«الذئاب المنفردة.. آخر تجليات الإرهاب الإخواني»
فى عام 1978، وبينما كانت روما تتنفس على وقع الرصاص، قامت جماعة الألوية الحمراء باختطاف وقتل رئيس وزراء إيطاليا الأسبق ألدو مورو، وكان مدهشاً بل وصادماً أن معظم المنفذين لم يكونوا أعضاء معروفين فى الجهاز النشط للجماعة، وإنما «مؤيدون بالفكر» تلقوا الخطاب لا التعليمات، والنية لا الأوامر.
أذكر يومها أن تقارير المخابرات الأوروبية بدأت تفرّق بين نوعين من الخطر:
- الخطر التنظيمى، وهو معروف ومراقب ومخترق أحياناً.
- والخطر الجديد الخفى الذى يتحرك فى الظل، ذئباً منفرداً، لا يستشير أحداً قبل أن يغرس أنيابه.
هذا النموذج، الذى لاحقاً سيأخذ اسماً متداولاً فى أدبيات الأمن الدولى بـ«الذئاب المنفردة»، لم يكن جديداً فى فكر الحركات السرية، فالجيش الجمهورى الأيرلندى كان يعتمد على فكرة الخلية التى لا تعرف الخلية الأخرى، لكن الأخطر كان فى من لا ينتمى إلى أى خلية، لكنه يحمل ذات البذرة.
ثم حدث أن انتقلت الذئاب إلى عالمنا، ففى عام 2014 نشر تنظيم «داعش» مجلة دعائية إلكترونية بعنوان «دابق»، وجّه فيها رسالة شهيرة لمناصريه فى أوروبا:
«إن لم تستطع أن تأتى إلينا فى الموصل، فاضربهم هناك فى الكنيسة، فى الحفل، فى الشارع، ولو بسكين مطبخ إن لم تجد غيرها!».
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الهجمات الفردية تحمل توقيعاً جماعياً لا يحتاج إلى توقيع فعلى، فالتنظيم اكتفى بأن يُلهم، لا أن يُجنّد، أن يرسل الفكرة لا الخلية، وأن يجعل من كل غاضب، وكل مشوش، وكل مكبوت مشروع ذئب، يزأر يوماً وحده.
وفى مصر كانت نسخة «الذئب» تحمل خصوصية مختلفة، فهو لم يكن دائماً ناتجاً من عزلة اجتماعية كما فى الغرب، بل كثيراً ما كانت نتاجاً لفكر مؤدلج، حُقن ببطء، وتم تخميره فى السراديب الثقافية والتنظيمية للجماعة الأم.
لننظر مثلاً إلى المسار الذى سلكه كثيرون من منفذى العمليات الفردية فى مصر بعد 2013:
■ شاب فى الجامعة، ينتمى إلى أسر الإخوان.
■ يسمع من شيخه أن الدولة كافرة، وأن قتل الجندى «جهاد».
■ لا يتلقى تعليمات بقتل أى جندى.
■ لكنه لا يهدأ، بل ينفجر وحده.
■ يضرب، ثم يُقتل، ويُقال بعد ذلك: «لا نعرفه!».
شاب آخر يدخل إلى كنيسة ويفجر نفسه داخلها ليقتل العشرات من المواطنين المسالمين الآمنين.
ليس هذا الإرهاب لصورته تلك هو ابن الزمن الحالى فقط، فالإرهاب لا زمن له، والتاريخ يعيد إنتاج نفسه، والذين يظنون أن الإرهاب ظاهرة بلا جذور إنما يعيشون خارج الزمن، فقد كانت فرقة الحشاشين فى القرن الخامس الهجرى نموذجاً أولياً للذئب المنفرد: فردٌ يحمل تكليفاً بالعقيدة، ويُنفّذ القتل بدافع من يقينٍ لا يتزعزع، دون جيش ولا راية، لكنه يَغتال أميراً فى عقر قصره، ثم يبتسم وهو يُقتل، لأن الثواب فى يقينه أكبر من الحياة.
