«فتش عن أنور وجدي».. كواليس إجبار ليلى مراد على الاعتزال
«فتش عن أنور وجدي».. كواليس إجبار ليلى مراد على الاعتزال
منذ سنوات طوال، ظل سؤال: لماذا اختفت ليلى مراد؟ يتردد في الأوساط الفنية والجماهيرية، نجمة لامعة في سماء الغناء والسينما العربية، اختفت عن الأنظار في أوج مجدها، لتتعدد الروايات حول أسباب غيابها، البعض نسب ذلك إلى المرض، وآخرون تحدثوا عن أزمة نفسية طاحنة، بينما ربطها البعض بزيادة الوزن ورغبتها في الحفاظ على صورتها الذهنية لدى جمهورها، لكن الحقيقة كما كشفتها تحقيقات صحفية ومذكرات شخصية كانت أكثر تعقيدًا وإيلامًا وتتركز في شخص واحد وهو أنور وجدي.

اختارت العزلة بنفسها
في عام 1961 خرج الكاتب الصحفي حسين عثمان بتحقيق لمجلة الكواكب أكّد فيه أنَّ بداية مأساة ليلى مراد تعود إلى عام 1951، عندما انفصلت عن أنور وجدي بعد سلسلة من الخلافات النفسية والصحية، وسافرت بعد الطلاق بحثًا عن الراحة، لكن أنور لم يتركها لحالها، فقد سخّر كل ذكائه ـ بحسب عثمان ـ لإطلاق شائعات مثيرة حولها، أبرزها أنها زارت دولة الاحتلال وتبرعت لها بمبلغ 50 ألف جنيه، ما أثار غضب الدول العربية التي سارعت إلى منع أعمالها وأغانيها، وكان في مقدمتها سوريا.
ليلى ترد على الإشاعة.. وتدفع الثمن
وقتها عادت ليلى إلى القاهرة لتكذيب ما أُشيع عنها، مستشهدة بإشهار إسلامها على يد الشيخ محمود أبو العيون، قائلة: أنا مصرية ومسلمة، إزاي أتبرع لدولة ما أعرفهاش؟، فيما أثبتت التحقيقات الرسمية براءتها، لكن الضرر النفسي كان قد وقع، وباتت ليلى مراد المعروفة للجميع برقتها تخاف من كل شيء، حتى من الناس.
عودة قصيرة من العزلة
بقيت ليلى حبيسة عزلتها الاختيارية فترة من الوقت، لكنها، بضغط من المقربين، عادت للساحة مجددًا، وقدمت فيلم الحياة الحب عام 1954 الذي حقق نجاحًا كبيرًا، وفي نفس الفترة تعرفت على المخرج فطين عبدالوهاب وتزوجته، وقد أفلح فطين في انتشالها من عزلتها، وبدأت تستعد لأغانٍ جديدة، لكنها فوجئت بتغيرات في الوسط الفني، أهمها، كما قال حسين عثمان، أن الإذاعة باتت تساوي بينها وبين أصحاب المواهب الضعيفة، أدبيًا وماديًا.

الإذاعة تتجاهلها.. والشك يتحول إلى يقين
حاولت ليلى أن تطلب من الإذاعة تقديرًا خاصًا، لكن طلبها قوبل بالتجاهل، ومن هنا بدأ الشك يساورها بأن هناك من يحاربها فنيًا، وهو ما تعزز لديها بعد أن تراجعت جهات إنتاجية عن تنفيذ أفلام كانت وافقت على بطولتها.
القشة التي قصمت ظهر العزيمة
وسط تلك الاضطرابات، جاءت الصدمة الكبرى برحيل شقيقها المنتج إبراهيم مراد، الذي كان يمثل لها السند الأول والأخير، فقررت ليلى الانسحاب التام من الحياة الفنية والاجتماعية، لكن حب الفن ظل يلح عليها بالعودة، فحاولت مجددًا التعاون مع الملحن الشاب وقتها حلمي بكر، واستعادت رشاقتها، وسجلت عدة أغنيات جديدة، غير أن الإذاعة عادت لتتجاهل هذه الأغاني، وفضلت إذاعة أعمالها القديمة فقط، فكان القرار النهائي والحاسم من ليلى «الاعتزال بلا رجعة».
