علي الفاتح يكتب: شفرة ترامب لم تعد سرا..!
الحذر فى التعامل مع من اعتاد عقد الصفقات بعد إنهاك فرائسه، على طريقة الذئب العجوز، لا يمنع إظهار الإرادة الحاسمة لتفعيل كافة أوراق القوة، بما فيها الخشنة، لترويض رغباته الجامحة.
العدوان الصهيوأمريكى على إيران أظهر بوضوح أن قاعدة فرض السلام عبر القوة، التى ينطلق منها زعيم الولايات المتحدة دونالد ترامب، لا تعنى فقط استخدام ورقة العقوبات الاقتصادية فى أقسى صورها، أو مجرد التلويح بالقوة العسكرية، وإنما تفعيل حقيقى لآلة الحرب طالما يمكن تحمل كلفتها السياسية والاقتصادية.
أما هذه الدعاية الضخمة، التى تروج للرئيس الأمريكى كرجل سلام مستحق لجائزة نوبل، فلا تتعلق إلا بالحروب الصغيرة من وجهة نظر واشنطن.
صورة رجل السلام فى الواقع جزء من حملات التضليل الإعلامى والإرباك السياسى لصانعى القرار فى العواصم المستهدفة بآلة الحرب الأمريكية.
فلا يزال الرئيس الأمريكى يطلق تصريحات متضاربة، فتارة يؤكد أن الضربة الجوية لطائرات بى 52 قد دمرت المشروع النووى الإيرانى، وتارة أخرى يهدد المرشد الأعلى آية الله على خامنئى بعودة الحرب.
فى التحليل النهائى لا ينبغى أخذ تصريحات ترامب بشأن إيران على محمل سوى أن العدوان الصهيوأمريكى سيتكرر لإسقاط الدولة الإيرانية حتى يتسنى تفكيك مشروعها النووى وترسانة صواريخها الباليستية.
ولو أن شبح الحرب قد ابتعد عن سماوات الشرق الأوسط لأظهر الرئيس الأمريكى تسامحاً مع تصريحات خامنئى، التى قلل خلالها من شأن الضربات الأمريكية، معلناً النصر فى حرب الـ12 يوماً، باعتبارها تصريحات للاستهلاك المحلى.
ربما اعتقدت واشنطن أن الضربات الأولى لطائرات الكيان الصهيونى قد تحدث اختلالاً عميقاً فى توازن النظام الإيرانى بسبب استهدافها لمسئولين وقادة عسكريين كبار، وأن استمرار شدة تلك الضربات مع تفعيل شبكة العملاء والجواسيس الهائلة، علاوة على المعاناة التى يقاسيها الشعب الإيرانى بسبب الأوضاع الاقتصادية، وتدهور حالة حقوق الإنسان، وغياب الحريات السياسية والاجتماعية والدينية، قد يؤدى إلى سقوط سريع للنظام.
صحيح تسبب العملاء والجواسيس فى أضرار جسيمة داخلياً، إلى جانب ما سببه العدوان من دمار وخراب كبير فى البنية العسكرية والمدنية، لكن التفاف الشعب الإيرانى حول نظام المرشد، رغم معارضته للكثير من سياساته، وقدرة الجيش الإيرانى على توجيه ضربات صاروخية مدمرة للكيان الصهيونى، جعل واشنطن تعيد حساباتها وقامت بتوجيه ضربة جوية خاطفة لثلاث منشآت نووية، أتبعتها بحملة دعائية ضخمة تؤكد أنه قد تم تدمير المشروع النووى الإيرانى.
فى الواقع ربما كانت واشنطن تدرك أنها لم تدمر مشروع إيران النووى، وإنما أرادت فرض هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، بعد أن ظهرت نقاط الضعف بمنظومة الدفاع الجوى المتعددة أمام صواريخ إيران المتطورة، وبعد أن اختبرت مواقف الصين وروسيا.
لذلك غضب الرئيس الأمريكى من تسريب التقارير الاستخباراتية التى أفادت بحقيقة نتائج الضربات الأمريكية، فقد شعر بأن الإعلام قد أفسد مناورته السياسية.
باختصار انكشاف ضعف الكيان الصهيونى، ومدى التطور الذى بلغه مشروع إيران للصواريخ الباليستية واحتفاظ طهران بأكثر من 9 آلاف كيلوجرام من اليورانيوم المخصب، وبقدرات عسكرية تسمح باستعادة نفوذها الإقليمى، تحديات تجعل عودة الحرب ضرورة حتمية من وجهة نظر الغرب الصهيونى.
إلحاح الرئيس الأمريكى بشأن استحقاقه لجائزة نوبل للسلام لا يعنى أبداً أنه لن يخوض حرباً كبيرة ضد إيران، خاصة أن الأخيرة فى نظر الغرب، الذى يمنح هذه الجائزة، تشكل تهديداً حقيقياً لأمن أوروبا، بسبب ما تمتلكه من صواريخ باليستية بعيدة المدى، إضافة إلى اقترابها من امتلاك سلاح نووى، بحسب ما تروجه الدعاية الصهيوأمريكية.
لذلك قد يعتقد أن تجدد العدوان على إيران لن يحول دونه وجائزة نوبل، خاصة إذا نجح فعلياً فى إيجاد صيغة لاتفاق لوقف حرب الإبادة فى غزة ولو كان هشاً.
على الجانب الآخر لن تجد الصين الوقت الكافى لتعزيز قدرات إيران العسكرية، فى ظل تعهد جنرالات جيش الاحتلال باستهداف أى محاولات إيرانية لبناء منظومة دفاع جوى، فيما روسيا مشغولة بحربها فى أوكرانيا.
واشنطن تحتاج لمعالجة تحدى احتمالات غلق مضيق هرمز، واستهداف قواعدها العسكرية فى المنطقة، أما طهران فقد تحتاج إلى التهديد بأسلحة نوعية وتصعيد أمنى خطير ولو فى الغرف المغلقة لإبعاد شبح عدوان صهيوأمريكى مدعوم أوروبياً.