خبراء: شعور الطرفين بتحقيق مكاسب جزئية وضغوط متبادلة وراء وقف إطلاق النار
خبراء: شعور الطرفين بتحقيق مكاسب جزئية وضغوط متبادلة وراء وقف إطلاق النار
دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل حيّز التنفيذ صباح أمس (الثلاثاء)، وسط أجواء من الترقّب الإقليمى والدولى، بعد أسابيع من التصعيد العسكرى المتبادل الذى شمل استهداف منشآت نووية ومنصات صاروخية داخل إيران، وردوداً إيرانية وُصفت بالعنيفة طالت مدناً ومواقع إسرائيلية حسّاسة، ويأتى الاتفاق، الذى جرى بوساطة أمريكية، وبتنسيق مع أطراف دولية، فى وقت تُظهر فيه كل من طهران وتل أبيب رغبة فى وقف التصعيد بعد تحقيق مكاسب محدودة على الأرض، وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة غير محسوبة النتائج.
وقال الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، إن اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل يأتى فى ظل شعور كل طرف بأنه حقّق جزءاً من أهدافه، سواء على المستوى العسكرى أو الرمزى، فمن جانب إسرائيل والولايات المتحدة، هناك ارتياح واضح بعد استهداف المنشآت النووية الإيرانية ومواقع الصواريخ الاستراتيجية، وهو ما تعتبره تل أبيب وواشنطن إنجازاً أمنياً، أما إيران فقد واصلت ضرباتها ضد إسرائيل، حتى اللحظة الأخيرة قبل وقف إطلاق النار، وتمكنت من إلحاق خسائر وُصفت بالكبيرة، مما يمنحها شعوراً بتحقيق الرد والضغط، ويدعم سرديتها بعدم الهزيمة.
وأشار إلى أن إسرائيل اضطرت إلى القبول بوقف إطلاق النار بوساطة أمريكية، وهو ما تراه طهران اعترافاً ضمنياً بتأثير ضرباتها، وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن أى تراجع فى البرنامج النووى الإيرانى، حتى لو جزئى أو مؤقت، يُعد خطوة مهمة فى سياق الحد من قدرات طهران، متابعاً أنه رغم حجم الخسائر التى تعرّض لها الطرفان، فإن كليهما يسعى للظهور بمظهر المنتصر، أو على الأقل غير المهزوم.
وقال عمرو أحمد، مدير وحدة إيران بالمنتدى الاستراتيجى للفكر، إن أهم ما فى هذا القرار هو ما لفت إليه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأن إيران وإسرائيل عبرتا عن رغبتهما فى السلام تقريباً فى الوقت نفسه، وبالتالى هناك رغبة من قِبل إيران وإسرائيل فى وقف الحرب التى دخلت فى نطاق الرد والرد على الرد، دون تحقيق أهداف لأىٍّ من البلدين، إذ إنه باستمرارية هذه الحرب لن يكون هناك فائز ولن يكون هناك رابح لهذه الحرب، بل ستكون بمثابة استهدافات فى عمق كلا البلدين، دون أى منافع، فإيران لن تتحمّل خسائر أكبر من ذلك، كما إسرائيل أيضاً، وبالتالى كانت هناك رغبة لوقف هذا الأمر.
ولفت إلى أن روسيا لعبت دوراً خاصاً بعد لقاء وزير الخارجية الإيرانى مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، إذ أكدت روسيا أنها مع إيران وتقف بجانبها وتدعمها، متابعاً: «أعتقد أن الروس ضامنون لهذا الاتفاق، وهو ما كانت تريده إيران، التى أرادت ضامناً، لأنه لا ثقة مع الولايات المتحدة التى خدعتها مرتين، الأولى حين بدأ القصف قبل المفاوضات بيومين، والثانية حين قال ترامب إنه سيرد خلال أسبوعين وقبل مرور يومين قصف منشآت نووية إيرانية».
وأشار إلى أنه من متابعته الدقيقة لوسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالفارسية، فيبدو أن هناك التزاماً إيرانياً، وربما تحدث خروقات، ولكن كل الأمور تسير نحو هدنة لوقف إطلاق النار، موضحاً أن فكرة صمود الهدنة تتطلب ضمانة من الولايات المتحدة وعدم وجود خروقات من قِبل جيش الاحتلال، وفى الداخل الإيرانى هناك تهيئة للهدنة بالفعل، خصوصاً أن التصعيدات الأخيرة حقّقت مكاسب داخلية للنظام الإيرانى الذى شهد التفافاً وطنياً حتى من المعارضين.
وحذّر الدكتور عمرو حسين، الباحث فى العلاقات الدولية، من أن الاتفاق لا يزال هشّاً ومعرّضاً للاختراق فى أى لحظة، إذا لم يتم التعامل مع جذور الأزمة بطريقة جادة، مؤكداً أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن احتمال صمود التهدئة يرتبط بعدة عوامل، أبرزها مدى التزام الطرفين بوقف العمليات العسكرية، وقدرة الوسطاء الإقليميين والدوليين على مراقبة التنفيذ والضغط على إسرائيل التى اعتادت تاريخياً استغلال أى تهدئة، لإعادة ترتيب صفوفها عسكريّاً وأمنيّاً، وربما للتحضير لجولات جديدة من التصعيد متى رأت ذلك مناسباً لمصالحها الداخلية والخارجية.
وقال إن قبول إسرائيل بوقف إطلاق النار هذه المرة لم يكن خياراً تفضيليّاً بقدر ما كان نتيجة حتمية لجملة من العوامل الضاغطة، فى مقدّمتها الفشل فى تحقيق الأهداف العسكرية المعلنة رغم كثافة الغارات والعمليات البرية، إذ فشلت آلة الحرب الإسرائيلية فى القضاء على القدرات الصاروخية للفصائل، وبقيت المدن والمستوطنات تحت التهديد المباشر حتى اللحظات الأخيرة. إلى جانب ذلك، شكلت الضغوط الدولية، خاصة من القوى الغربية الحليفة لإسرائيل، عاملاً رئيسيّاً فى دفع الحكومة الإسرائيلية للقبول بوقف العمليات القتالية، فى محاولة لمنع توسّع رقعة الحرب وانجرار المنطقة إلى مواجهة أوسع قد يصعب السيطرة على تبعاتها.
وأشار إلى أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية عانت هذه المرة من شلل اقتصادى كبير وتراجع واضح فى ثقة المواطنين بشأن قدرة حكومتهم على حمايتهم، مما زاد من حدة الأصوات المعارضة لاستمرار القتال، خاصة فى ظل اقتراب الأزمات الداخلية للحكومة وتفاقم الخلافات السياسية، وهو ما جعل استمرار التصعيد مكلفاً سياسيّاً لرئيس الوزراء وحكومته.
وأوضح أن تحديد من انتصر فى هذا التصعيد يحتاج إلى قراءة مُتعدّدة الأبعاد، فمن الناحية العسكرية، لم تتمكن المقاومة من تدمير آلة الحرب الإسرائيلية، لكنها نجحت فى تثبيت معادلات ردع جديدة، وأكدت قدرتها على تجاوز الحصار والتطوير المستمر لقدراتها الصاروخية والتكتيكية، وهو ما مثّل صدمة للرأى العام الإسرائيلى وللقادة العسكريين على حد سواء.