الشائعة والإخوان: ثنائية الحرب النفسية ضد مصر

«فى السياسة، كما فى الحرب، هناك ما يُطلق عليه خط المواجهة، وهناك ما يُعرف بمنطقة الظلال، ما يجرى على خط المواجهة يُرى ويُصوَّر ويُكتب عنه، أما ما يحدث فى الظلال فهو ما يصنع الفارق، ويحدّد فى النهاية من ينتصر ومن ينهزم».

حين كتبنا فى المقال السابق عن الإخوان وصناعتهم للأزمات بعد سقوطهم، مستهدفين من ذلك إسقاط الدولة وإدخالها فى حالة فوضى، كان يجب أن نستكمل ونكتب عن المنطقة الرمادية، أو بالأحرى الحرب النفسية التى شنّتها ولا تزال تلك الجماعة ضد مصر، فالأزمات وحدها لا تكفى، بل يجب أن تصاحبها شائعة.

وقد كانت جماعة الإخوان -منذ نشأتها- تُدرك أهمية تلك المنطقة الرمادية: منطقة الحرب النفسية، كانت تفهم أو تعلّمت مع الوقت أن السيطرة على العقل الجمعى لا تقلّ أهمية عن السيطرة على شارع أو مبنى أو مؤسسة.

ففى بداية الخمسينات، حين كان الصراع على هوية مصر محتدماً بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان، بدأ يتّضح أن المعركة ليست فقط فى الشارع، وإنما أيضاً فى الوجدان، وأن الإخوان -الذين وُلدوا فى أحضان الوعظ- تحولوا مع الوقت إلى خبراء فى هندسة العقول، لا ليرتقوا بها، وإنما ليمتلكوها.

والحرب النفسية -كما علّمتنا تجارب القرن العشرين- ليست صُراخاً فى الخلاء، ولكنها خطابٌ مدروس، يُلقى فى الفراغات التى تتركها الدولة، تبدأ بالشائعة، ثم تمرّ عبر الصور، وتُغلفها نبرة المظلومية، وتغذّيها خُطب المنابر الفضائية ومنصات العالم الافتراضى.

الإخوان عرفوا باكراً أن «الإشاعة» يمكن أن تكون أكثر فتكاً من الرصاصة، وأن الشكّ هو أولى درجات السيطرة، فبدلاً من أن يقنعوك بأنهم على حق، يبدأون بإقناعك بأن كل من عداهم على باطل، لا يقدّمون مشروعاً بقدر ما يهدمون مشروع غيرهم، لا يقترحون حلولاً، بل يكرّسون العجز.

وفى كل أزمة تمر بها الدولة، ترى المشهد نفسه: لغة متكرّرة، مصطلحات محفوظة، تضخيم للمشكلات، تعميم للفشل، وتهوين لأى إنجاز، مع استخدام هائل للإعلام الجديد، والوسائط الرقمية، وتوظيف تام لقيم الحداثة فى خدمة خطاب مضاد للحداثة نفسها.

ومع أن الإخوان لم يقرأوا كتب علم النفس، إلا أنهم تعلّموا كيف يستخدمونه، فهموا معنى العقل الجمعى، وتأثير القطيع، وكيف أن الإنسان حين يخاف لا يفكر كما كان، بل كما يُراد له أن يفكر، ولذلك كان خطابهم موجّهاً دائماً إلى ما دون الفرد: إلى الحشد، إلى الجمهور، إلى الغاضب المتوتر.

كل أدواتهم -من الفيديو القصير، إلى البيان الغاضب، إلى البكاء المصطنع- تستهدف منطقة اللاوعى، حيث يُتّخذ القرار دون تفكير، فهم لا يخاطبون المواطن كإنسان، بل كمتلقٍّ مضغوط، مُرهق، يبحث عن ملجأ. وهنا يظهرون كأنهم الملجأ.

