من أوراق السقوط.. «الإخوان ولعبة الأزمات»
فى مصر، لا تُصنع الأزمات فى المختبرات بعيداً عن الأنظار، بل تُحاك أولاً فى أقبية سرية لمعبد الإخوان، ثم تُنفّذ عبر أذرع تبدو عادية فى الشوارع، ومن بين هذه الأذرع برزت «لجان الأزمات» الإخوانية، التى تشبه خوارزمية برمجت خصيصاً لشل الدولة من داخلها، لا بضربةٍ واحدة، بل بمئات اللسعات الصغيرة المتكررة، حتى يغرق المواطن فى ما يشبه العجز اليومى ويشعر بأن وطنه يتآكل.
فمنذ أن خرج الإخوان إلى العلن كتنظيم سياسى فى عشرينات القرن الماضى، وهم يدركون أن موقعهم من الدولة ليس هو موقع المصلح أو الناقد أو الداعية، بل موقع المنازع على الشرعية، المنافس على السيادة، والرافع لشعار الدين فوق الوطن، لا حباً فى الدين بل طمعاً فى الحكم، وقد توالت على مصر محن كثيرة كان فيها هذا التنظيم، وإن بدا فى بعض الأحيان بعيداً عن المشهد، هو الخيط السرى الذى يربط بين الفوضى ونتيجتها، وبين الأزمة ومن يصنعها.
وإذا كانت المخابرات الغربية قد صممت يوماً استراتيجيات لتمزيق الشرق الأوسط إلى دويلات متناحرة، فإن جماعة الإخوان وجدت فيها فرصة، فاستعارت أدوات الوهم والسخط لتتلاءم مع واقعنا: إرهاب لا يُرى، لكن لا تُمحى آثاره. هذا المقال، إذن لن يكون مجرد حصادٍ للأخبار أو استنطاقٍ للوثائق، بل تحقيقاً فى قلب آلة تمزيق الثقة بين المواطن والدولة.
وضعها القيادى الإخوانى محمد كمال عام ٢٠١٤ قبل مقتله بسنوات قليلة، خطته تقوم على صناعة الأزمات فى مصر، أو افتعالها، فمن «لجنة تأزيم المرور» إلى «لجنة تأزيم الخدمات»، سارت الخطة بحسب جدولٍ زمنى محكم، والمطلوب من الإخوانى العادى الذى لا يحمل سلاحاً بل يبدو فى ظاهره مواطناً بسيطاً قليل الحيلة، أن يقوم بالآتى:
- فى أيام الذروة الصباحية، تتكرر أزمة مرورٍ مصطنعة عند أكبر مداخل القاهرة والجيزة، حيث تتوقف عشرات السيارات، وتُرفع إشاعات عن تصادماتٍ وهمية، وتُروّج صور قديمة لسيارات محترقة، عبر حساباتٍ مزيفة، فتندفع سيارات الشرطة لتفتيش المارة، وينهار النظام المرورى لحظة.
- بعد ساعاتٍ قليلة، يعلن عدد من نشطاء «لجنة تأزيم الخدمات» عن عطلٍ مفاجئ فى ضخّ المياه عن حى مكتظّ، ويُقال إن هيئة المياه تلعب سياسة التقنين قبل حلول الصيف، ثم تنتشر شائعات عن زيادة الأسعار، ويدخل الشباب الإخوانى إلى الشارع للمطالبة بـ«حقهم» فى الخدمات لتصبح التظاهرة مدخلاً جديداً لصنع الأزمة.
وقد بلغ الإبداع فى هذه الخطة أقصاه عندما تحوّلت «لجان تأزيم الخدمات الشرطية» إلى بلاغاتٍ وهمية عن قنابل داخل محطات مترو الأنفاق أو أمام مراكز الشرطة، كل ذلك بهدف تشتيت الأمن ليسهل لخلاياهم المسلحة تنفيذ ضرباتهم الإرهابية بعيداً عن عيون الشرطة.
لكن الأهم من ذلك كله كان تأزيم الاقتصاد عن طريق إظهار المشروعات القومية الكبرى كـ«مواقع فاشلة»، و«أرانبٍ مدجنة» يُفترض أن تصرف عليها ميزانيات هائلة كانت مخصصةً لمنظومة الدعم، وهنا انتشرت عبر وسائل التواصل قصصٌ وهمية عن «فساد فى العاصمة الإدارية» و«خسائر فى محطات الطاقة»، لتشكّل فى ذهن المواطن رباعيّة لا تختلط: الفساد، والغلاء، والبطالة، والغبن.