كان الحشاشون طليعة عصرهم فى «القتل الفردى المؤدلج»، لم يكونوا يبحثون عن نصر عسكرى، بل عن زرع الذعر، وسحق رمزية الخصم، وهنا يأتى وجه الشبه مع الذئب المعاصر: شابٌ قد لا يعرف قواعد الفقه، لكنه مشحون بفتوى مُنتزعة من سياقها، وعبوة صنعها بيديه، وهدف حُدّد له على شاشة، أو فى رسالة صوتية مشفّرة، هذا الذئب المنفرد هو الوجه الفردى لتنظيم لم يمت، بل تَحوَّر، وكما أن الحشاشين عاشوا قروناً فى ظل رعاية خفية من بعض القوى الإقليمية، فإن الذئب الآن أيضاً يتغذّى على التمويل التركى، والغطاء القطرى، وشرعية مزيفة تروجها شاشات لندن، إننا لا نواجه إرهاباً فقط، بل نواجه تحولاً فى بنية التنظيم نفسه.
لقد أدركت قيادات التنظيم المسلح للإخوان بعد يونيو 2013 أن التنظيم التقليدى صار عبئاً، وأن القيود الهرمية قد تمنع المبادرة، فاختاروا ما يسميه الأمن اليوم: «الخلايا اللامركزية»، وما نسميه نحن: «نقطة النهاية لمنهج الحشاشين».
ونحن لا نتكلم هنا عن خيال اسمه «الخلايا اللامركزية» ولكن الأحداث التى وقعت فى مصر كانت مثل «جهينة التى عندها الخبر اليقين».
ففى أغسطس 2019 تندفع سيارة مفخخة أمام معهد الأورام بالقاهرة، ثم تنفجر، السائق فجّرها وفجّر نفسه! فكان أن راح ضحيتها عشرات الأبرياء، مجرد فتوى من شيخ إخوانى يظهر على شاشة قناة «مكملين» الإخوانية، يطرح فى فتواه فكرة ملغّمة، فيتبناها شخصٌ قرر أن يموت فى لحظة، ويأخذ معه العشرات.
ثم حدثت بعد ذلك محاولات استهداف قضاة ومسئولين سابقين عبر عبوات ناسفة محلية الصنع فى القاهرة والجيزة.
وحدث أيضاً استهداف أفراد شرطة فى محافظات الدلتا، بل ووصل الأمر إلى اغتيالات بكاتم صوت أو دهسٍ مدبّر، يقوم بها شخص واحد، أو اثنان، دون أى اتصال معروف بجهاز مركزى، هؤلاء لم يخرجوا من معسكر، بل من مسجد فى حى شعبى، أو من صفحة على «تليجرام»، أو من حلقة فى برنامج على «الشرق» أو «مكملين».
وهنا بيت القصيد.. الذئب ليس دائماً وحده، لكنه دائماً مموَّه، لا يقف على باب التنظيم ليلتحق، بل يقف على باب الدعوة ليتشرب، ثم يختفى فى الزحام حتى يأتى يومه، إنه ليس ذئباً منفرداً حقاً، بل هو ذئبٌ انطلق للحياة من داخل عقل التنظيمات السرية، ودهاليز التربية الفكرية التى تبدأ من دروس المساجد ولا تنتهى إلا عند بوابة الجنة المزيفة، ومن عند بوابة تلك الجنة التى يقف عليها شيخ إخوانى مشوه العقيدة، وُلدت هذه الذئاب.
فالإخوان اليوم مثل تاجر السلاح الذى يغسل يديه من الدم، ثم يبيع الذخيرة فى اليوم التالى، يصنعون المناخ، ثم يهربون من النتيجة، يُحرّضون فى بياناتهم، ثم يقولون: «هذا الشاب لم يكن عضواً عندنا!»، لكن الحقيقة التى لا شك فيها أن الفكرة التى حملها هذا الذئب، والعداء الذى امتلأ به صدره، وتكفير المجتمع الذى برّره لنفسه.. كل هذا جاء من ماكينة واحدة: هى ماكينة الجماعة.
أقول بثقة الباحث والمجرّب، وبلسان من عاش دهاليز التنظيم إن الذئب المنفرد ليس ذئباً، إنه ظل «تنظيم» قام بنقل سلطته الفكرية إلى الفرد، فأصبح أخاً يتحرك بتكليف غير مباشر، يحمل فى جيبه فقه «الاستحلال»، وفى قلبه بيعة غير معلنة، وفى ذهنه صورة معارك بدر والخندق.. ولكن على خريطة باريس، أو القاهرة، أو العريش.
