«30 يونيو» في حياة المرأة المصرية
الأحداث الفاصلة فى حياة الشعوب بكل ما تحمله من زخم خلال لحظاتها المشحونة بالتفاؤل والإصرار غالباً ما تفرض بعد أعوام مراجعة لكل تفاصيل تداعياتها الإيجابية. ولا شك أن «30 يونيو» هى أبرز الأمثلة بكل معانى التلاحم الشعبى الذى عكسته، وذلك حينها توارت بعض التفاصيل الهامة أمام توحد الهدف. الوقوف عند هذه التفاصيل فى قراءة هادئة بعد أكثر من عقد يكشف عن أهمية أبعاد لحظة قرر فيها الشعب طى صفحة سوداء من تاريخ مصر إلى الأبد. هذه الأيام ونحن نحتفل بإشراق 30 يونيو، يجدر استدعاء أحد هذه الأبعاد.. ما الذى يمثله هذا اليوم فى حياة المرأة. أدبيات جماعة الإخوان المنحلة منذ بداية تكوينها وضعت معالم دور محدد للمرأة، قطعة مهملة فى محل تأجير ملابس تطلب فقط عند الحاجة إلى استغلالها، مكانتها لم تتجاوز عندهم أكثر من سلعة، تتصدر المشاهد فى المظاهرات عند توجيه الأوامر لها كى تشتت وصول قوات الأمن إلى «رجالها!».. قطعة ديكور يتاجرون أمام العالم بوجودها الشكلى. يكفى التوقف هنا أمام مشاهد تظهر الفرق الشاسع بين السماء والأرض الذى يظهر بعد استعادة مكانة المرأة منذ 30 يونيو مقارنة بالأنماط الغريبة التى تصدرت المشهد خلال عام حكم الجماعة. المرأة بعد «30 يونيو» أصبحت فى موقف قادر على الوقوف بشجاعة وصلابة أمام جماعات مسلحة فى سبيل وطنها لتنقى ثوبها من مهام وضيعة ألصقتها بها الجماعة كمجرد واسطة شر تنقل تعليمات وأوامر العمليات الإرهابية بين أفراد الجماعة داخل وخارج السجون أو فى نقل الأسلحة التى تراق بها دماء الأبرياء على يد الجماعة المنحلة كإحدى وسائل المراوغة هرباً من التضييق الأمنى المفروض فى التفتيش على الرجال.
«سلعة» المرأة عند الجماعة صنفتها أيضاً كأحد أسلحة الاستقطاب العقائدى والجنسى. دور تنظيم الأخوات المسلمات الذى شكل بعد أربع سنوات من تأسيس الجماعة حفل بكل وسائل المشاركة فى هذه الأنشطة. هذه الصيغ لم تتغير وإن شابها بعض التطور فى طبيعة وسائل استغلال المرأة جسدياً وفكرياً منذ تاريخ إنشاء الجماعة.
ليس بعيداً عن الذاكرة شيطنة علاقة الزواج المقدسة فى طقس مقزز أطلقوا عليه «جهاد النكاح» الذى فرض ظهوره بين جماعة الإخوان المنحلة خلال اعتصامى رابعة والنهضة وخسف مكانة المرأة ليضعها فى أدنى المراتب كأداة للاستغلال الجنسى. بعيداً عن كل مساحيق التجميل الزائفة لم يتجاوز دور المرأة منذ إنشاء الجماعة وحتى خلال العام الظلامى الذى حكمت فيه مصر أكثر من إطارى الاستغلال والمتاجرة.. أسيرة داخل سجن الغرائز التى تحكم الجماعة سواء سياسية أو جسدية.
المرأة المصرية لحظة انطلاق 30 يونيو أبهرت العالم بدورها البارز والفعال فى إنجاح الثورة، ثم فى المشاركة السياسية ليتوالى بعدها حضورها المؤثر خلال مختلف الأحداث والاستحقاقات التى تستدعيها عند تحديد مصير وطنها. فرضت وجودها كرقم هام فى معادلة رسم صورة المستقبل والمصير حتى حققت ما يليق بعراقة مكانتها فى التمكين السياسى والمجتمعى وتمثيل المرأة فى المجالس النيابية الذى شهد وجوداً حقيقياً لها فى مختلف القضايا التى طرحت أمام البرلمان وليس وجوداً باهتاً كالذى ظهر فى البرلمان المخزى الذى فرضته الجماعة.
وصول المرأة إلى منصب قاضية ونائبة لرئيس قضايا الدولة لأول مرة فى مصر، بالإضافة إلى مواد عديدة لا حصر لها، يرصد المكاسب فى دستور 2014 الذى حرص على صياغة العديد من البنود لصالح المرأة. وانعكاس ثورة 30 يونيو على المرأة لم يقتصر فقط على الشق الأدبى، لكنه لمس انطلاق شخصية المرأة معنوياً لتشرق قدراتها بثقة وحرية فى مختلف المجالات بعيداً عن أسر قيود الجماعة التى كبلت المرأة وحطَّت من مكانتها، وبعد حضورها الطاغى فى كل ميادين وشوارع مصر، فإنه ليس من باب المبالغة اعتبار ثورة 30 يونيو هى ثورة المرأة المصرية التى فتحت أمامها الطرق لتحقيق الكثير من الحقوق والمكتسبات.