رسائل وتداعيات ضرب إيران قاعدة العديد في قطر
اعتادت إيران أن تكون العراق ساحة الصراع والتجاذب بين إيران والولايات المتحدة، حتى إن إيران حينما أرادت الثأر من إدارة دونالد ترامب الأولى لقاسم سليمانى، تم ذلك من توجيه 12 صاروخاً باليستياً إلى القواعد العسكرية الأمريكية فى أربيل وعين الأسد فى العراق.
هذا المرة حينما قامت الولايات المتحدة بضرب المفاعلات النووية الإيرانية فى فوردو ونطنز وأصفهان، قامت إيران بالرد بتوجيه صواريخ إلى قاعدة العديد العسكرية فى قطر، وهى أكبر قاعدة أمريكية فى المنطقة. وستكون تداعيات تلك الضربة إقليمياً سيئة.
كان لدى إيران أوراق تصعيدية ليست كبيرة للرد على الضربة الأمريكية، منها إغلاق مضيق هرمز، وقد ماطلت فى ذلك، وصرّح مسئولون إيرانيون بأنها تحتاج إلى قرار نهائى من أعلى سلطة، الواقع أن إيران تعلم أنها إذا أقدمت على غلق مضيق هرمز، أهم الممرات المائية، والذى يمر منه نحو خُمس النفط العالمى، ستستفز ضدها العالم أجمع، بمن فيهم الصين والأوروبيون، لذا اختارت إيران الرد بدرجة استفزاز لمحيطها العربى، وهو توجيه 14 صاروخاً نحو قاعدة العديد الأمريكية فى قطر، تم إسقاط 13 صاروخاً منها، وترك واحد حراً، لأنه كان متّجهاً فى مسار غير مخطط.
وقد جاء الرد الإيرانى محسوباً بدقة، حتى لا يستفز واشنطن، فالضربة الإيرانية لم توقع خسائر فى القاعدة الأمريكية، وقد شكر ترامب على موقع «ترو سوشيال» إيران لأنها أبلغته مبكراً قبل الضربة، وهو ما يعيد إلى الأذهان حينما أبلغت إيران ترامب من خلال العراق عام 2020 بأنها ستُوجه ضربات إلى القاعدة العسكرية فى عين الأسد وأربيل.
وبهذه الضربة الرمزية والشكلية أوجدت إيران المخرج لنفسها وللطرف الأمريكى، لإنهاء مرحلة التصعيد الذى ينتظره الطرفان، ولكن رغم أن الضربة على قاعدة العديد رمزية، إلا أن لها رسائل وتداعيات مهمة إقليمياً.
أولها أن إيران اختارت قاعدة العديد، ربما لأنها أكبر قاعدة أمريكية فى المنطقة، لكن هناك رسالة أخرى، ربما أرادت توصيلها إلى دولة قطر التى انتهكت إيران سيادتها، حيث إن الإعلام الإيرانى فى أعقاب الضربة الإسرائيلية على إيران يوم 13 يونيو الماضى انتقد دولة قطر الصديقة لإيران، لأنها سمحت للمقاتلات الإسرائيلية بالتزود بالوقود من قاعدة العديد، واعتبرت وسائل الإعلام تلك القريبة من المرشد الإيرانى، أن قطر يجب أن يوجّه اللوم إليها لمشاركتها فى ما هدد أمن إيران. فربما أرادت إيران توجيه رسالة لوم ضمنية إلى قطر، وتحذير بأنه سهل تحرك إيران فى أجوائها. وهذه الرسالة ليست لقطر فقط، بل لدول المنطقة تريد إيران أن تقول إنها تستطيع التحرّك بحرية فى الأراضى والمجال الجوى العربى فى الوقت الذى تتمتع فيه إسرائيل بالسيادة الجوية داخل إيران، حتى قيل إن وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى استأذن إسرائيل قبل السفر إلى جنيف للقاء الأوروبيين.
لقد خسرت إيران بتوجيه ضربة صاروخية فى بلد عربى، حتى لو كانت أعلمتهم مسبقاً بالضربات لتقليل الخسائر، لكن الضربات أغضبت الدول العربية والخليجية التى أدانت واستنكرت العدوان الإيرانى على سيادة دولة عربية، هذه الدول هى التى سبق أن تضامنت مع إيران وأدانت الهجوم الإسرائيلى عليها، وهو ما يعنى أن إيران خسرت كل الدعم الدبلوماسى العربى الذى حصلت عليه فى الأيام الماضية، وهو ما يعنى أن إيران أفسدت دبلوماسية الجوار التى انتهجتها منذ عدة أعوام، واستجابت لها دول مثل السعودية والإمارات ومصر.
إن المشهد الأخير فى العلاقات بين إيران والولايات المتحدة والدول العربية يؤشر إلى أن إيران لديها قدرة على التفاهم والتفاوض مع الولايات المتحدة، لكنها سريعاً ما تخسر قدرتها على التعايش السلمى وسط جيرانها ومحيطها الإقليمى، فكانت الحسابات الإيرانية بين سيناريوهين، أحدهما أسوأ، وهو غلق مضيق هرمز، والآخر السيناريو السيئ، وهو إعادة التوتر لعلاقاتها مع جيرانها من دول الخليج، فاختارت إيران الخيار السيئ.