شهادة حسن إمام عمر
بعد نشر التحقيق، كشف الكاتب الصحفي حسن إمام عمر شهادته بنفس المجلة ـ الكواكب ـ بوصفه من المقربين لأنور وجدي، مؤكدًا أن العلاقة بينه وبين ليلى توترت بعد فيلم غزل البنات بسبب أزمة ضرائب، إذ كانت ليلى مطالبة بسداد مستحقات عن أفلامها التي لم تتقاضَ عنها أجرًا من أنور، وحين طالبته بسداد الضرائب عنها فاجأها بقوله: أنا مش معايا فلوس، كل الفلوس حطّيتها في أفلامي.
وبحسب عمر، فإن أنور لم يتحمل فكرة فقدان ليلى بعد طلاقهما، وبدأ يشن حرب شائعات ضدها، منها إشاعة التبرع لدولة الاحتلال، التي كانت ضربة قاسية لها على المستوى النفسي والمهني.
مذكرات ليلى مراد تكشف الحقيقة
أما ليلى فقالت في مذكراتها إنها كانت ضحية لشائعات أنور وجدي، وفسرت: كان أنور بارعًا في ابتكار أساليب الدعاية لأفلامه، وكان من بين أساليب الدعاية الخاصة به في فيلم قلبي دليلي أن أشاع أنني هربت من المنزل، وأنه أرسل مئات الرسل للبحث عني في كل مكان، ولم يصل إلى سمعي شيء من هذه الإشاعات إلا بعد أن جاء اثنان من الصحفيين البارزين لزيارة أنور والاطمئنان على نتائج جهوده في البحث عني، ولما استقبلهما وسألا عني قال لهما موجودة، ليه في حاجة؟، وقال أحدهما: لقد سمعنا إنها هربت، فضحك أنور وقال دي إشاعة بايخة قوي، وتهرب ليه؟، ثم ناداني فخرجت، ولما قابلتهما روي لي تفاصيل الإشاعة وتظاهر أنور وهو يضحك بأنه يستمع لهذه الإشاعة لأول مرة.
أنا ضحية أنور وجدي
وتابعت: «كان أنور قد ألقى عليّ يمين الطلاق مرتين وكان أصدقاؤه يحذرونه من اليمين الثالثة، إذ لا يمكن أن أعود إليه بعدها، إلا أنه في ثورة غضبه ألقى عليّ الطلقة الثالثة، وعندئذ ما وسعني إلا أن أجمع حاجاتي وأذهب إلى منزل الأسرة، وحاول أنور أن يعيدني إلى عصمته بعد أن تغلب على الطلاق البائن بالمحلل، ولكنني اعترضت على ذلك واشترطت لعودتي ما يحفظ لي كرامتي كزوجة وكسيدة لها دورها في الحياة العامة، وتظاهر أنور بقبول شروطي وفجأة وجدته يطلق إشاعات كاذبة كانت تسيء إلى سمعتي كسيدة تحترم نفسها وكمواطنة مصرية تحب وطنها وتضحي بحياتها في سبيله».
تختتم: «ولم يكن لي من هم ولا جهد بعد ذلك إلا أن أكذب هذه الإشاعات التي يروجها من حولي والتي ألحقت بي أضرارًا بالغة، فإنه لم يتحرج من أن يسيء إلى سيدة يعرف هو قبل غيره مدى حرصها على كرامتها ومدى حماستها الشديدة لوطنها مصر، وهكذا أصبحت ذات يوم ضحية عدة إشاعات مصدرها أنور وجدي، ومضت الأيام وحاول الكثيرون من الأصدقاء والزملاء أن يصلحوا ما أفسده أنور، ولكنني رفضت كل هذه المحاولات بعد أن تبين لي أن أنور قد أخل بالشروط التي تقدمت بها إليه والتي فصلتها فيما مضى، على أن هذا الرفض من جانبي كان سببًا في مضاعفة نشاط الإشاعات عني، وكلما أبلغت نبأ إشاعة منها كنت أدعو المولى عز وجل أن يحميني من شرها، والذي أستطيع أن أؤكده هو أنور خرج من حياتي تمامًا في هذه الفترة، فلم أعد أفكر فيه أبدًا إلا حين تصل إليّ إحدى الإشاعات التي يطلقها ورائي».