هدف الإخوان النهائى كان بثّ اليأس وأن يستيقظ المواطن كل صباحٍ على خبرٍ مفزِع ثم ينام على إشاعةٍ جديدة حتى يغدو الوطن فى ذهنه ميدان هزائم لا انتصارات
ولم يكن التأزيم الإخوانى كافياً دون أن تكون لديه شبكةٍ داخليةٍ من الخلايا الإخوانية الكامنة تجاوزت 300 ألف، عبارة عن: موظفين فى وزارات الكهرباء والمالية والإسكان، ومهندسين فى شركات المياه، وأطباء فى مستشفيات حكومية، كلٌ منهم ترك بصمته فى تعطيل «خدمةٍ» أو نشر «شائعة» أو تأخير «معاملة» حدت من ثقة المواطن فى قدرات الدولة، والأكثر دهشة أن بعضهم وصل إلى مراكز القرار، ثم تحوّل بعد ذلك فجأةً إلى «معارض محترف» على الشاشات.
لقد كان هدفهم النهائى هو بثّ اليأس، أن يستيقظ المواطن كل صباحٍ على خبرٍ مفزِع، ثم ينام على إشاعةٍ جديدة، حتى يغدو الوطن فى ذهنه ميدان هزائمٍ لا انتصارات، هذا هو الفن الذى أطلق عليه الإخوان فن صناعة الزلازل، هذا الزلزال الإخوانى ليس هدفه بطبيعة الحال ضرباً لطبقات الأرض الصلبة، بل زلزال لعقل الوطن، يهدم الروابط بين الشعب والحكومة، ويطيح بهيبة الدولة كما تُسقط الهزات المبانى القديمة، وفى هذا الصميم يكمن الإبداع الإجرامى للخطة: أن يصير المواطن نفسه مهيَّأً للانهيار، حين يقف فى طوابير البنزين، أو حين يلاحق خبراً يزعم أن الفساد مستشرٍ وأن القيادات العليا تغض الطرف عنه!.
ومع تراكم هذه الزلازل الصغيرة، بدا الهدف واضحاً: هدم جدار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فلم يكن المطلوب بناء القلاقل بقدر ما كان المطلوب هدم الأساسات، إذ إن هدم الثقة بالإنجازات الكبرى - من العاصمة الإدارية إلى محطات الطاقة - عبر «قصة شائعة» تقود المواطن إلى التشكيك فى كل خطوة أقدمت عليها الدولة، وهنا يلتقى الطموح الزلزالى بالاستراتيجية الإخوانية: إن هز الأرض ينتج صخباً يلاحظه الجميع، إنما هزّ الوجدان صموت يترك ثغرة تتسع شيئاً فشيئاً دون أن يلاحظها أحد حتى ينهار الكيان كله، فإذا انهار استطاعوا العودة للحكم من خلال الفوضى، وهو ما أطلقوا عليه عملية «إدارة التوحش».
حالة الإرباك هى التى يسعون لها، فإذا ما ارتبكت أجهزة الدولة، حينئذ سيسهل لهم تحريك كوادرهم فى الشارع، إذ يعتقدون أن حالة الإرباك سيترتب عليها أزمات اقتصادية، وهذه الأزمات فى ظنهم ستطول الطبقات الدنيا، فيعملون على إثارة الفقراء لتخرج إلى الوجود ما أطلقوا عليه سابقاً «ثورة الجياع»، وهذا هو المستهدف الرئيسى، فعند تلك الثورة ستظهر حالة التوحش، وستكون حروب أهلية، لا علاقة لها بالسياسة، ومخططهم يقول إنهم سيديرون هذا التوحش ليصب فى مصلحتهم، وإنهم سيعودون للحكم عن هذا الطريق، لذلك كان تحذير الرئيس السيسى للشعب أن ينتبه، لأن جماعة الشر تخطط للعودة.