تاريخ الإخوان استثمار فى الفوضى فمنذ حريق القاهرة الجماعة لا تصنع الأحداث لكنها تُجيد القفز عليها.. هم يُجيدون تحويل كل أزمة لمنصة إطلاق للحرب النفسية

ولذلك فإن تاريخ الإخوان هو تاريخ استثمار فى الفوضى، فمنذ حريق القاهرة فى يناير 1952، إلى استغلال أزمة محمد محمود، وأحداث ماسبيرو، إلى تأجيج مشاعر الناس بعد ثورة يونيو 2013، يُظهِر أن الجماعة لا تصنع الأحداث، لكنها تُجيد القفز عليها، فهم والحق يُقال يُجيدون تحويل كل أزمة إلى فرصة، وكل فرصة إلى منبر، وكل منبر إلى منصة إطلاق للحرب النفسية.

ولذلك، كانت أجهزة المخابرات الأجنبية دائماً ترى فيهم أداة قابلة للتوظيف، ليس لأنهم يملكون مشروعاً، ولكن لأنهم قابلون للاندماج فى أى مشروع آخر طالما يُحقّق هدفهم الأهم وهو إسقاط الدولة، أو على الأقل تفكيكها.

وقد يسألنى القارئ: ولكن ما الشائعات التى تقصد؟ وما الذى يجعلنى أقول إن جماعة الإخوان تُدير معملاً لإنتاج الأكاذيب؟ فأقول: إن الشائعة، حين تُطلقها جماعة لها جهاز إعلامى، وآخر تنظيمى، وثالث أمنى، فهى ليست مجرد كلام يُلقى فى الهواء، وإنما هى مشروع سياسى قائم بذاته.

ودعونا نعُد قليلاً إلى ما بعد سقوط حكم الجماعة فى 2013، وسنجد نماذج كثيرة، محفوظة ومكرّرة، لكنها مدروسة. سأذكر بعضها لا على سبيل الحصر، ولكن على سبيل البيان:

فمثلاً عند تعيين الرئيس عدلى منصور رئيساً مؤقتاً للجمهورية أشاعوا أولاً أنه قبطى، ثم أشاعوا بعد ذلك أنه يعانى من أمراض خطيرة، انطلقت هذه الشائعة أولاً كجملة عابرة فى تغريدة من حساب مغمور، ثم تلقفّتها صفحاتهم، ثم ضخّموها عبر قنوات تديرها الجماعة من الخارج، ثم أعاد نشرها صحفيون غربيون ذوو صلات بأجهزة استخباراتية، فإذا بالرجل وقد تحوّل فى خيال الناس إلى مريض ميؤوس منه، ولم يكن الهدف شخص الرئيس، بل ضرب الثقة فى مؤسسة الحكم ذاتها.

ثم انطلقت شائعة بيع قناة السويس، وتكرّرت مرات بالطريقة نفسها، تسريب، وتعليق، ومقطع مفبرك، ثم حالة غضب مصطنعة، وفى كل مرة يستخدمون كلمة «بيع» مع مشروعات سيادية، ليزرعوا فى لاوعى المواطن فكرة أن وطنه يُنهب.

ثم شائعة المجاعة والكارثة الاقتصادية الوشيكة التى تنطلق مع كل هزة اقتصادية عالمية، يُخرجونها من أدراجهم بالعبارات نفسها: «الدولة ستنهار» «لا توجد احتياطات» «الجيش يستحوذ على كل شىء».. ثم يبدأون فى نشر صور من طوابير خبز من دول أخرى على أنها من مصر، ويقيسون الدين العام بلغة سطحية مدروسة للتخويف لا للفهم.

وشائعة الانشقاقات داخل مؤسسات الدولة، فكم مرة سمعنا أسماء بعينها، قيل إنها على خلاف مع القيادة، ثم اتضح أنها مجرد فبركة مقصودة، هدفها ضرب وحدة المؤسسات السيادية، وتحديداً الجيش.

وثمة سردية تُستدعى كلما عجز الخيال عن إنتاج جديد، وأقصد بذلك شائعة النسب اليهودى التى يطلقها الإخوان كلما أرادوا ضرب الزعامة أو تشويه الرمزية الوطنية.

فالإخوان -كما قلت مراراً- لا يقاتلون الدولة من موقع المعارضة الطبيعية، بل من موقع النفى الوجودى، فهم لا يريدون التعايش مع الدولة، بل أن يُعيدوا تعريفها من جديد، ويبدأوا من الصفر، وكأن كل ما سبقهم كان خطأً، وكل من سبقهم خائن أو ضال، ومن أجل ذلك، هم يُركّزون على تفكيك الشرعية الرمزية لمن يُجسّد الدولة، والرئيس، والمؤسسة، والجيش، والقضاء، وحتى الأزهر إذا خالفهم.

