المذكرات والسير الذاتية.. وسائل لحفظ تاريخ الشخصيات العامة وتوثيق الذاكرة الوطنية

كتب: إلهام الكردوسي

المذكرات  والسير الذاتية.. وسائل لحفظ تاريخ الشخصيات العامة وتوثيق الذاكرة الوطنية

المذكرات والسير الذاتية.. وسائل لحفظ تاريخ الشخصيات العامة وتوثيق الذاكرة الوطنية

فى زمن تتسارع فيه الأحداث وتزدحم الذاكرة بالمعلومات، تظل المذكرات والسير الذاتية من أهم الوسائل التى تحفظ تاريخ الأفراد وتعكس تجاربهم الشخصية والفكرية، فهى ليست مجرد صفحات مكتوبة، بل نافذة نطل منها على حياة رموز وشخصيات تركت بصماتها فى ميادين الثقافة والفنون والعلوم، لتروى قصصاً حقيقية تحمل بين طياتها دروساً وإلهامات، وباتت قراءة المذكرات أو كتابتها أكثر من مجرد هواية؛ إنها رحلة فى عمق الذات والمجتمع، تُعيد بناء الذاكرة الوطنية وتُثرى الهوية الإنسانية، فتفتح المجال لفهم أعمق وأشمل للحياة من خلال سرد حميمى صادق.

دار «ريشة للنشر»، التى أسسها الناشر حسين عثمان قبل 5 سنوات، تخصصت فى نشر المذكرات والسير الذاتية، تميزاً عن سوق النشر التقليدى، بهدف إحياء الذاكرة الوطنية وتعزيز الهوية المصرية بالاحتفاء بسير رموز الفكر والثقافة والفنون، حيث تركز على تقديم سير ذاتية تسلط الضوء على المشروعات الإبداعية لهؤلاء الرموز، وتلتزم بهذه الاستراتيجية رغم توجهها التدريجى إلى مجالات نشر أخرى لتلبية توقعات القراء المتنوعة.

مرت الدار، منذ انطلاقها فى عام 2020، بتحديات اقتصادية كبيرة، لكنها تمكنت من إصدار 120 عنواناً حتى الآن، معظمها سير ذاتية ومذكرات متاحة فى صيغ إلكترونية وورقية وصوتية، ونالت تلك الإصدارات جائزة الدولة التشجيعية مرتين فى 2021 و2024، ما يعكس جودة الإنتاج واهتمامها بالتفرد فى المحتوى، معلنة الاستمرار فى مجال التخصص فى نشر السير والمذكرات مع التركيز على العمل وفق خطة مسبقة تتوجه لكيفية تنفيذها.

وقال «عثمان» إن جمهور كتب السيرة الذاتية يتكون من فئتين: القارئ العادى الباحث عن المعرفة والترفيه، والباحثين الذين يحتاجون إلى مراجع دقيقة لدراساتهم، مشيراً إلى أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة فى الإقبال على هذا النوع من الكتب، حتى بدأت دور نشر أخرى فى الاهتمام به، خاصة مع ظهور سير شخصيات علمية ورجال أعمال ودين مثل الدكتور مجدى يعقوب والبابا تواضروس ورؤوف غبور وصلاح دياب، منوهاً بأن طرق العمل لدى الدار متنوعة؛ فهى تتواصل مع كُتاب متخصصين لكتابة سير ذاتية، وأحياناً تتلقى عروضاً من المؤلفين أو حتى مبادرات مباشرة من الشخصيات نفسها لتوثيق مسيرتهم، ومن أبرز الإصدارات المرتقبة كتاب عن المخرج محمد فاضل من تأليف يوسف الشريف، حيث تم تسجيل ساعات طويلة من اللقاءات، ثم سيتم إعادة إصدار مذكرات الخال الأبنودى.

وأكد أن الدار تضع معايير دقيقة لاختيار المشاريع، حيث تُفضِّل النصوص التى تعزز القيمة الإيجابية للشخصيات وتسرد الجوانب المضيئة فى حياتها، مع إعادة صياغة أى مواضيع شائكة تضر بالقيمة المعروضة، حرصاً على احترام سيرتهم الحسنة، وأن الواقعية والسرد القصصى المشوِّق الذى تتسم به هذه المذكرات يجعلها محبَّبة لدى الجمهور، لا سيما الشباب الذين يفضلون السيرة الروائية ويستمرون فى القراءة، حتى عن شخصيات غير معروفة لديهم، خاصة عند وجود تسويق جيد للكتاب.