وقد يبدو المشهد فى ظاهره بسيطاً لكن الذى لا يراه المواطن هو أن خلف هذه الظواهر أشخاصاً يُديرون المشهد بحرفية شديدة، يقيسون درجة الغضب فى الشارع، ثم يصعدون أو يهدّئون وفق حسابات دقيقة، والمواطن هنا لا يعرف أنه دخل فى مسرح أزمة أُعدّت له خصيصاً، وأنه يؤدى دوراً كُتب له سلفاً.
وما يلفت النظر أن هذا النوع من الحروب لا يُخاض ضد مصر وحدها، بل هو جزء من سياق إقليمى ودولى أكبر، فهناك من يريد أن يبقى الشرق الأوسط كله فى حالة سيولة، لا استقرار يُسمح له أن يثبت، ولا مشروع وطنى يُكتب له أن ينجح، أما التنظيمات المتطرفة فليست إلا أداة ضمن أدوات متعددة تُستخدم فى لحظة ما، ثم تُستبدل بأدوات أخرى حين تنتفى الحاجة إليها، والغرب يعرف أن جماعة الإخوان تنظيم براجماتى قادر على تغيير جلده، فإن وُضع تحت المجهر بدا كتنظيم إرهابى، وإن غُض الطرف عنه، عاد ليتحدث باسم الإصلاح والديمقراطية.
توالت على مصر محن كثيرة كان فيها هذا التنظيم الإرهابى هو الخيط السرى الذى يربط بين الفوضى ونتيجتها وبين الأزمة ومن يصنعها
والخطير أن كثيراً من الوجوه التى تتحدث اليوم بلغة الدولة، وتتغنى بالوطن، كانت هى نفسها قد شاركت فى تلك الخطة عن علم أو عن غفلة، بعضهم كتب مقالاً صغيراً يُشكك فيه فى كل مشروع قومى، ثم قام بوضع مقاله فى الفيس بوك، ثم جلس فى مقهى يتابع عدد الإعجابات، وبعضهم ظهر فى الفضائيات متسائلاً: لماذا تصر الدولة على إنفاق المليارات فى إنشاء العاصمة الإدارية أو فى إنشاء الطرق بينما الناس فى احتياج؟ هكذا كانت الخطة: جرّ العقل المصرى إلى دائرة من الشك، ثم اليأس، ثم الغضب، ثم الانفجار.
لكن الدولة، وقد مرت بتجارب دامية، باتت أكثر وعياً، لم تعد تكتفى بمطاردة الفعالين المباشرين، بل بدأت تكشف أدوات التهيئة النفسية، وأذرع الترويج الإعلامى، وشبكات التحريض الإلكترونى، وقد أثبتت التجربة أن الشعب المصرى، وإن غضب أو تململ، إلا أنه لا يسلم وطنه لمن يبيعه، فحين تبدو الحقيقة، ولو متأخرة، يدرك الناس أن ما جرى كان من صنيعة بشر أرادوا هدم البيت الذى يؤويهم.
فإذا أردنا أن نوقف الدمار الذى يسعى هؤلاء إلى تحقيقه، فإننا لا نواجه كتيبةً مسلحةً وحدها، بل آلةً فكريةً وتنظيمية صنعها الإخوان، واحتضنها أعداء مصر الخارجيون. ومعركتنا ليست على جبهاتٍ تقليديةٍ فحسب، بل على مستوى الوعى والضمير، لأنه حين تنكسر الثقة فى الوطن، لا يبقى أمام الإنسان إلا أن يُدمر ذاته، ويترك حقائق بلده ضحية «لشائعاتٍ» صارت تأكل كيانه.
وليس أمامنا الآن سوى أن نكون على قدر اللحظة، لا نُصاب بالذهول أمام الاضطراب، ولا نكتفى بالتنديد، بل نبنى الوعى، ونحرس المشروع، ونفهم أن الصراع طويل، وأن الأطراف التى تلعب فيه ليست كلها ظاهرة، فهناك من يرتدى قناع الوطنية وهو فى داخله طابور خامس، وهناك من يحتمى بالحياد وهو فى الحقيقة جزء من خندق التثوير، فالخطر الآن لا يأتى من الحدود، بل من الداخل، حيث يسكن الخداع فى الكلام المعسول، ويُباع الوطن فى سوق الشعارات، ويُستخدم الدين مرة أخرى كحصان طروادة.
والدرس الأخير الذى يجب أن نحفظه، أننا إن لم نملك القدرة على قراءة المؤامرة، فسنكون أحد فصولها دون أن ندرى.