زينب صدقي.. مأساة نجمة كبيرة باعت كل ما تملك لكي تعيش
زينب صدقي.. مأساة نجمة كبيرة باعت كل ما تملك لكي تعيش
في الأول من فبراير من العام 1958، فوجئ الوسط الفني بغياب تام للنجمة الكبيرة زينب صدقي، حتى إنها لم تعد تواظب على زيارة صديقاتها، أو تظهر في أي محفل فني.
وقتها قرر الكاتب جليل البنداري الوقوف على حقيقة ما جرى للنجمة الكبيرة، التي زارها في بيتها، لتفجر له مفاجآت من العيار الثقيل.
لهذا السبب اختفيت
بدأت زينب اللقاء ـ المنشور بمجلة آخر ساعة في 15 أبريل 1958 ـ بتأكيدها أن السبب الرئيسي وراء غيابها هو حالة الاكتئاب الشديد التي تعاني منها، وحين سألها «البنداري» عن سبب الاكتئاب، أجابت والدموع تنهمر من عينيها بأنه قرار إقالتها من الفرقة القومية للمسرح، التي طالما قدمت معها كثيرًا من العروض المهمة، التي سُجلت في تاريخ المسرح المصري بحروف من نور.
تقول صدقي: «لقد بعت المقبرة التي كنت قد أعددتها لتكون مكان دفني، بسبب ضيق ذات اليد، وليس هذا كل شيء، فقد بعت أيضًا المجوهرات الخاصة بي، ثم السيارة الكرايزلر بثمن بخس، بعت كل شيء، حتى الأثاث الذي كنت أفتخر به، ولم يبقَ لي إلا بعض الصور التي التقطتها لي كاميرات المصورين خلال وقوفي على خشبة المسرح».
قطع المعاش بجرة قلم
تروي زينب التفاصيل وتقول: «ذهبت أول الشهر لكي أصرف معاشي من الفرقة القومية، فوجدت الصراف ينظر في الكشف، وبعدها نظر لي بكل أسى، وقال: أنا آسف يا مدام، معاشك اتقطع، وفوجئت أنهم قطعوا معاشي، الذي لم يكن يكمل 23 جنيهًا، بجرة قلم. ألم يكن واجبًا أن يرسلوا لي خطابًا يخبرونني فيه بقطع المعاش بدلًا من إحراجي أمام الصراف؟ كان من الممكن أن يوفروا عليّ الصدمة بخطاب لن يكلف خزينة الفرقة أكثر من 10 مليمات».
وتابعت «صدقي» عن رد فعلها بعد أن سمعت الخبر: «أشرت إلى السماء وقلت للصراف: يا ابني، اللي بيوصل العيش هو اللي فوق، واللي بيقطع العيش هو اللي فوق، سيبك من الناس اللي تحت، وتركته لأعود إلى شقتي، حيث عدت أتذكر كل الشخصيات التي تولّت إدارة الفرقة القومية، وتوقفت عند طه حسين، الذي كان يناديني ليستشيرني في كل ما يخص التمثيل والممثلين والروايات».
بعدها روت زينب صدقي للبنداري أحد المواقف الصعبة التي فشلت في نسيانه، وقالت: «في أحد الأيام، ذهبت لأشاهد عرضًا جديدًا للفرقة القومية، ولمحني مدير الفرقة وأنا أدخل من الباب دون تذكرة، فسأل عامل الباب: مين الست دي اللي سمحت لها بالدخول مجانًا؟، فأجابه العامل: دي الأستاذة زينب صدقي، وفوجئت يومها أن مدير الفرقة لا يعرفني، وأنا أصدق تمامًا أنه لا يعرفني، لأنه لو كان عرفني لاستقبلني بنفسه، كما يحدث معي في مسارح أوروبا التي كنت أزورها من حين لآخر، ففي جميع دول أوروبا التي زرتها، لم أدفع ثمن تذكرة واحدة، دفعت فقط في مسارح وسينمات مصر».
واختتمت زينب الحوار مع «البنداري» وهي تقول: «أريد فقط أن أفهم: لماذا تم قطع معاشي؟ في العالم كله، يستمر كبار الممثلين في العمل حتى آخر أيامهم. سارة برنار عملت وهي على كرسي متحرك، وليونيل باريمور لم يتوقف عن العمل وهو على كرسي متحرك. لماذا لا أستطيع أنا أيضًا أن أعمل؟ خصوصًا والكرسي الذي يجلس عليه مدير الفرقة الآن، والمكتب، والقلم الذي وقّع به قرار قطع معاشي، اشترته الفرقة القومية من عرقي ودمائي أنا وزملائي».
رحلة زينب صدقي
زينب صدقي واحدة من أشهر الممثلات المصريات التي تركت بصمة واضحة في تاريخ السينما والمسرح العربي، وُلدت في 15 أبريل 1895 في القاهرة، وكانت من أولئك الفنانات اللواتي سطع نجمهن في فترة ما بين الثلاثينات والخمسينات.
بدأت زينب صدقي رحلتها الفنية في سن مبكرة، وكانت أولى خطواتها في مجال الفن من خلال المسرح، حيث انضمت إلى فرق مسرحية متعددة، ومنها «فرقة رمسيس»، التي أسسها يوسف وهبي، وبفضل موهبتها الكبيرة، أصبحت واحدة من الأسماء البارزة في المسرح المصري.
كانت زينب صدقي من ممثلات الطبقة الرفيعة، وعُرفت بعلاقاتها الوثيقة مع كبار الأدباء والمثقفين في مصر، حتى إنها كانت تقيم «صالونًا ثقافيًا» في بيتها كل أسبوع، الأمر الذي دفع من حولها لتلقيبها بـ«شكسبيرة الزمالك».
حياتها الشخصية والتحديات
على الرغم من النجومية والشهرة التي تمتعت بها، كانت حياة زينب صدقي الشخصية مليئة بالتحديات، وأبرزها أنها لم تعرف معنى الأمومة التي كانت تشتاق إليها، ورغم أنها كانت واحدة من أبرز الفنانات في مصر، إلا أنها كانت تعيش حياة بسيطة نسبيًا مقارنة بغيرها من نجمات عصرها، وفي السنوات الأخيرة من حياتها، ابتعدت زينب صدقي عن الأضواء، حيث اختارت أن تقضي آخر أيامها في عزلة، تعيش على الذكريات، والأمل في أن يتمكن أحد من مساعدتها أو إعادة الاعتبار إلى مسيرتها التي كانت مليئة بالإنجازات.