريح عابراً، بل كان إهانة مزدوجة: أولاً بإسقاط الدور الأوروبى كوسيط، وثانياً بتشكيك واشنطن فى فاعلية مؤسسات دبلوماسية أوروبية عريقة.
باريس ردّت عبر مصادرها بأنها «مصدومة من اللهجة الأمريكية»، وبرلين رأت أن «الاستفراد بالقرار العسكرى يعمّق الفجوة داخل الحلفاء». ومع ذلك، لم يتجاوز ردّ الفعل الأوروبى سقف البيانات، ليؤكد من جديد هشاشة التأثير الأوروبى فى ملفات الصراع الدولى الكبرى.
هل ما حدث نهاية شراكة أم إعادة رسم لحدود العلاقة؟.. هذا هو السؤال الذى يجب طرحه هنا بجدية: هل نحن أمام نهاية شراكة استراتيجية بين أوروبا وأمريكا، أم مجرّد أزمة عابرة سببها «ترامب»؟ فى الواقع، ما حدث يتجاوز طبيعة شخصية الرئيس الأمريكى.
فأوروبا لم تعد فى موقع القوة المؤثرة منذ سنوات، ولم تنجح فى تحويل قدراتها الاقتصادية إلى ثقل سياسى يُحسب له حساب.
كما أن الانقسام الأوروبى الداخلى، وتراجع بريطانيا عن المشروع الأوروبى (بريكست)، وفشل باريس وبرلين فى قيادة سياسة أمنية موحدة، كلها عوامل جعلت القارة العجوز تفقد تدريجياً مكانتها كقطب فاعل فى توازنات ما بعد الحرب الباردة.
ما يجب على أوروبا فعله؟ إذا أرادت أوروبا أن تستعيد وزنها فى معادلات الصراع والسلام، فلا بد أن:
• تبدأ بتعزيز استقلال القرار الأمنى والعسكرى بعيداً عن المظلة الأمريكية، عبر مشروع «الجيش الأوروبى».
• تبنى سياسة خارجية موحدة وفاعلة، خاصة تجاه الشرق الأوسط.
• تتوقف عن لعب دور «المراقب الغاضب»، وتتحول إلى لاعب حقيقى يمتلك أدوات الردع والمبادرة.
ما فعله «ترامب» لم يكن مجرد تجاهل، بل إعلان صريح: أوروبا خارج معادلة القرار.
ولعل الأهم من السؤال عن احترام «ترامب» لأوروبا، هو السؤال عن احترام أوروبا لنفسها. فالمكانة تُنتزع ولا تُمنح، والغياب عن الأحداث الكبرى ليس قدراً، بل خيار سياسى.