عندما صكّ حسن البنا مصطلح «الفرد المسلم» كان يرسم صورة الإنسان الذى يحمل الإسلام كرسالة للعالم.. لكن «الفرد المسلم» لم يكن مدنياً، بل كان مشروع «مقاتل» كل ما يحتاجه هو أن «تأتى اللحظة» التى تكتمل فيها العدة.
وقد جاءت.
فخرج خالد الإسلامبولى، وخرج عادل حبارة، وخرج غيرهما ممن لم يُقبّلوا يد المرشد علناً، لكنهم تشرّبوا الفكرة حتى باتت «كُرهاً للمجتمع.. وبُغضاً للدولة»، وقد يظن البعض أن الذئب المنفرد «خرج من التنظيم» لأنه لم يحمل صك العضوية، أو لم ينتمِ رسمياً لأسرة أو خلية، لكن الحقيقة أن التنظيمات الكبرى -ومنها الإخوان- طوّرت استراتيجيتها، فلم تعد تصدر «أوامر» بل تبث «أفكاراً»، فكانت أكثر الأعمال فاعلية ليست تلك التى تُخطط فى الغرف، بل التى تُزرع فى العقول، وتنفجر وحدها، هكذا خرج الذئب، وهو فى جوهره مقاتل فى حرب طويلة النفس، تبدأ من كتب سيد قطب وتنتهى بجنازات لا نعرف فيها القاتل من المقتول، إذ إن أخطر ما فى الذئب المنفرد أنه لا يرتدى الزى المعروف، ولا يجاهر بأفكاره علناً، ولكنه يأخذ «نموذج الفدائى» من تراث الإخوان، و«أدبيات الغضب» من سيد قطب، و«فقه النكاية» من الظواهرى، والغريب أن هذا الذئب لا يعرف «المرشد»، ولا يثق فى «إبراهيم منير»، لكنه يرى أن دمه إذا سقط، فهو ضمن ما يسمونه «الجهاد المعتمد» لذلك يتحرك كما يتحرك الشيطان: لا يُرى، لكن أثره يبقى ناراً تحرق البلد كله.
لقد رأيت وجوهاً كهذه فى التنظيم، شباباً يقرأ فى عتمة الليل كتاب «معالم فى الطريق»، ويحفظ خطب «البنا» كما يحفظ الفاتحة، ويؤمن بأن العالم مقسوم: دار إسلام ودار كفر، ومصر اليوم فى نظره.. دار كفر، ولذلك فإننى من واقع خبرتى ومعرفتى بالتكوين النفسى والعقلى لهؤلاء، أقول إنه إذا استمرت الحرب على الذئاب بنفس أدوات الأمس، فسنكسب معركة ونخسر أخرى، أما إذا فهمنا أن هذا العدو الجديد ليس كتلة، بل سائل يتخلل الشقوق، فإننا سنحتاج إلى تغيير جوهرى فى بنية الدولة التعليمية والفكرية والدينية، ستحتاج مصر إلى ما يشبه «قانون التعبئة الوطنية» ضد فكرة الذئب: فالمدرسة يجب أن تُعلِّم خطر الانغلاق، والمنبر يجب أن يُحاصر فقه الغلو، والإعلام يجب أن يكشف آليات التحريض الجديدة، علينا ألا نكتفى بالأمن وحده، فالأمن يُطفئ النار، لكنه لا يمنع الشرر.
نحن نحتاج إلى: تفكيك هذا العقل التكفيرى من جذوره، وفضح العلاقة بين «الداعية» و«الذئب»، وكشف الأكذوبة التى صدّرتها الجماعة عن «السلمية».
فالذئاب خرجت من وسطنا، لأن أحدهم قال لها منذ تسعين عاماً: «أنت وحدك.. تمثل الإسلام الحقيقى!».
ومن لحظتها، بدأ الذئب ينبح فى عقولنا.
فإذا قمنا بهذا سنفعل ما لم تستطع فعله الدول التى خربتها الذئاب، فالذئب لا يعيش حيث الضوء، ومصر شاء من شاء وأبى من أبى هى المصباح الذى يُنير المنطقة.. ويحرق من يحاول الاقتراب منها بنيّة الغدر.