محمد فاضل: مذكراتي ستصدر عن دار «ريشة» قريباً لتوثيق التجربة الفنية لعلها تنفع الأجيال

من جهته تحدَّث المخرج الكبير محمد فاضل عن التجربة، قائلاً: «كتابة المذكرات تستهدف توثيق التجربة، خصوصاً إن ربنا منحنى العمر والصحة والتجربة، فقد حضرت من بداية عصر الملك فاروق، مروراً بعصر عبدالناصر والسادات ومبارك، فالتجربة المتمثلة فى علاقة الفنان بالمجتمع مهمة وجديرة بالتدوين لعلها تنفع الأجيال القادمة، لأن كل الأعمال التى قدمتها كانت لها صلة بالمراحل والتحولات الاجتماعية والسياسية التى مررت بها، واستخدمت الفن والدراما بالتحديد فى التعبير عن تطور المجتمع، منذ بداياتى وإلى حصولى على جائزة النيل العام الماضى». وأشار «فاضل» إلى أن شكل المذكرات التى يحررها الكاتب يوسف الشريف تتضافر فيها التجربة الإنسانية مع المسيرة الفنية «مفيش فى حياة الفنان حاجة شخصية»، بل هو غارق فى العملية الفنية، لأن الدراما بالذات مرتبطة بالجموع أو الجمهور العام، مشيراً إلى أنهم فى مرحلة المراجعات، منوهاً بأن السير الذاتية عليها إقبال كبير جداً، وهو ما يعنى أنها مطلوبة من قبَل القراء، وهى نوع من التثقيف للجمهور، وقد أعجبنى العديد من المذكرات الصادرة مؤخراً.

«الحكيم»: القراء ينجذبون للسير الذاتية.. وهدفي أن تكون كتبى مراجع موثوقة عن أصحابها

ويُعد الكاتب أيمن الحكيم واحداً من أبرز المؤلفين فى مجال السير الذاتية والمذكرات، حيث يمتلك أكثر من 30 كتاباً أغلبها يتناول سير شخصيات تاريخية وأدبية وفنية ودينية، تعاون فيها مع العديد من دور النشر، من أبرز مؤلفاته: «عبدالحميد باشا بدوى عبقرى القانون»، «صبرى موسى.. ساحر الكتابة»، «عادل إمام.. الحرفوش»، «اسمى بولا.. نادية لطفى تحكى»، «سميحة أيوب.. الأسطورة تتكلم»، إضافة إلى 3 كتب عن الموسيقار بليغ حمدى.

وعن منهجيته فى كتابة المذكرات والسير الذاتية، يوضح «الحكيم»: «أبدأ باختيار الشخصية التى أحبها وأعتبرها مبدعة فى مجالها، وإذا كانت الشخصية على قيد الحياة، أُفضِّل أن أجرى معها حوارات وأسجلها بناءً على خريطة طريق محددة للكتاب، أما فى حالة وفاة الشخصية، فأعتمد على أسرته وأقرب المقربين إليه، إضافة إلى الوثائق التى توثق سيرته».

ويستشهد بحصوله على أوراق خاصة عن عبدالحميد بدوى من أسرته وشخصيات معاصرة له، مثل الدكتور مفيد شهاب الذى كان مشرفاً على رسالة الدكتوراه الخاصة به، والذى كتب مقدمة الكتاب. أما عن تجربته مع عادل إمام فيذكر أنه سجَّل معه عدة لقاءات، منذ أن كان صغيراً، عبر الناقد رجاء النقاش، وصدر أول كتبه عنه عام 2009 بمناسبة تكريمه فى المهرجان القومى للسينما.

وعن التحديات التى تواجهه، أكد «الحكيم» حرصه على أن تكون الكتب مراجع موثوقة لشخصياتها، لذلك يتعامل بدقة مع المعلومات، مثل كتاب عبدالحميد بدوى وكتب بليغ حمدى، التى تُعتبر المراجع الأساسية عن حياة هذه الشخصيات، وكذلك سيرة نادية لطفى التى تُعد الوحيدة التى سُردت على لسانها، متحدثاً أيضاً عن سر الإقبال المتزايد على كتب السيرة الذاتية قائلاً: «عندما تتضمن السيرة زاوية جديدة أو فكرة غير معروفة سابقاً تثير اهتمام القراء، فمثلاً كتابى «حضرة المتهم نجيب محفوظ» تناول الجانب القضائى فى حياة الأديب المصرى، وهو موضوع جديد تماماً رغم الشهرة الواسعة لنجيب محفوظ»، مؤكداً أن للشخصيات الشهيرة جاذبية خاصة، سواء للمؤلف أو القارئ، لا سيما إذا تضمنت الكتب حكايات جديدة، وأبعاداً غير معروفة من حياة النجم، مشيراً إلى أن كتب الروايات والسير الذاتية هى الأكثر جاذبية فى سوق النشر. وكشف «الحكيم» عن مشروعاته المستقبلية التى تشمل استكمال سيرة الشاعر أحمد فؤاد نجم بعد كتابه «الفاجومى»، والذى توقف عند مرحلة السجن، إلى جانب سير ذاتية عن الموسيقار على إسماعيل والشاعرة نبيلة قنديل زوجته، إضافة إلى مشاريع أخرى ستصدر قريباً.

