إشكالية AI بين الإبداع والفتوى

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

معطيات المنطق والواقع بالتأكيد تفرض اللحاق بالقطار فائق السرعة الذى يكاد يومياً يدهشنا باكتشاف محطة جديدة، منذ ظهور ما أطلق عليه AI أو الذكاء الاصطناعى، لم يتوقف الجدل عن ميزاته ومخاطره ما يجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل تطوراته، حتى إن بعض الآراء ذهبت إلى منحه قدرة شاملة فى التفوق على الدور البشرى.

هذه المبالغة تغاضت عن حقائق عديدة ما زالت تطرح علامات استفهام لا حصر لها، ففى مجال الإعلام المقروء والمرئى، تفقد البرامج والفقرات المختلفة على شاشات التليفزيون الكثير من مقومات تفاعلها إذا غاب عنصر التواصل الحميم مع المشاهد، بالإضافة إلى القدرة على إيصال الرسالة الإعلامية على نفس موجة اهتمامات المتلقى وقضاياه، إذ لا يمكن تصور المقارنة بين مستوى أداء إعلامى لذكاء اصطناعى وآخر بشرى فى برنامج حوارى يطرح مع مختصين نقاشاً حول أزمات داخلية، مثل غلاء الأسعار، أو تطورات الأزمات فى المنطقة العربية بكل مستجدات أحداثها، والسؤال هنا: هل يملك أى صحفى أو إعلامى «ذكاء اصطناعى» هذا «الترمومتر» الذى يقيس بدقة وسائل الضغط التى يمارسها دون إرباك المصدر من أجل الوصول إلى حقيقة المعلومة الدقيقة.

الإعلام المقروء بدوره شاهد عدة متغيرات مع تطور الفضاء الإلكترونى وانتشار المواقع المختلفة التى أصبحت تجتذب الشريحة الأكبر فى متابعة مستجدات الأحداث لحظة بلحظة. تفوق سرعة هذه المواقع فى نشر الخبر الأعداد الورقية، وعلى الجانب الآخر، فإن هذا التفوق أكسب الكتابات التى تعتمد على الحقائق والأدلة عند طرح التحليل الموضوعى مساحة اهتمام والسؤال هنا أيضاً هل يستطيع الذكاء الاصطناعى تقديم كاتب متخصص يمتلك ملكة التحليل الدقيق والموضوعى لكل الأحداث سواء سياسية، اجتماعية أو غيرها. فى الإبداع تبدو المساحة أبعد بين العنصرين، فصحيح أن الذكاء الاصطناعى لديه الآن القدرة على الرسم، نظم الشعر، تأليف الروايات.. ربما مستقبلاً سيقوم بتأليف سيناريوهات للدراما والسينما والتمثيل أيضاً! كل هذه القدرات لم تستطع تحطيم حواجز عناصر التأثير والانفعال البشرى بالحدث للتعبير عنه فى مختلف مجالات الإبداع وهما يشكلان للمبدع قضيته التى يطرحها على المتلقى. إبداع العنصر البشرى هو الذى أنتج أفضل 100 فيلم فى السينما المصرية، كما صاغ مئات من أعمال دراما التليفزيون التى ما زالت تحظى بنسب مشاهدة عالية رغم مرور عقود على إنتاجها.

الأمثلة لا تقتصر على الأعمال الكلاسيكية، لكنها تشمل إبداعات معاصرة لمست بصدق ووعى شديدين المشاعر والعقل فى حالة إنسانية يصعب على الذكاء الاصطناعى إدراكها أو إتقانها، والدليل هو «المسخ» الذى سمعناه سواء عند إعادة إنتاج أغانى كبار المطربين والمطربات أو الأغانى الجديدة المنفذة بتقنية الذكاء الاصطناعى، ما يثبت أن الإبداع البشرى فى الفنون سيبقى منحة إلهية تستحوذ على وجدان من يحظى بها حتى نهاية العالم.

الإشكالية الأخرى تكمن فى حسابات الآثار السلبية والإيجابية فيما يربط علاقة الذكاء الاصطناعى بإصدار الفتوى والتعامل مع النصوص الشرعية، فتاوى الطلاق مثلاً تحتاج إلى حوار مع الأطراف فقد يكون الطلاق متحققاً وتظهر نتائج البحث على الذكاء الاصطناعى عدم وقوعه، إذ رغم أن القدرات المعلوماتية الكبيرة للذكاء الاصطناعى ما زالت قاصرة مقارنة بالفهم البشرى فى التعامل مع الفتوى والنصوص الشرعية.

القضية الأخطر تتمثل فى استخدام مواقع عشوائية أو تلك التى تشرف على إدارتها التنظيمات الإرهابية باستغلال تلك التقنيات وتحويل هجماتها إلى وسائل إلكترونية ذكية، خصوصاً أن الذكاء الاصطناعى غير قادر على معرفة الفتاوى الشاذة أو التى تخالف إجماع المذاهب ما قد يسبب فوضى فى الفتوى، وتأثير ذلك على زيادة نسبة المعلومات والفتاوى المغلوطة والأخبار الزائفة والشائعات.

فى المقابل، دخول الذكاء الاصطناعى مجال الفتوى بالتأكيد يشمل بعض الإيجابيات.. مثل ميزة ترجمة وتعريب الفتاوى والأحكام الشرعية من اللغات المختلفة إلى لغة المستخدم، وبذلك يتيح فهماً أوسع للمعلومات الشرعية، وتوفير الإرشادات الدينية بلغات مختلفة، وزيادة مساحة وإمكانية الوصول إلى مصادر كثيرة للفتوى، وهى إشكالية تفرض توازناً دقيقاً بين السلبيات والإيجابيات.

إن الذكاء الاصطناعى بالتأكيد يمثل نقلة تاريخية فى تلقى المعلومة رغم كل ما يحمله من علامات استفهام عن تطوره المستقبلى، وهى نقلة كبيرة شملت الإمكانيات الهائلة التى يوفرها فى شق الارتقاء بالمستوى التقنى لوسائل الإعلام المرئية والمقروءة. مثلاً عبر طرق إضافة عناصر تشويق على التطوير الشكلى فى المحتوى الإعلامى وكل ما يدعم عرض المعلومة.

فى الفنون نجح توظيف السينما والدراما لتقنيات الذكاء الاصطناعى ما أضفى إبهاراً انعكس على مصداقية وثراء عناصر العمل، لكن من جهة أخرى فإن النجاح المطلق الذى يحققه أى عمل فنى لن يأتى عن طريق سيناريو تم تجميعه من مواد متناثرة على شبكات البحث المختلفة على الإنترنت أو أداء تمثيلى مصطنع عبر تقنية الذكاء الاصطناعى.