والشائعة عند الإخوان ليست لحظة عابرة، بل صناعة متكاملة، هناك لجان إلكترونية لا تكتب، بل يُملى عليها ما تكتبه، وهناك مخطط، ومحرّر، ومصمم، ومروج. وهذه المنظومة بدأت منذ سنوات، حين استعان الإخوان بمدربين من مراكز أمريكية وأوروبية تدرّس ما يُعرف بـ«حروب الجيل الرابع»، وهو التعبير الذى قد يبدو فضفاضاً، لكنه يشير إلى طريقة تفكيك الدول من داخلها دون جيوش، بل عبر وسائل الإعلام والضغط النفسى والسيبرانى.

ففى عام 2012، زار وفد شبابى من الإخوان دولة فى شرق أوروبا، وهناك تلقوا دورة عن كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعى لتشكيل الرأى العام، لم يكن الهدف التثقيف، بل التوجيه، كيف تصنع هاشتاج؟ كيف تحرّك الغضب؟ كيف تصنع حالة نفسية تُديرها عن بُعد؟

ثم جاءت إسطنبول، فصارت مركزاً لقيادة الحرب النفسية، بقنوات، وصفحات، وشركات وهمية، وكلها تتلقى الدعم من أجهزة مخابرات لا تُخفى نيتها فى زعزعة استقرار الدولة المصرية.

وبعض الدول -لا حاجة لذكر أسمائها الآن- كانت تُدرّب كوادر من الإخوان على كيفية إدارة الجمهور نفسيّاً، بعضهم تلقى تدريبات على يد شركات لها صلات بـ(CIA) و(MI6)، فى برامج ظاهرها دعم الديمقراطية، وباطنها التدريب على تفتيت المجتمعات من الداخل، كانوا يدرسون لهم نماذج من الحرب النفسية التى خاضتها الولايات المتحدة فى فيتنام، أو التى أدارها السوفييت فى أوروبا الشرقية.

ليس هذا الكلام افتراضاً، بل هو موثّق فى تقارير استخباراتية غربية، بعضها سُرّب، وبعضها نُشر علناً.

وقد قلتُها من قبل، وسأكررها هنا: لا يمكن محاربة هذه الحرب النفسية بالأدوات القديمة، الردّ على الشائعة ليس بياناً حكوميّاً بعد يومين، ولا يكفى أن نطلب من المواطن أن (يفهم)، بل يجب أن نعطيه أدوات الفهم، أن نُحصّنه، ليس فقط ضد الكذب، بل ضد الرغبة فى تصديقه، ذلك أن الإخوان لن يتوقفوا عن صناعة الشائعة، ولكن الدولة والمجتمع والنخبة لا بد أن يصنعوا الوعى، فقد أصبح العقل الجمعى المصرى ساحة معركة مفتوحة، ومن لم يُدرك أن الحرب النفسية اليوم هى أخطر ما تواجهه الدولة، فقد تأخر كثيراً عن فهم طبيعة اللحظة.

فعندما تُطلق رصاصة، فربما تصيب جسداً، أما حين تُطلق «إشاعة» فهى قد تُصيب وطناً بأكمله، وقد قلتها أكثر من مرة، وسأكررها: فى معركة البقاء لا يكفى أن تملك الدبابة، بل يجب أن تملك الكلمة، لا يكفى أن تحكم الأرض، بل لا بد أن تملك الفضاء الذى تُخاض فيه المعارك الجديدة.

وحتى لا تكون خاتمة مقالى عبارة عن جرس إنذار، فإننى سأكتب لكم فى النهاية حقيقة، حقيقة لا يعرفها إلا من يعرف الإخوان حق المعرفة، وتعيش مصر فى وجدانه حق المعايشة، هذه الحقيقة هى أن «مصر -بحضارتها وتاريخها ومعدن شعبها- أكبر من أن تهزمها شائعة، مهما كانت مُتقنة الصياغة.. والإخوان -بكل ما يملكون من أجهزة وفضائيات ومخططات- أصغر من أن يهزموا وطناً كُتب تاريخه بدماء من قاتلوا لا ليحكموا، بل ليبقى هذا الوطن قائماً».