«زهدي»: «توثيق السير»مشروع حياتى منذ كنت طالباً في أكاديمية الفنون

من جانب آخر يرى الكاتب والسيناريست ماهر زهدى أن كتب السير الذاتية والمذكرات تلعب دوراً محورياً فى توثيق الذاكرة الوطنية، لما تحمله من تفاصيل دقيقة عن حياة الأفراد الذين ساهموا فى تشكيل ملامح المجتمع المصرى فى مجالات الثقافة، والسياسة، والفن، بل وحتى الحياة اليومية.

وعن تجربته الشخصية، قال «زهدى» إن مشروع توثيق السير الذاتية يمثل «مشروع حياته»، بدأه منذ أكثر من 15 عاماً، حينما كان لا يزال طالباً فى معهد الفنون المسرحية بأكاديمية الفنون، وأصدر حتى الآن نحو 15 كتاباً فى مجال السيرة الدرامية، من أبرزها: «زينات صدقى.. سيرة درامية»، «التمر حنة.. نعيمة عاكف»، «فيلسوف الضحك والبكاء.. نجيب الريحانى»، «ملك حزين.. إسماعيل ياسين»، و«فاتن حمامة.. سيرة درامية»، وهو كتاب جاء بالتعاون بين الهيئة العامة للكتاب وأكاديمية الفنون، مؤكداً أن مسيرة رموز الفن المصرى كانت دوماً على تماس مباشر مع أحداث وتحولات اجتماعية مهمة.

وأضاف «زهدى» أن ما يشغله فى المقام الأول هو الوصول إلى القراء من الشباب، معتبراً أن من مسئوليات الكاتب أن يحافظ على الذاكرة الفنية والثقافية، ويُظهر للأجيال أن مصر تملك تاريخاً عريقاً فى هذه المجالات، وتابع: «المعلومات متاحة على الإنترنت، نعم، لكنها مليئة بالمغالطات، نحن بحاجة إلى توثيق جاد، على سبيل المثال، فى أربعينات القرن الماضى، لم تكن السينما المصرية تقل فى مستواها عن سينما هوليوود، وهذه الحقيقة لا يعرفها كثيرون».

وحول مصادره فى جمع المعلومات، أوضح «زهدى» أن توثيق حياة شخصيات راحلة عمل شاق يتطلب دقة وصبراً، مضيفاً: «كنت أقضى ساعات طويلة فى أرشيف دار الكتب والوثائق، أبحث فى المجلات والكتب القديمة، وأستعين بحوارات نادرة أجراها صحفيون فى الإذاعة أو بدايات التليفزيون، وأحياناً ألتقى ببعض الورثة، أتذكر أثناء إعداد كتاب عن إسماعيل ياسين، استغرقت أسبوعاً فقط لمعرفة سعر جرام الذهب عام 1920، لأن والده كان تاجر ذهب، لا أحب ترك فراغات فى السرد أو الاعتماد على التخمين».

وأشار إلى أن سر جاذبية كتبه يكمن فى الأسلوب الروائى الذى يعتمد عليه فى كتابة السير الذاتية، إذ يرى أن الرواية هى القالب الأكثر جذباً للقراء، لذلك يحرص على صياغة المذكرات بأسلوب درامى يقترب من الرواية، وقال: «أشاهد جميع أفلام الشخصية التى أكتب عنها، وألاحظ المفردات والأساليب التى يستخدمها الفنان فى أدائه، لأضمن أن يتحدث النص بصوته، وأريد أن يشعر القارئ أن الشخصية هى من تروى قصتها بنفسها، وهذا ما يمنح النص صدقاً وتأثيراً أكبر».


مواضيع متعلقة