ترامب رجل السلام

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

في حملته الانتخابية الأخيرة قدم دونالد ترامب نفسه كرجل سلام، مع وعود بإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية، وتحسين العلاقات مع الصين وانهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط والقضاء على حماس وحزب الله وإيران، وأخذت تتصاعد هذه النغمة خاصة بعد تدخله لاحتواء التصعيد بين الهند وباكستان في مايو الماضي، وإعلانه عن الاتفاق بوقف كامل وفوري لإطلاق النار بين البلدين، ثم رعايته لاتفاق سلام بين رواندا والكونغو الديموقراطية بعد صراع دام أكثر من ثلاثين عاما، وفي فجر الثاني والعشرين من يونيو الماضي قامت 125 طائرة أمريكية بضرب ثلاثة مفاعلات نووية إيرانية، اعتبر بعدها ترامب أنه قوض قوى إيران النووية لسنوات قادمة وأنه بذلك قد وضع المنطقة على طريق السلام!

مؤخرا عاد البعض ونادوا مطالبين بأحقية ترامب الحصول على جائزة نوبل للسلام، ولا بأس من أن يحصل ترامب على هذه الجائزة بل وغيرها من الجوائز، بل وكل الجوائز العالمية والمحلية، ولكن كيف سيقدم ترامب نفسه للعالم كرجل سلام ولا يزال هناك مدنيين أبرياء يُقتلون رعباً وفزعاً وجوعا وتشردا في غزة ؟ بل كان أول ما دعا إليه بمجرد توليه الحكم أن يوزع أهل غزة بين مصر والأردن وقد وضع تصورا خياليا ليجعل من شاطيء غزة ريڤيرا جديدة، ولولا حكمة وحنكة الدولة المصرية العريقة وإدارتها لهذه الأزمة لكانت قضية غزة قد ذهبت أدراج الرياح.

بالفعل يمكن لترامب أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه، بل وتخلده الإنسانية حين يصنع ما لم يستطع رئيس أمريكي من قبله على صناعته وهو حل القضية الفلسطينية، التي تعد أقدم قضية احتلال في عصرنا الحديث، والتي أغلقت أمامها كل سبل الحل العادل والدائم، ولم يبق سوى ظهور رجل قوي يؤمن بالعدل وحقوق الإنسان وأولها الحق في الوطن، فهل يستطيع ترامب أن يخطو هذه الخطوة؟

الحقيقة أنه لا أحد يعلم إن كان يقدر على اتخاذ هذه الخطوة أم لا، وإن كان يعرف الحقيقة التي ستدفعه في هذا الطريق أم انه مثله مثل معظم الغرب وقد آمنوا بما يصدّره اللوبي الصهيونى، وما تُلح به إسرائيل ليل نهار عبر أتباعها وأبواقها في كل مكان، والحقيقة أيضا أن نظرته للأمور مرتبطة ارتباطاً وثيقا بكونه رجل مال وأعمال حساباته كلها تخضع وتميل إلى المكسب والربح، والمكسب فقط.

الزمن الذي كان فيه زعماء الدول الكبرى يستدعون قيم ومثل عليا ومواقف خالدة لتغليف أغراض بلادهم في الوصول إلى الأهداف الحقيقية قد ولى وذهب أدراج الرياح، وكان دونالد ترامب هو الرائد في هذا التحول، ولا مانع هنا أيضا أن يبحث لبلاده عن الأرباح والمكاسب، وأن يبتز الشعوب ويهددها، وأن يميل للطرف المغتصب على حساب الطرف المقهور الضعيف صاحب الحق، كل ذلك لا مانع منه، ولكن المانع الكبير هو أن يصبح رجل سلام بشهادة أهم جائزة في العالم وهي جائزة نوبل، التي أعتقد أن ترامب لا يحتاجها كثيرا فهي بالنسبة له مجرد وردة في عروة الچاكت، ولن تضيف له من المكاسب سوى ترديد عبارات لن يصدقها سواه، ولكن ما يزال الطريق أمامه إذا أراد حقاً أن يكون رجل سلام وأن يصفق له العالم أجمع، فعليه أولا أن يعيد للفلسطينيين حقوقهم ويعيد لأهل غزة أمنهم، ويعيد للمنطقة سلامها، حينها سيكون عن حق رجل سلام القرن وليس لعام فقط.